بريق قرية الزجاج في مصر يأفل تدريجيا

تعيد قرية الجراح المصرية إحياء حرفة صناعة الزجاج التي عرفها المصريون القدامى وبرعوا في تشكيل هذه المادة البراقة إلى أوان وتحف مزخرفة، وبعد أن نجحوا في ذلك حتى زاحموا جزيرة مورانو الإيطالية في ذلك، لكن التغييرات السياسية والاقتصادية المستجدة عطلت نشاط القطاع في القرية الذي أصبح مهددا بالزوال أمام العراقيل التي تواجهه.
الجمعة 2018/02/02
البراعة اليدوية تتفوق على طباعة الألوان

القاهرة- على مسافة نحو مئة وعشرين كيلو مترا من القاهرة، تقع قرية الجراح التابعة لمحافظة الدقهلية شمالا، وسكانها الذين لا يتخطى تعدادهم ثلاثة عشر ألف نسمة، لا يعرفون معنى البطالة. والجراح تعد قلعة صناعية صغيرة تخصّصت في تصنيع كافة المنتجات الزجاجية من أوان وأكواب و”أنتيكات” وحلي وغيرها، حتى أطلق عليها “القرية الزجاجية”.

ويعدّ هذا المكان الريفي الذي يعمل أبناؤه من رجال ونساء وأطفال في تلك المهنة، جاذبا للأيدي العاملة من معظم القرى والمدن المجاورة له، ممن تتم الاستعانة بهم في أيام الأعياد والمواسم التي تتطلب مضاعفة الإنتاج بسبب زيادة الطلب، وفي تلك الأوقات من العام تستقبل القرية يوميا ما بين خمسة إلى ثمانية آلاف عامل من خارجها، منهم من يقرر إقامة مشروع صغير بعد أن يتعلم خبايا الحرفة على يد أبناء الجراح المهرة، ومنهم من يظل عاملا موسميا.

ساعات قليلة قضتها “العرب”، وسط خلية من البشر يعملون بدأب، وفي تلك الساعات تعرّض مصور الجريدة لإصابة في العين، بعد أن دخلتها شظايا من الزجاج المتطاير، لكن هذا ما يتعرض له يوميا أشخاص يمتهنون مثل هذه المهنة التي يتغلب فيها العنصر البشري على الآلات والماكينات، ويتلافى العمال تلك النوعية من الإصابات إما بارتداء النظارات وإما الوقوف بالخبرة عكس اتجاه الرياح.

خلية نحل

صناعة تحتاج منظومة عمل متكاملة

في الطريق الزراعي المؤدي إلى القرية الزجاجية، يمكن للعابر أن يميّز بسهولة احتراف أهلها لمهنة التعب، لكنهم يعملون كخلية نحل دون كلل أو ملل، ففي داخل المصانع يتحرك الرجال أمام الأفران الضخمة، وتلمح أحدهم ينفخ في أنبوب طويل مجوف، في حين يقف أمام “المشوى” شاب صغير السن يتمتع بسرعة الحركة، فضلا عن خبرته في التعامل الآمن مع نار المشوى الهادئة التي يمر عليها المنتج في مرحلة التصنيع الأخيرة، وبعدها يأتي دور العنصر النسائي الذي لا علاقة له بمراحل الإنتاج الشاقة، حيث يقتصر عمل السيدات على تزيين المنتجات.

وتبدأ عملية التصنيع بمرحلة خلط بودرة الزجاج البيضاء بالرمل الجبلي، ويحدث ذلك وفقا لما وصفه أشرف الشرقاوي (صاحب مصنع)، داخل “جرن” كبير يشبه غرفة غير مكتملة الأسوار، وأضاف الشرقاوي لـ”العرب”، أن هذه العجينة يتم وضعها بعد ذلك في فرن كبير مبني بالطوب الأحمر.

كالصياد يقف العامل أمام فتحة الفرن التي تتأجج فيه النيران، ممسكا بماسورة طويلة مفرغة من الداخل، يطلق عليها “أنبوب النفخ”، ثم يلقي العامل بالأنبوب في فتحة الفرن ثم يخرجها وقد التصقت بطرفه كتلة من الزجاج المنصهر المتوهجة كالمصباح، ثم‏ يلقي بها لزميل آخر له يلتقطها بآلة حديدية تشبه المقص، ويقوم هذا العامل بإغلاق الآلة بسرعة لتشكيل “كعب” الكأس أو الكوب.

