بريطانيا وفرنسا: علاقة خارج نص القلق

الأربعاء 2018/01/24

عدم معرفة إلى أين ستذهب بريطانيا كان وراء اللجوء إلى إجراء الاستفتاء على الخروج من الاتحاد الأوروبي، وخلافاً للتوقعات وبفارق ضئيل ترجحت كفة الشعبوية رغم ما يقال عن أسباب الساعات واللحظات الأخيرة وتأثيرها في استمالة الأصوات لصالح بريكست.

بعد الاستفتاء ذهب رئيس الوزراء البريطاني السابق، ديفيد كاميرون، إلى بيته حاملا معه أوراقه وحاجاته الشخصية تاركا الباب مفتوحا أمام الحكومة الجديدة برئاسة تيريزا ماي كحكومة غير منتخبة لتكمل رحلة الانتقال الشاق في مباحثات بريطانيا مع الاتحاد الأوروبي.

عدم الاعتراف بالمشاكل لا يلغيها، بل ربما يفاقم مصاعب معالجتها عند استمرار ترحيلها إلى توقيتات مؤجلة بذرائع مختلفة، مع أن الحقائق غالبا لها علاقة بتحمّل المسؤولية أو تحميلها للإدارات اللاحقة.

أوروبا وأميركا ودول أخرى في العالم عانت لقرون من نظام الرقّ والعبودية والفصل العنصري، وما نراه اليوم من شعارات في الملاعب الرياضية أو التجمّعات الإنسانية من رفض للعنصرية إلا أصداء هامشية لقصة الإنسانية وسيرتها في تطور القوانين ونظرة النظم الحديثة للعدالة والمساواة وحقوق الإنسان المكفولة تلقائياً بالمواطنة.

مع ذلك لا يمكن الاستهانة بالشعبوية ومخاوفها من المهاجرين ومن أعداد اللاجئين المتزايدة إلى حدود استدراج توصيفها بالموجات، بحكم الظروف الاستثنائية كعوامل الطبيعة القاسية أو الحروب أو الأوبئة الفتاكة أو الجوع.

هاجس الخوف والقلق من الكم الهائل للمهاجرين على اختلاف جنسياتهم ومبرراتهم ساهم في صعود اليمين المتطرّف بناشطيه وأحزابه، كفوز المرشح الجمهوري دونالد ترامب المثير للجدل حتى بعد مرور سنة على توليه إدارة البيت الأبيض، ورغم حجم الحملة التي تنال من قراراته وتتعرض له شخصيا وتنتقص من أهليته العقلية والنفسية، إلا إن ذلك لا يلغي حقيقة عدد المصوّتين له في الانتخابات الرئاسية ونوعيتهم الطبقية وموجبات تأييدهم له لاختصاره مفردات حملته على شعارات شعبوية تتناغم مع ما يمكن أن نطلق عليه متطلبات سلطة الظواهر وثقافة قراءة الأغلفة أو على أبعد تقدير المقدمة والعناوين والفقرة الأخيرة من الكتاب.

ترامب كان حريصا على تنفيذ برنامجه الشعبوي لناخبيه، وبدا عند جمهوره أكثر تحررا من غلافه الرسمي كرئيس تقليدي للبيت الأبيض، والأهم كرئيس للدولة العظمى في العالم بعد فترة السبات الطويلة في السياسة الخارجية الأميركية. رئيس تبدو عليه الآن معالم الانغماس في قراءة متن الأيديولوجيا الخاصة بالجمهوريين.

الاستفتاء في بريطانيا كان محاولة استنجاد بالشرعية الديمقراطية لكبح اندفاع التيار الشعبوي وتناميه بين أوساط المنتقدين من البريطانيين أو في النشاط السياسي للأحزاب الشعبوية أو تطّرّف اليمين ونجاحاته في النمسا وهولندا وهنغاريا وبولندا، مع بعض نقاط تقدّمه الأخيرة في الانتخابات الألمانية بفوز حزب البديل من أجل ألمانيا بعدد من المقاعد البرلمانية. وحتى في جولة الانتخابات الفرنسية فإن زعيمة الجبهة الوطنية مارين لوبان ورغم خسارتها إلا إن أسهمها أشّرت صعودا للشعبوية ونجاحا لارتفاع صوت مزاد الإقصاء والتهميش والإسلاموفوبيا ومناهضة العولمة وحقوق الإنسان في أوروبا عموما.

فوز الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أعاد لأوروبا قدرة تدعيم اتحادها بحجر زاوية لكنه جاء بعد الاستفتاء البريطاني، وبعد الهروب الجماعي الواسع عبر القوارب من مناطق النزاع في الشرق الأوسط ولتدهور الأمن والأوضاع الاقتصادية في أفريقيا.

