بريطانيا حلم يراود المهاجرين السوريين والعراقيين وكابوس يؤرق فرنسا

يحلم مهاجرون غير شرعيين، غالبيتهم سوريون وعراقيون وأفارقة، بشق الطريق من فرنسا للوصول إلى بريطانيا على متن بواخر وشاحنات والمطالبة باللجوء السياسي هناك إثر خيبة الأمل التي تعرضوا لها بعد أن قامت القوات الفرنسية بإجلائهم.
الأربعاء 2015/07/08
مهاجرون يحاولون الصعود إلى شاحنات تستعد لدخول العبارات المتجهة إلى ميناء دوفر البريطاني

كاليه (لندن) - مثل كثير من المهاجرين الذين ساقتهم رحلتهم إلى ميناء كاليه الفرنسي، يجزم شاب عراقي في مقتبل العمر أن حياته ستكون أفضل إن هو استطاع عبور الثلاثين كيلومترا التي تفصله بحرا عن بريطانيا.

وعلى مشارف حي فقير ينزل به المهاجرون في منطقة كاليه الفرنسية يقول علي الشاب العراقي البالغ من العمر 22 عاما: “أعرف أناسا في لندن يمكن أن يساعدوني على بدء حياة جديدة لا يمكن أن يكون الوضع أسوأ مما هو في فرنسا”.

ويقيم 3000 مهاجر من أمثال علي في مخيمات مؤقتة داخل كاليه وحولها أملا في الانتقال إلى الجانب الآخر بعد أن فروا جراء الحروب والاضطرابات السياسية والفقر في بلدانهم.

وهم يتوقون للنجاح في العبور والعثور على فرص عمل في اقتصاد الظل المزدهر في بريطانيا أو أن يحصلوا على حق اللجوء في نظام ينظر إليه عادة على أنه أكثر تسامحا من النظام الفرنسي.

ومثل هذه المعتقدات تغذيها شبكات المهربين الذين يتحصلون على المال من المهاجرين عند كل مرحلة من مراحل رحلتهم التي انطلقت من مناطق الحرب في الشرق الأوسط ومن أفريقيا. لكن القلة التي تنجح في اجتياز الفاصل البحري قد تجد أحلامها تتهاوى على أرض الواقع.

وقال حبيب الرحمن مدير المجلس المشترك لرعاية المهاجرين -وهو منظمة بريطانية- “الكل يعتقد أن الطريق إلى لندن والطريق إلى بريطانيا مفروش بالورود. لكن هذا ليس صحيحا” وأضاف “ما نعرفه من خلال الناس هنا أنهم يتكبدون عناء كبيرا”.

وكاليه التي تربطها ببريطانيا مسارات نقل بحرية وعبر قطارات الأنفاق تعد منذ قرون عنق زجاجة بالنسبة للمهاجرين. لكن التوتر احتدم في الأسابيع الأخيرة بسبب إضراب العاملين في قطاع العبارات بفرنسا وهو ما عرقل المرور في أنحاء الميناء.

وأثارت لقطات عرضها التلفزيون لمهاجرين يفترشون الطرق أو يتهافتون للقفز على عربات متحركة غضبا على المستويين الشعبي والسياسي إذ عرضت صورة صادمة لتنامي أزمة الهجرة على مستوى أوروبا.

وأرسلت بريطانيا سياجا يمتد ميلين ويرتفع تسعة أقدام كانت قد استخدمته لتأمين دورة الألعاب الأولمبية في لندن عام 2012 وذلك لإبقاء المهاجرين بعيدين عن مدخل نفق القطارات الذي يربط بين البلدين.

3000 مهاجر غير شرعي يحاولون العبور من فرنسا إلى بريطانيا في شاحنات

لماذا إنكلترا

ويرى كثيرون ممن هم في كاليه أن فرصة الاندماج داخل النظام البريطاني تستحق ما يواجهونه من مخاطر بما في ذلك احتمال الاختناق داخل شاحنات مغلقة أو السقوط من عربات مسرعة أو اندلاع عنف في مخيمات المهاجرين.

وقال أمان وهو شاب إريتري عمره 25 عاما: “انتهى بي المطاف في كاليه بعدما تركت بلادي حيث كانت حياتي معرضة للخطر. فررت. لا أعرف إلى أين سأتوجه لكنني لن أبقى هنا.

