بريطانيا تناور لتبقى في الاتحاد الأوروبي بشروطها

تشكل مسألة خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي تحديا لرئيس الوزراء البريطاني من جهة ولأوروبا من جهة أخرى، فالأول يسعى من خلال هذه المجازفة إلى الحد من اندفاع حزب الاستقلال وتنفيذ وعده الانتخابي، في حين تخشى الثانية (أوروبا) على وحدتها وقوتها المستمدّة من أهمية بريطانيا على مستوى القوى الدولية. وبين هذا وذاك لا تبدو هناك إجابة واضحة وشافية لسؤال: هل يمكن لبريطانيا فعلا أن تخرج من الاتحاد الأوروبي؟ والذي سيبقى يتردّد إلى يوم إجراء الاستفتاء عليه.
الخميس 2016/02/04
طريق واحد يبقي بريطانيا ضمن البيت الأوروبي الموحد.. تنفيذ شروطها

يبدو موقفه صعب وغامض فهو يود فوز الجهة المؤيدة للبقاء في الاتحاد الأوروبي لكن عليه التفكير في عاملين آخرين. العامل الأول يتمثل في ما يناهز مئة نائب من حزبه متمردين ومشككين في الاتحاد الأوروبي وكانوا جزءا من السبب في دعوته إلى إجراء الاستفتاء أصلا.

والعامل الثاني يتمثّل في عامة الجماهير التي يحاول إقناعها بخطاب يقول إن الحكومة ستحقق إعادة تفاوض صعبة حول علاقة المملكة المتحدة ببقية القارة الأوروبية.

لندن- دعا رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون، في خطاب بمجلس العموم إلى “خوض المعركة معا” للحصول على الإصلاحات التي تسمح للمملكة المتحدة بالبقاء في الاتحاد الأوروبي، وينتقدها المشككون في جدوى الوحدة الأوروبية والصحف بشدة.

وقال كاميرون، غداة نشر الإصلاحات التي يدعمها المجلس الأوروبي، “إذا كنتم تريدون إنهاء العطاء بلا مقابل وخروج بريطانيا من اتحاد أكثر ضيقا، وإذا كنتم تريدون مساواة بين الدول الأعضاء وغير الأعضاء في منطقة اليورو، وإذا كنتم تريدون أوروبا أكثر قدرة على المنافسة، فلنخض هذه المعركة معا”. وأضاف كاميرون، الذي يريد الدفاع عن الاتفاق الأوروبي التمهيدي أن “ساعة القرار تقترب”.

وكشف الاتحاد الأوروبي مقترحاته لتجنب خروج بريطانيا من الاتحاد وطرح خصوصا إجراء طارئا يسمح للمملكة المتحدة بوقف الإعانات الاجتماعية للمهاجرين وضمانات بأن لا تتأثر أوساط المال البريطانية في حال تحسن اليورو.

بوعده بإجراء هذا الاستفتاء، الذي ينطوي على مجازفة كبيرة، يأمل كاميرون في الحد من اندفاع حزب يوكيب الذي يقوده نايجل فاراج

وتحت ضغط المشككين في أوروبا من حزب الاستقلال (يوكيب) والجناح المشكك في جدوى الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي داخل حزبه، تعهد رئيس الوزراء المحافظ الذي أعيد انتخابه في مايو 2015 بتنظيم استفتاء على الرغم من المجازفة بالتسبّب في أزمة كبرى باتحاد تهزه أصلا أزمة المهاجرين.

ويبدو موقف رئيس الوزراء المحافظ صعب وغامض، فهو يود فوز الجهة المؤيدة للبقاء لكن عليه التفكير في عاملين آخرين. العامل الأول يتمثل في ما يناهز مئة نائب من حزبه متمردين ومشككين في الاتحاد الأوروبي وكانوا جزءا من السبب في دعوته إلى إجراء الاستفتاء أصلا.

والعامل الثاني يتمثّل في عامة الجماهير التي يحاول إقناعها بخطاب يقول إن الحكومة ستحقق إعادة تفاوض صعبة حول علاقة المملكة المتحدة ببقية القارة الأوروبية. وينوي كاميرون تنظيم الاستفتاء الشعبي اعتبارا من يونيو المقبل إذا تمكن من انتزاع اتفاق مع رؤساء الدول والحكومات في القمة التي ستعقد ببروكسل في 18 و19 فبراير.

اتفاق يواجه معارضة

بوعده بإجراء هذا الاستفتاء، الذي ينطوي على مجازفة كبيرة، يأمل كاميرون في الحد من اندفاع حزب يوكيب الذي يقوده نايجل فاراج. لكن المشكّكين في جدوى الاتحاد، وكما كان متوقعا، انتقدوا المقترحات الأوروبية على غرار رئيس بلدية لندن المحافظ بوريس جونسون الذي دعا إلى بذل المزيد من الجهود. ومن جهته، وصف فاراج الاتفاق المطروح بأنه “سيء”.

ويبدو أن كاميرون تمكن من إقناع وزيرة الداخلية تيريزا ماي بمشروع الاتفاق لكن أربعة وزراء آخرين في حكومته على الأرجح سيقودون حملات من أجل خروج بريطانيا من الاتحاد.

وتشير لهجة الاستياء التي تبنتها الصحف البريطانية إلى أن رئيس الوزراء سيخوض معركة صعبة، حيث كتبت صحيفة ديلي ميل أنها “معجبة بكاميرون (..) لكن بشأن أوروبا علينا أن نقول بصراحة إن عماه يقطع الأنفاس” بشأن هذا “الوهم الكبير” الذي شكل عنوان صفحتها الأولى.