الحرفي الذي التقط الكتلة المنصهرة يقوم بدحرجتها على طاولة معدنية، كي تأخذ شكلا أسطوانيا، يتم تشكيله وفقا للمنتج المراد تصنيعه، ويلتقط منه الأنبوب عامل آخر ينفخ فيه نفخة قصيرة لتكبر الكتلة،‏ فيدحرجها من جديد ثم يرفعها ليتفحصها، ويعيدها إلى النار مجددا.

ويكمل الشرقاوي، بعد ذلك يقوم العامل بإدخال القطعة الزجاجية إلى آلة يخرج منها المنتج في شكله النهائي ولكن بقوام ليّن، ثم يتم قص الحواف وتسويتها من الزوائد ليتناولها عامل المشوى، وهو المختص بوضع القطعة داخل فرن الشوي لمدة ساعتين، في درجة حرارة تصل إلى 1500 درجة مئوية لتتماسك جزيئاتها جيدا، وهذا العامل يجب أن يتمتع بحرفية عالية اتقاء لانفجار المنتجات الزجاجية.

بعدها تخرج القطع الزجاجية على سير معدني طويل، يعمل بواسطة محرك كهربائي ذي جهد عال، وهو السير الذي يحرك القطعة داخل الفرن إلى أن تخرج قوية وشديدة الصلابة، ويكون في انتظارها عامل التعبئة الذي يلتقطها عبر سيخ معدني طويل يسمى (مصماع)، ويضعها على طاولات حتى تهدأ حرارتها تماما، ثم يضعها في عبوات كرتونية تمهيدا لنقلها إلى ورش التزيين بالزخرفة والرش والدهانات، لتستقبلها الأسواق بعد ذلك.

دون نفايات

ما يلفت الانتباه هو عدم وجود صناديق للنفايات داخل المصانع، لأن صناعة الزجاج البلدي لا تخلف نفايات، أو ما يطلق عليه بين الحرفيين “الهالك”، فلا مكان لإهدار أي شيء من المنتج مهما كان بسيطا، لأنه يعاد تدويره وتصنيع بعض المنتجات من الزجاج المهشم بعد سحقه وخلطه بالرمل الجبلي مرة أخرى، وتتشابه عملية إعادة التدوير مع خطوات التصنيع العادية بعد عملية الصهر وإعادة الزجاج إلى خامته الأولى كعجينة مرنة سهلة التشكيل.

المرحلة الشاقة من صناعة الزجاج

على الرغم من دخول الآلات والماكينات في بعض مراحل التصنيع، غير أن العنصر البشري هو أساس هذه الصناعة وعمودها الفقري، وتخلو المصانع والأفران الكبيرة من العنصر النسائي الذي يختص بعمليتي الرسم والدهن أي طلاء المنتجات بالألوان المذهبة.

وتصل المنتجات الزجاجية إلى ورش التزيين داخل العبوات الكرتونية، تفصلها عن بعضها رقاقات من الكرتون المفرغ لحمايتها من الاحتكاك ببعضها وتعرضها للشرخ أوالكسر، فيتم رشها بدهانات خاصة.

ويشرح إسلام محمود (صاحب ورشة تزيين) لـ”العرب” هذه الخطوات قائلا، “إنه يتم تلوين المنتج في غرف خاصة عن طريق ماكينة رش ‘كمبروسر’، وتزود هذه الغرف بشفاطات كبيرة لسحب الروائح الناتجة عن عملية الرش والتخلص من الرذاذ، بعدها يتم ترك المنتجات حتى تجف، ويتم وضع المنتجات في الهواء بتسليط مراوح كبيرة لتسريع عملية التجفيف وتوفير الوقت”.

وهناك منتجات تزين بطرق أخرى، بلصق شرائط مزخرفة عليها، أو أن يقوم “المذهباتي” بالرسم عليها بماء الذهب وفق تصميمات أعدت مسبقا، حتى يتم توحيد الشكل النهائي للقطعة، أما بعض القطع يترك تزيينها بحسب ذوق الرسام.