ويتقدم الاقتصاد البريطاني على الاقتصاد الفرنسي شاغلا المرتبة الثانية كأكبر اقتصاد في الاتحاد الأوروبي العام الماضي وفقا لصندوق النقد الدولي ومن المتوقع أن تسجل بريطانيا نموا أسرع مرتين من المعدل المتوقع أن تسجله فرنسا هذا العام.

وتنتقد جماعات حقوقية ظروف معيشة المهاجرين في كاليه وتصفها بأنها غير إنسانية رغم أن الحكومة الفرنسية فتحت مركز استقبال خارج كاليه مباشرة وزودته بأماكن مخصصة للاستحمام وقضاء الحاجة والغسيل.

لكن ناتاشا بوشار رئيسة بلدية كاليه قالت في وقت سابق إن بريطانيا توفر أفضل الأحوال بالنسبة للمهاجرين في أوروبا.

وأرجع كريستيان سالومي رئيس جماعة لوبرج دي ميجرونت الفرنسية التي تمد يد العون للمهاجرين السبب إلى ما هو أكثر من مجرد الحصول على إعانات مالية من الحكومة. وقال “في إنكلترا حين يتقدمون بطلب لجوء يتم توفير مأوى لهم. يكونون موجودين ومعترفا بهم. أما في فرنسا فهم يقدمون الطلب ثم يعودون إلى حي بائس”.

وأضاف قائلا إن كثيرين لا يسعون للبقاء في فرنسا أو دول أوروبية أخرى مروا بها خلال رحلة الهجرة وإنما يبتغون العيش في بريطانيا لعدة أسباب منها أنهم يتحدثون الإنكليزية أو لديهم أقارب يعيشون هناك بالفعل.

وتعهدت بريطانيا وفرنسا يوم الخميس الماضي “بحملات إعلامية مشتركة لتوعية المهاجرين بواقع اللجوء في بريطانيا العظمى وأنظمة الرعاية”.

المهاجرون يتوقون للعثور على فرص عمل في اقتصاد الظل المزدهر في بريطانيا أو أن يحصلوا على حق اللجوء في نظام ينظر إليه عادة على أنه أكثر تسامحا من النظام الفرنسي

خط الفقر

في فرنسا يتلقى الساعون للجوء الرعاية الأساسية وتتوافر لهم سبل العلاج الطبي الطارئ ويتوجه أبناؤهم إلى المدرسة. ويتلقى طالبو اللجوء الذين لا يوجدون في مراكز الإيواء الحكومية 11.35 يورو (12.61 دولار) يوميا بينما يحصل من هم في مراكز الإيواء على ما بين 91 و718 يورو شهريا.

أما في بريطانيا فليس مكفولا لطالبي اللجوء العمل أو الحصول على إعانات من نظام الرعاية الاجتماعية لكن بإمكانهم الاستفادة من الخدمات الأساسية العامة كنظام الرعاية الصحية.

ويحق لطالب اللجوء أن يتقاضى إعانة خاصة قدرها 36.95 جنيه استرليني (57.66 دولارا) في الأسبوع كما توفر الدولة سكنا لمن يصل منهم دون مال أو من ليس لديه مكان للإقامة. وتظهر الأرقام البريطانية أن أكثر من 9000 شخص حصلوا على حق اللجوء خلال عام حتى مارس 2015 بينما تلقت السلطات أكثر من 25 ألف طلب. وإن هم حصلوا على وضع اللاجئين فسيتمتعون بنفس المزايا التي يتمتع بها المواطن البريطاني.

أما من يفضل العمل بصورة غير مشروعة على المطالبة بحق اللجوء فليس له أن يتقاضى شيئا من مبالغ الرعاية الاجتماعية ومن شأن قوانين الهجرة المنتظر إقرارها العام القادم أن تصادر أي أجور يتقاضاها إن تم ضبطه. لكن علي الذي كان عاطلا في بلده العراق ولا يحمل أي مؤهلات مهنية يقول: “نتحادث تليفونيا. لا يعاملونهم كما يعاملونا هنا في فرنسا مثل الحيوانات. أريد فقط أن أكون إنسانا”.

20