بريطانيا والإخوان.. هذه هي المشكلة

الأربعاء 2017/08/30

ما قاله وزير الدولة البريطاني لشؤون الشرق الأوسط، أليستر بيرت، في صحيفة الأهرام، قبل أيام، لا يمكن تجاهل أنه يشير إلى تغيير محتمل في مجمل السياسة البريطانية ورؤيتها بشأن التفاعل مع دعوات مكافحة الإرهاب وربما التضييق على الجماعات المتطرفة، ومنها الإخوان، رغم حساسية إجراء مثل ذلك في بريطانيا لملابسات عديدة، أولا أن معظم هذه العناصر تحمل جنسية بريطانية، وهو أمر صعب كما قال القيادي الإخواني يوسف ندا، بعد ثورة 30 يونيو 2013، لأنه يتطلب تعديلا في القوانين البريطانية. وثانيا لأن الاتفاق على تحديد مفهوم الإرهاب لا يزال بعيدا، لأن الرؤيتين المصرية والغربية لا تزالان متباعدتين. والأهم أن إقدام بريطانيا على الإشارة إلى وضع جماعة الإخوان على لائحة الإرهاب يورِّط بريطانيا ذاتها باعتبارها الحاضنة الأم والملاذ الرئيس عالميا.

ربما يكون تأكيد أليستر بيرت عن أن بلاده لن تترك مصر والدول المجاورة لها وحيدة في مجابهة الإرهاب، نوعا من الكلام الدبلوماسي العام الذي لم يدخل بعد حيز التنفيذ، ولكن مجمل مقاله في الأهرام يشير إلى رسالة بريطانية مختلفة هذه المرة، خاصة وأن عواصم غربية شهدت في الآونة الأخيرة أعمالاً إرهابية قام بها متطرفون من داخلها، نبهت الغرب إلى أن الخطر أصبح في بيته، وأن محاولات التعايش مع هذا الخطر تتطلب إجراءات أشد حزماً.

مضمون مقال بيرت، يبدو وكأنه يوجه رسالة “خجولة” إلى الداخل المصري، يستدعي من خلالها ما أشار إليه التقرير المعد عن جماعة الإخوان عام 2015، باعتباره أول طعن “بريطاني” في ادعاءات الإخوان “بأنه ليست لديهم أي علاقة بأعمال العنف”، ونبه إلى أن التنظيم “يعد مؤشرا للفكر المتطرف، ويتضح ذلك جليا من تناقض أفكاره وأنشطته مع القيم والمصالح البريطانية”.

ويضيف بأنه إذا كانت بريطانيا ضمن الدول التي لم تحظر جماعة الإخوان لعدم استيفاء الأدلة التي تفضي إلى ذلك، من وجهة نظره، إلا أن بلاده تعمل في الوقت الراهن على تنفيذ الإجراءات التابعة لمحتوى التقرير، والأهم اعترافه المتأخر بأنه “أصبح من الواضح أن هذا التنظيم يلجأ إلى استخدام الغموض لإخفاء أجندته المتطرفة في مصر”، وأن “أساليب المراوغة التي يمارسها التنظيم ورصدها معدو التقرير البريطاني عام 2015 مازالت مستمرة في عام 2017 وقد آن الأوان لكل من يدافع عن الإخوان في لندن أو القاهرة أن يضع حدا لهذا اللبس والغموض”.

هذه العبارة الأخيرة على لسان الوزير البريطاني، هي ما تجعل الكرة في ملعبه، وملعب السلطات البريطانية أولا، لأن عليها في المقام الأول أن توضح لنا هذا اللبس والغموض في مواقفها، ولا تبيع لنا الوهم، وعليها أن تقنعنا أكثر بأنها جادة في تلمس مكامن الخطر ذاتها، لأننا نحن ندركه جيدا وندفع ثمنه، ثم إن عبارة السيد بيرت بأنه “لا يمكن التسامح مع التطرف أكثر من ذلك” ما هي إلا اعتراف ضمني بأنهم وبنفس عبارته المهذبة قد “تسامحوا” كثيرا مع التطرف، وأكثر من ذلك وفروا له البيئة والحاضنة والحماية أيضا، وهي “إدانة” في كل الأحوال.

الحديث عن الإجراءات البريطانية الداخلية لا يعنينا لأن آثارها ستنعكس عليهم، ولكن إذا كان الوزير البريطاني يتحدث عن تناقض “أفكار وأنشطة الإخوان مع القيم والمصالح البريطانية” فهذا جيد، وإذا كانوا لا يسمحون بذلك، فلماذا يسمحون بتناقض أفكار هذه الجماعة الإرهابية مع قيم ومصالح بلادها؟ ولمصلحة مَن يستمر التحريض على الكراهية ودعم وتبرير الإرهاب؟

في رأيي فإن بريطانيا، ومعها الغرب كله، في مأزق وجودي عميق، لا تنفع معه محاولات التجميل أو الادعاء بالمشاركة في مكافحة الإرهاب. لأن السؤال سيكون عن أي “إرهاب” نتحدث بالضبط؟ وإذا كان بيرت يقول إنه من خلال رصد بلاده لأنشطة جماعة الإخوان المسلمين حول العالم، أصبح واضحا أن هذا التنظيم يلجأ إلى استخدام الغموض لإخفاء أجندته المتطرفة في مصر، يكون علينا بالتالي استعارة ما كتبه ويليام شكسبير قبل قرون “أكون أو لا أكون.. هذه هي المشكلة”.

كاتب مصري

9