جان كلود يونكر: مقترحات إصلاح الاتحاد الأوروبي عادلة للجانبين لبريطانيا وللدول الأوروبية

أما صحيفة تايمز فقد كتبت “يجب أن يكون الأمر إصلاحا جذريا للعلاقات مع اتحاد أوروبي أكثر عقلانية وأكثر مسؤولية”، مشيرة إلى أن “كاميرون اكتفى على ما يبدو بما يريد الاتحاد دون إصلاح منحه له ليبقى”. ووحدها صحيفة فايننشال تايمز دافعت عن رئيس الوزراء البريطاني، وكتبت أن “أداءه كان أفضل مما كان متوقعا في عملية إعادة التفاوض هذه”.

اقترحت بروكسل آلية إنقاذ تقضي بتقليص المساعدات الاجتماعية للعاملين القادمين من دول أوروبا وخصوصا من شرق القارة للاستقرار في بريطانيا، على مدى أربع سنوات، على أن يتم تخفيض الاقتطاعات تدريجيا خلال تلك الفترة. وإجراء “الكبح” هذا يمكن تفعيله في حال شهدت بريطانيا “تدفقا للمهاجرين من دول أعضاء أخرى بكثافة استثنائية”. وكان كاميرون يطالب بأكثر من ذلك، أي بوقف دفع أي مساعدات اجتماعية للمهاجرين القادمين من الاتحاد الأوروبي للعمل في المملكة المتحدة لمدة أربع سنوات. لكن هذا المطلب الذي اعتبر “تمييزيّا” مخالف لحرية نقل الممتلكات وتنقل الأفراد، المبدأ المؤسس للاتحاد.

هل هو مقبول

اعتبر وزير الدولة التشيكي للشؤون الأوروبية توماش بروجا، أن اقتراح رئيس المجلس الأوروبي دونالد توسك “مقبول”. وأضاف في تغريدة على موقع تويتر أن “النقاش يدور الآن حول الفترة الزمنية التي سيتم فيها تقليص حرية التنقل”.

ووعد توسك لندن أيضا “باحترام حقوق وصلاحيات” الدول غير الأعضاء في منطقة اليورو. وعرض آلية تسمح للدول التسع التي لم تتبن العملة الواحدة بالتعبير عن قلقها والحصول على “التأكيدات اللازمة” حول قرارات الدول الـ19 الأخرى التي تعتمد اليورو.

وأكد رئيس المجلس الأوروبي أن هذا “لا يشكل فيتو ولا يمكن أن يؤخر قرارات عاجلة” في حال حدوث أزمة مالية، موضحا أن تفاصيل تفعيله يفترض أن تناقش. وتنظر فرنسا باستياء إلى المطالب البريطانية حول هذه النقطة لأنها تخشى ألا يكون هدفها سوى حماية قطاع المال البريطاني الذي يتمتع بنفوذ كبير.

ومن جهة أخرى، اقترح توسك “نظام بطاقة حمراء” يسمح لأكثر من نصف البرلمانات الوطنية للاتحاد وبالتحديد 55 بالمئة، وقف خطط تشريعية للمفوضية الأوروبية. وكان هذا الأمر من المطالب الرئيسية لكاميرون. ولا يتيح نظام “البطاقة الصفراء” المعتمد حاليا في الاتحاد الأوروبي للبرلمانات سوى طلب استفسارات حول القوانين التي تصدر عن بروكسل.

بروكسل اقترحت آلية إنقاذ تقضي بتقليص المساعدات الاجتماعية للعاملين القادمين من دول أوروبا وخصوصا من شرق القارة للاستقرار في بريطانيا

وذكرت “بي بي سي” أن كاميرون يسعى إلى تحقيق عدة أهداف في المجالات التالية عبر إعادة التفاوض:

* التكامل: السماح لبريطانيا بألا تكون جزءا من الطموح الذي تأسس عليه الاتحاد الأوروبي وهو “اتحاد أوثق”، لذا فلن تشارك بريطانيا في اندماج سياسي أوروبي أبعد مما هو عليه الوضع الحالي.

* المساعدات الحكومية: تقييد حصول الأوروبيين الوافدين إلى بريطانيا سواء كانوا يعملون أو عاطلين على مساعدات حكومية. ويريد الوزراء البريطانيون بالتحديد وقف تدفق الأوروبيين على المملكة المتحدة، للحصول على مساعدات وسكن مجاني إلى أن يكملوا فترة أربع سنوات إقامة في بريطانيا.

* السيادة: منح صلاحيات وسلطات أكبر للبرلمانات الوطنية تمكنها من عدم قبول تشريعات الاتحاد الأوروبي. وتؤكد المملكة المتحدة أن نظام “البطاقة الحمراء” الذي يسمح للدول الأعضاء بإلغاء أو الاعتراض على أي توجيهات من الاتحاد الأوروبي غير مرغوب فيه.

* منطقة اليورو مقابل الآخرين: الحصول على اعتراف واضح بأن اليورو ليس هو العملة الوحيدة للاتحاد الأوروبي، وضمان ألا تحرم الدول التي هي خارج منطقة اليورو من المزايا. وتريد لندن أيضا تطمينات بأنها لن تضطر إلى المساهمة في مشروعات الإنقاذ المالي لاقتصادات منطقة اليورو.

7