بريطانيا تصحو على عواقب البريكست بعد تحديد موعد الطلاق

بدأت الأسواق المالية والأوساط الاقتصادية بإحصاء العواقب الخطيرة لانفصال بريطانيا عن الاتحاد الأوروبي، بعد أن خرجت لندن عن تجاهلها لنتائج الاستفتاء وحددت موعدا لبدء إجراءات الطلاق مع أوروبا. يبدو أن ردود فعل الأسواق لا تزال تأخذ في الاعتبار أن الحكومة البريطانية قد لا تقوى على الالتزام بوعود الانفصال.
الثلاثاء 2016/10/04
اختبار قوة الجنيه الاسترليني

لندن – عبرت أسواق المال أمس عن حجم مخاوفها من إعلان الحكومة البريطانية أنها ستبدأ إجراءات الانفصال عن الاتحاد الأوروبي قبل نهاية مارس المقبل، ودفعت الجنيه الاسترليني إلى مستويات قريبة من أدنى مستوياته مقابل الدولار منذ 31 عاما، حين اقترب من حاجز 1.28 دولار.

وتراجع الاسترليني بشكل أكبر مقابل اليورو، ليشكف عن الخاسر الأكبر في معادلة الانفصال بين بريطانيا والاتحاد الأوروبي، حين انحدر الاسترليني ليقترب من حاجز 1.14 يورو. وبذلك تصل خسائر العملة البريطانية إلى أكثر من 15 بالمئة من إعلان نتائج استفتاء 23 يونيو. ويفصح ذلك عن هبوط غير مباشر لجميع الأسهم والأصول البريطانية، وهو ما يفسر ارتفاع مؤشرات الأسهم أمس لتعويض خسائر الاسترليني.

فيليب هاموند: اقتصاد بريطانيا سيواجه اضطرابات خلال المفاوضات وسنشهد جوا من الضبابية

وكانت رئيسة الوزراء تيريزا ماي قد أعلنت يوم السبت في مؤتمر الاجتماع السنوي لحزب المحافظين أنها مصممة على المضي قدما في عملية الانفصال والفوز “باتفاق ملائم” لتهدئة المخاوف داخل الحزب من احتمال تأجيل هذه الخطوة.

وقفزت أسعار الذهب، التي تعد مؤشرا على قلق المتعاملين، الذين يهربون إلى الملاذات الآمنة في أوقات الأزمات والغموض بشأن مستقبل أداء الاقتصاد العالمي.

ويرى محللون أن الأسواق لم تكشف عن حجم قلقها من إعلان الحكومة البريطانية، لأنها تدرك صعوبة الالتزام بتلك التعهدات، التي قد تعني أزمة اقتصادية كبيرة وانفراط عقد المملكة المتحدة بانفصال اسكتلندا وربما إيرلندا الشمالية. وقد أقرت بالبعض من تلك الأخطار حين قال وزير المالية البريطاني فيليب هاموند أمس إن اقتصاد بلاده سيواجه اضطرابات في الوقت الذي تتفاوض فيه الحكومة على خروج البلاد من عضوية الاتحاد الأوروبي.

وأضاف “لا بد أن نتوقع البعض من الاضطراب في وقت التفاوض الذي يستمر لعامين وربما أكثر… سنشهد جوا من الضبابية بين الشركات بشأن الحالة النهائية لعلاقتنا مع الاتحاد الأوروبي ونريد دعم الاقتصاد خلال تلك الفترة”.

وأكد أن “هناك خلافات بين الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي بشأن الموقف الذي سيتبنونه بشأن علاقات التجارة بين الاتحاد وبريطانيا في المستقبل… دول كثيرة تقول لنا بشكل خاص إنها تريد علاقات تجارية قوية جدا ومستمرة مع بريطانيا”.

وجددت المفوضية الأوروبية موقفها الثابت بعدم تقديم تنازلات تسمح لبريطانيا بالحصول على المزايا دون دفع ثمن حرية تنقل الأشخاص وحقول العمل. وقالت إن إعلان الجدول الزمني للانفصال لن يغير شيئا في النهج الحالي للاتحاد الأوروبي في ما يتعلق بالخروج. وأوضح متحدث باسم المفوضية في بروكسل أمس أن المفوضية لن تجري مفاوضات بشأن آليات الخروج قبل أن تتقدم بريطانيا بطلب بشأن تفعيل المادة 50 من اتفاقية الاتحاد الأوروبي وأن ذلك لن يحدث على أساس كلمة رئيسة الوزراء البريطانية وحدها.

وينتظر الاتحاد الأوروبي منذ الاستفتاء الذي أجري في يونيو الماضي طلبا رسميا من قبل بريطانيا بأنها ترغب في الخروج من الاتحاد، لتبدأ مفاوضات الانفصال خلال فترة لا تتجاوز عامين على أقصى تقدير.

ويؤكد المراقبون وجود انقسامات داخل حكومة ماي بين من يدعو إلى خروج “قوي” يعني قطع كل الروابط وبسرعة مع مؤسسات الاتحاد الأوروبي والانسحاب من السوق المشتركة، وبين خروج “لين” يحافظ على الوصول إلى السوق المشتركة بشكل ما.

المفوضية الأوروبية: لن تجري أي مفاوضات قبل تفعيل المادة 50 من اتفاقية الاتحاد الأوروبي

لكن زعماء الاتحاد الأوروبي أوضحوا مرارا أنهم لن يقدموا أي تنازلات وأن استمرار الوصول الحر إلى السوق الأوروبية يفرض استمرار حرية الحركة للعاملين في الاتحاد الأوروبي إلى داخل بريطانيا.

ويرى مؤيدو البقاء في الاتحاد الأوروبي أن الاستفتاء تم على أساس التلاعب بعواطف الناخبين ولم يكن على أساس خيارات محددة، وأنه ينبغي العودة إلى البرلمان بعد تحديد الخيارات الصريحة المتاحة إثر المفاوضات وربما إجراء استفتاء آخر. وكانت عملية الهجرة الجماعية غير المضبوطة من الاتحاد عاملا كبيرا في التصويت البريطاني التاريخي لتصبح أول دولة تغادر الاتحاد الأوروبي بعد عضوية استمرت 40 عاما.

ويخشى الاتحاد الأوروبي أن يؤدي منح بريطانيا مزايا مجانية، إلى انفراط عقد الاتحاد، لأنه سيدفع الكثير من الدول الأعضاء إلى المطالبة بالانفصال للحصول على المزايا المجانية غير الواقعية.

ويقول محللون إن الانفصال سيؤدي إلى ضربة قاسية للاقتصاد البريطاني وخاصة لمركز لندن المالي، الذي يساهم بنسبة كبيرة من الناتج المحلي الإجمالي، بعد أن لوحت المصارف العالمية الكبري بنقل مقراتها إلى البر الأوروبي إذا فقدت حق التعامل المالي داخل منطقة اليورو من مراكزها في لندن.

كما أنه سيؤدي إلى نهاية بريطانيا بحدودها الحالية ويدفع إلى انفصال اسكتلندا الحتمي، وترجيح انفصال إيرلندا الشمالية، وموت جبل طارق، إذا انقطعت صلاته مع أسبانيا.

وتبدو الخيارات أمام لندن واضحة وصريحة، هي بين نارين؛ إما كارثة اقتصادية ونهاية بريطانيا بحدودها الحالية، وإما انفصال شكلي لا يختلف عن العضوية الحالية الكاملة، لأنه يبقي حرية تنقل الأشخاص، التي كانت العامل الحاسم الذي صوت له مؤيدو الانفصال للتخلص من غزو عمال أوروبا الشرقية.

10