بريطانيا تنزلق إلى عزل الطلاب المسلمين بدل حمايتهم من التطرف

ألقت وزارة التعليم البريطانية بمهام جديدة على عاتق المدارس والمعلمين في حماية الطلاب من الانزلاق نحو التطرف الديني والإرهاب، ووضعت برامج وقوانين تستهدف مراقبة المعلم للطالب، غير أن هذه القوانين تثير جدلا واسعا في أوساط المعلمين ومديري المدارس والمهتمين بتطوير التعليم حول جدواها ونتائجها وطرق تطبيقها، التي قد تنذر بإضافة أزمات أخرى لأزمة الهوية التي يعاني منها الكثير من الطلاب المسلمين في بريطانيا.
الثلاثاء 2016/01/19
الاختلاط عدو التطرف

لندن- في أعقاب هجمات باريس، أقامت جيني سميث، مديرة مدرسة فريدريك بريمر في والتامستو، شرق لندن، عرضا لمقالات صحفية وصور فوتوغرافية، وتمت دعوة الطلاب، والكثير منهم من المسلمين، وجرت مناقشات حول هجوم الدولة الإسلامية في الفصول المخصصة لتدريس قيم المواطنة. كان جزء من العرض منظما من منظمة “مصالحة”، وهي منظمة تعمل مع المدارس لاستكشاف مساهمة الإسلام في الثقافة البريطانية.

ويبدو أن نهج سميث يتناقض بوضوح مع سياسة الحكومة لمكافحة التطرف، من خلال استراتيجية المنع (بريفنت)، لتوخي الحذر والإبلاغ في حال وجود شكوك تحوم حول أحد الطلاب.

وبعد قضية “حصان طروادة” في عام 2014، وعلى إثر وجود مزاعم بأن إسلاميين كانوا يحاولون السيطرة على بعض المدارس في مدينة برمنغهام بوسط إنكلترا، طلبت وزارة التعليم البريطانية من المدارس العمل على غرس شعور أقوى بـ”القيم البريطانية” لدى التلاميذ. وفي الصيف الماضي، أصبحت المدارس مطالبة قانونيا بمنع التلاميذ من الانجرار إلى طريق الإرهاب. وقبل عيد الميلاد، أعلنت وزيرة التعليم نيكي مورغان خططا تهدف إلى تشديد القوانين، وطالبت المدارس بمراقبة استخدام التلاميذ للإنترنت.

ومؤخرا دعا مديرو مدارس وخبراء الحكومة إلى تغيير نهجها وسط مخاوف من أن تعقّب الطلاب يمكن أن يؤدي إلى مخاطر عزل التلاميذ المسلمين، بدلا من حمايتهم. ولا ترى سميث أن هناك تعارضا بين نهجها وأهداف الحكومة. وتقول إن لدى مدرستها نهجا قويا للحماية من جميع أنواع المخاطر، بما في ذلك التطرف، لكنها تؤكد على ضرورة إجراء حوار حول السلوك الإرهابي ليكون جزءا من الاستراتيجية الوقائية. وفي ما يتعلق بهجوم باريس قالت في حديثها مع صحيفة الغارديان البريطانية إن ” المدرسة أعربت عن ذعرها، ولكن أثيرت العديد من التساؤلات حول الدافع لذلك”.

الطريقة التقليدية في تدريس الإسلام تنتج عقليات منغلقة، ونحن في حاجة ماسة لاستراتيجية لتدريس الإسلام بذكاء

وتعتزم سميث دراسة الدوافع التي تجعل من الشخص جهاديا “إذا فتح هذا الموضوع يمكن أن يساعد في إزالة الطابع المسيس للمسألة، ونحن نعتقد أنه من المهم جدا العمل على الهوية والانتماء: ماذا يعني أن يكون المسلم في القرن الحادي والعشرين في بريطانيا، عرضة للضغوط والصور النمطية”.

ومع ذلك، فإن العديد من المدارس لا تشعر بالثقة مثل سميث في التعامل مع الإجراءات التي تفرضها الحكومة، وقد تفضل تجنب إثارة النقاش. ويشكو بعض المعلمين من مطالبتهم بالتجسس على الطلاب. كما يخشى آخرون من الوقوع فريسة لخبث هيئة تقييم المدارس البريطانية (أوفستيد)، إذا لم يكونوا موفقين في المراقبة.