تيريزا ماي رئيسة وزراء بريطانيا استقبلت الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في أكاديمية ساندهيرست العسكرية الملكية بعد يوم واحد من إقرار مجلس العموم البريطاني مشروع قانون بريكست أو قانون الانفصال عن الاتحاد الأوروبي وبفارق أصوات لا تشكّل منحى يعتمد عليه لاحقاً بين المؤيدين والمعارضين، إلا إنه كان كافيا لتيريزا ماي كي تمضي في محادثاتها مع الاتحاد الأوروبي لقطع أشواط إضافية إلى حين التصديق النهائي عليه من مجلس اللوردات.

التوقيع في مجلس اللوردات لن يمر دون مطبّات دستورية ومواقف متباينة تتعلق بجوهر الانفصال والاستفتاء ومستقبل العلاقات بين بريطانيا وأوروبا أثناء الفترة الانتقالية المقرر أن تستمر إلى مارس من العام المقبل، أو بتكاليف الانفصال المالية، مع عدم التغاضي عن حقيقة أن المجلس بأكثريته ليس مع الخروج من الاتحاد الأوروبي.

بريطانيا وفرنسا وقّعتا خلال زيارة ماكرون معاهدة جديدة ضمن اتفاقيات متصلة منذ قرابة 3 عقود كان آخرها في 2003، تتناول تنظيم وتطوير إدارتهما المشتركة للحدود والتعاون في قضية المهاجرين القادمين عادة من فرنسا ومنهم الأطفال القصّر الذين دون مرافق ويرغبون في الالتحاق بذويهم في بريطانيا بعد تفكيك مخيّم كاليه.

لماذا يأتون من فرنسا وليس العكس؟ لأن بريطانيا أساسا خارج منظومة دول الشنغن الأوروبية التي تستقبل اللاجئين أو المهاجرين إليها بنظام بصمات الأصابع وهؤلاء لا يحق لهم طلب اللجوء في أي بلد آخر لأن الضوابط القانونية تعيدهم إلى بلد اللجوء الأول.

تم التوقيع أثناء الزيارة على خطوات أمنية وعسكرية في ميدان الصراعات كمساهمة بريطانيا بـ3 طائرات هيلكوبتر من نوع تشينوك وهي ناقلات جنود واسعة المهمات ودون إرسال قوات قتالية للمشاركة في عملية برخان بقيادة قوة تدخل سريع فرنسية لمكافحة الإرهاب والحد من كافة أنواع الاتجار بالبشر في الساحل الأفريقي، وهي عملية من بين عدة عمليات لإيقاف تسلل الجماعات المسلحة. بالمقابل ستدعم فرنسا القوات البريطانية في إستونيا إحدى دول البلطيق في مواجهة التدخلات الروسية.

الأكيد أن هناك منعطفات تفاهم وترويض للعلاقة بين الدولتين وأيضا لعلاقة بريطانيا بالاتحاد الأوروبي، وبينها وبين كل دولة من الدول الأعضاء في الاتحاد. القوة الناعمة سلاح يعتمده الرئيس الفرنسي ماكرون في علاقاته الدولية كما حدث أثناء زيارة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى قصر فرساي.

بريطانيا بسبب عزلتها الطبيعية تعتقد أن فرنسا بمثابة بوابة حراسة لأمنها، وفرنسا تدرك ذلك لانفتاح أراضيها على الدول الأوروبية ولهذا تطالب من بريطانيا بدعم المشتركات وتحمل النفقات الإدارية لوجستيا وماليا، وهذا صلب ما جرى من محادثات بين الطرفين في أكاديمية ساندهيرست وارتقائها إلى تعضيد مهمتهما في تجفيف الإرهاب خارج نطاق حدود الدولتين.

أوروبيّا الرئيس ماكرون يعيد إنتاج طروحات شارل ديغول في علاقته الثقافية الناعمة مع روسيا في عهد جوزيف ستالين، رغم التناقض الواضح في الجملة إلا إنه اعتبر روسيا بلداً تم تحييده كفاصل جغرافي شاسع بين أوروبا وآسيا، ومع بداية القرن العشرين عزلت روسيا نفسها بستار حديدي عن أوروبا الغربية بانقلابها الأيديولوجي.

بريطانيا تعرف إلى أين ستذهب مع بريكست أو دونه، في علاقاتها مع أوروبا التي تفتح لها أحضانها للعودة إلى الاتحاد أو للذهاب إليها في علاقات منفردة تعيدها من طريق آخر لتجتاز حقل الأزمة كقوة اقتصادية وسياسية خارج نسيج القلق. أحياناً غلاف عنوان كالبريكست ربما يعطي صوتا لمن لا صوت لهم لكتابة نص جيد في مستقبل بريطانيا؛ نص لا يتجاهله أحد.

كاتب عراقي

9