بريطانيا والاتحاد الأوروبي.. مطالب بالإصلاحات أو الانسحاب

الثلاثاء 2014/01/28
جورج أوسبورن: إما الاصلاحات وإما فقدان عضويتنا

هل من الممكن فعلا لبريطانيا أن تغادر الاتحاد الأُوروبي؟ منذ بضع سنوات، لم يكن هذا السؤال واردا بالمرّة، و لكن، في غضون العام المنقضي، تصدّرت مسألة الانسحاب من الاتحاد الأوروبي عناوين وسائل الإعلام البريطانية.

إثر خطاب استفزازي لجورج أوسبورن، وزير المالية البريطاني وثاني أهمّ شخصيّة سياسيّة في الحكومة البريطانية. عنونت رويترز خطاب أوسبورن كما يلي: “أوسبورن يقول للاتحاد الأوروبي، إمّا الاصلاحات وإمّا فقدان عضويتنا”.

وركّزت جريدة الدايلي تيليغراف على نفس النّقطة في عنوانها “أوسبورن يحذّر بانسحاب بلاده من الاتحاد في حال فشل الإصلاحات”، وهو ما توافق عليه عناوين البي بي سي بنقلها : “أوسبورن: لا تجبروا بريطانيا على الاختيار بين اليورو والانسحاب من الاتحاد الأوروبي”.

و لم يُقدم أيّ رجل سياسة، في أقدميّة وأهميّة أوسبورن، على توجيه مثل هذا التهديد الواضح والمباشر بالانسحاب من قبل، وذلك رغم أنّ رواج الفكرة (مغادرة بريطانيا للاتحاد الأُوروبي) قد بلغ حدّ تسميتها بـ”البريكسيت” (خروج بريطانيا) من قبل الدبلوماسيين ورجال الاقتصاد حول العالم. ولكن هل ينبئ ذلك فعلا بـ”خروج بريطانيا”؟

على مستوى السياسة البريطانية، يقود رئيس الوزراء البريطاني، دافيد كامرون، تحالفا عسيرا بين الجناح المتشكك في أوروبا في حزبه المحافظ وبين الجناح شديد التأييد لها من حزب الديمقراطيين الليبراليين، وهو تحالف سيخوض انتخابات عامّة في مايو 2015.

ولا ينبع أهمّ تهديد يواجه بقاء الحكومة، خلال هذه الانتخابات، من حزب العمال المعارض، وإنّما من انتقال أصوات تيار اليمين إلى حزب الاستقلال البريطاني، وهو حركة مبتدئة شعبوية هدفها الأساسي تحقيق انسحاب بريطانيا من الاتحاد الأوروبي.

وبالرغم من أنّ معظم استطلاعات الرّأي لا تمنح حزب الاستقلال البريطاني إلّا 10 بالمئة من المساندة (مما لا يُخوّلها كسب مقاعد برلمانية في 2015)، إلّا أنّ ذلك من شأنه أن يسحب ما يكفي من المساندة المحافظة لنقل عدد كبير من المقاعد نحو حزب العمال، مزيحا بذلك كاميرون من الحكم.

كما أنّ تعصّب حزب الاستقلال البريطاني في معارضته للاتحاد الأوروبي من شأنه أن يجتذب العديد من المحافظين، خاصّة من تيار اليمين، الذين لا يُخفون معارضتهم لكامرون.

من جهته، لا يُخفي كاميرون انزعاجه من “الضوضاء المتواصلة”، كما يصفها، التي يثيرها أصحاب المقاعد الخلفية في البرلمان، من حزبه، حول مسألة أوروبا، مما يوحي بأنّ المُحافظين غير واعين بمشاغل عامّة النّاخبين.

فبالرّغم من أنّ جُلّ البريطانيين يُصرّحون بمُساندتهم لانسحاب بريطانيا من الاتحاد الأُوروبي، إلّا أنّ معظم استفتاءات الآراء تُبرز أنّ هذه التّصريحات تفتقرُ إلى اليقين الرّاسخ، وأنّ أغلب البريطانيين لا يأبهون للمسألة الأوروبية برُمّتها. إذ تُشير استطلاعات الرأي الشّهريّة، التي يقودها Ipsos-MORI لحساب جريدة “ذي إيكونوميست”، إلى أنّ 7 بالمئة فقط من النّاخبين يُدرجون علاقات بريطانيا بأوروبا ضمن قائمة “أهمّ القضايا التي تُواجهُها بريطانيا”، ممّا لا يُخوّل أوروبا الورود في العشر قضايا الأولى المُحصاة في نتائج الاستفتاء. وحدها فئة النّاخبين الذين تتجاوزُ أعمارُهم الـ65 سنة تبدي قلقا بشأن تجاوُز أوروبا لعلامة الـ10 بالمئة.

استنادا إلى هذه النتائج، ظنّ كاميرون أنّه يستطيع التّصدّي لحزب الاستقلال البريطاني، و إسكات المنشقين عن حزبه، في الآن نفسه، بمناورة سياسية بارعة كفيلة بأن تؤجّل أيّ مناقشات بشأن أوروبا إلى ما بعد الانتخابات العامّة في 2015.

إذ وعد، في حال إعادة انتخابه، بقيادة “مفاوضات أساسية جديدة” حول علاقات بريطانيا بأوروبا، متبوعة باستفتاء شعبي في 2017، في إطار حملته لصالح عضوية مستمرّة بالاتحاد الأوروبي، على إثر حلّه لجلّ قضايا بريطانيا المُعلّقة.

لسوء حظّ كاميرون، جعل قياديو الاتحاد الأوروبي من وعده هذا موضوعا للسخرية عندما صرّحوا بأنّه لا يُمكن لأيّة معاهدات أوروبيّة أن تُقاد في 2017، أو في أيّ زمن آخر. وهو ما أدّى إلى استئناف المعركة الضارية حول أوروبا، في صفوف حزب المحافظين.

يتبيّن بذلك أنّ الخطاب الذي ألقاه أوسبورن لم يكُن يهدف إلى الإيماء بـ”خروج بريطانيا”، بل هو محاولة جادّة لإعادة المصداقية إلى سياسة كاميرون بشأن الاتحاد الأوروبي.

6