وقال متحدث باسم وزارة التعليم “إن استراتيجية بريفنت هي عبارة عن حماية لأولئك الذين قد يكونون عرضة للتأثر السامّ بالأيديولوجيات المتطرفة. والمدارس توفر مساحة آمنة للتلاميذ لتطوير المعارف والوعي من أجل تحدي الأفكار المتطرفة. ولقد قدمنا مجموعة من التوجيهات في هذا الإطار”.

ودعا مجلس إزلينغتون، في شمال لندن، الحكومة إلى تعديل نهجها لتجنب إلحاق الضرر بـتماسك المجتمع، ويأتي ذلك بعد التحقيق مع أحد التلاميذ في مدرسة سنترل فاونديشن، حول علاقته بالإرهاب، عندما ذكر الإرهاب البيئي أثناء مناقشة حول البيئة. وقالت المستشارة كارولين رسل لصحيفة الغرديان إن طفلا عمره 8 سنوات في البلدة، قام المسؤولون بزيارة أسرته، بعد أن كان خائفا جدا في الصف من ذكر ديانته.

نيكي مورغان: المدارس مطالبة بمراقبة استخدام طلابها للإنترنت لحمايتهم من التشدد

ويعتقد راسيل هوبي، الأمين العام للرابطة الوطنية لمديري المدارس، أن المدارس تحتاج إلى المزيد من التوجيه. وقال إن “المعلمين ليسوا خبراء في مكافحة الإرهاب، رغم أن غالبية الموظفين في المدارس يسعون إلى أداء دورهم لحماية الشباب، لذلك يجب أن تقوم المدارس بشيء ما، وتتمثل المشكلة العسيرة في ماذا تفعل؟”.

يقول توم شيرينغتون، رئيس مدرسة هايبري غروف، شمال لندن، إنه من الضروي بالنسبة إلى المدارس مواجهة انعكاسات استراتيجية بريفنت، مضيفا أن “الكثير من ردود الفعل حول التطرف كانت سلبية، وكأن المعلمين ونظم الرعاية في المدارس هم بمثابة المراقبين فحسب”. وأوضح أن الإجراءات المتوقعة من موظفي المدرسة تواجه خطر نفور الأطفال المسلمين ما لم يتم تحقيق التوازن برؤية أشمل. وأنه يريد أن يرى الأطفال أكثر شجاعة في مناقشة التطرف الديني و”تعزيز قيم المواطنة العالمية بشكل أوضح”.

وأجرى الدكتور عبدالله شاهين، رئيس قسم دراسة التربية الإسلامية في معهد ماركفيلد للتعليم العالي في ليسترشاير، بحوثا حول الشباب المسلم في برمنغهام، وقد دوّن استراتيجيته للتدخل لمكافحة التطرف. وقال إن “الشباب المسلم شديد التعلق بدينه وحريص على الحفاظ على هويته الإسلامية”. وأضاف “لكن هذا لا يعني أنه معرض لاتباع طريق التطرف”. ويقول إن بحثه يكشف أن الطريقة التقليدية في تدريس الإسلام تنتج “عقليات منغلقة، ونحن في حاجة ماسة لاستراتيجية لتدريس الإسلام بذكاء”.

ويحاول آخرون تقديم بدائل لنهج “المراقبة” بما في ذلك منظمة مصلحة، في محاولة لتحقيق التوازن إزاء سلبيات استراتيجية بريفنت. ويقول مؤسسها، رحيل محمد “لدينا جيل يكبر ويتعامل بطريقة سلبية مع وسائل الإعلام، وتخلق استراتيجية بريفنت الخوف بين المعلمين والتلاميذ خاصة وأن المسلمين يشكلون ثاني أكبر مجموعة دينية في المملكة المتحدة، وأغلبهم في سن مبكرة. وهناك أدلة على أنه إذا ما تم منح الإسلام قيمته فإن الأمور ستتحسن”.

يوفر كمال حنيف، مدير مدرسة ويفرلي في برمنغهام، دورات لجمعية “اسوسييشن أوف سكول أند كوليج” في تطبيق استراتيجية بريفنت. وقال إنه “ينبغي على المعلم أن يخطط لتقديم دروس لمناقشة الأحداث الإرهابية، ويجب أن يتوفر الاحترام، وليس العداء للشباب المسلم، المعتز بدينه”.

ويرى شاهين أن هناك المزيد مما يتعين القيام به من خلال التحدث إلى المسلمين بطريقة مختلفة عن دينهم، وخاصة الذين يعانون من أزمة هوية. وقال “علينا مساعدتهم على رؤية أن التطرف يشوه المجتمع بأسره”.

17