وتشارك الفتيات في مراحل التزيين وتثبيت بعض حبات اللؤلؤ الصناعي وقطع الكريستال والخرز على المنتجات، لتمتعهن بالذوق الرفيع وفقا لما قاله إسلام محمود، إلا أن إحدى العاملات وتدعى عزة عادل لها رأي آخر، أكدت لـ”العرب” أن الاعتماد على العنصر النسائي يعود إلى تدني أجورهن التي لا تتخطى المئة جنيه يوميا (نحو ثمانية دولارات). وتعمل عزة على زخرفة الأواني الزجاجية لتجعلها تسرّ الناظر والحريف حين تعرض في المحلات التجارية، مضيفة أنها اكتسبت الخبرة في هذا المجال، وتستعين في تصوير رسوماتها وتطويرها من خلال ما تعرضه مواقع الإنترنت حتى أصبحت لديها رؤية فنية تجعلها رسامة حقيقية على الزجاج.

تقول عزة إنها حين تريد تجربة بعض الرسومات الجديدة تتم مناقشتها مع أصحاب المصانع ثم تقع تجربتها من خلال عدد محدود من الأواني والتي عادة ما تكون الكؤوس البلدية والأكواب الشعبية وأطقم الشربات، فإذا نجحت وأقبل عليها الزبائن تتم عملية الإنتاج بكميات كبيرة.

وتخرج المنتجات من مرحلة التزيين والزخرفة إلى مناضد خشبية وتترك حتى تجف لضمان تثبيت الألوان، ثم يتم رصها في عبوات كرتونية على قطع من قماش الستان الأبيض ليستقبلها المستهلك، سواء من ربات المنازل أو العرسان.

صناعة الزجاج في قرية الجراح جذبت معها صناعات أخرى يقوم بها الأهالي مثل تجارة الألوان التي تستعمل في الرسم على الزجاج كما تم إنشاء مصنع للكرتون الذي توضع فيه الأطقم الزجاجية، ولتوزيع البضاعة في الأسواق المصرية عمل أبناء القرية أيضا بالنقل، كما قام بعض الشباب بدور الوسيط لتوزيع المنتجات الزجاجية.

خديعة تركيا

الأيادي الناعمة تتخصص في الزخرفة

تعتبر مصر من أكثر الدول التي تتمتع جبالها بأفضل أنواع الرمال النقية الصالحة لتصنيع الزجاج، أبرزها جبال الرمل بمنطقة أبو زنيمة بجنوب سيناء، إلا أنه يتم بيعه بأثمان بخسة إلى مركز تركي متخصص موجود في مصر، حيث يقوم الأخير بشراء الطن الواحد مقابل 300 جنيه (أي نحو 15 دولارا)، وبعدها تصدر الرمال، وهي المادة الخام لتصنيع الزجاج، إلى تركيا عبر المركز، وتعاد إلى مصر مرة أخرى في شكل عجينة الزجاج والبودرة التي تعتبر المادة الأساسية في عملية التصنيع بأسعار مضاعفة.

ووصف سالم أبوغالي (صاحب ورشة لتصنيع الزجاج)، ما يحدث بالخديعة لأنه يجور على مصالح الصناع المصريين بطريقة ملتوية، بهدف كسب أسواق جديدة لسحب البساط من تحت أقدامهم، وليس ذلك فحسب، بل يوضح أبوغالي أن السوق المصرية تعاني منافسة شرسة من المنتجات الصينية والإندونيسية لانخفاض أسعارها، ورغم قلة جودة ورداءة خاماتها، إلا أن الظروف الاقتصادية دفعت المستهلك للبحث عن الأسعار الرخيصة على حساب الجودة.

كان أبوغالي يجلس أمام ورشته يسند رأسه على راحة يده، ثم اعتدل يشكو تدهور أحوال العاملين في صناعة الزجاج بالقرية التي ظلت لعقود خالية من البطالة، واليوم أضحت نصف مصانعها وورشها مهددة بالإغلاق بسب تراكم الديون على أصحابها، وملاحقة البنوك لهم بالفوائد، بسبب الانتكاسة التي تعرضت لها هذه الصناعة التي تأثرت بالظروف التي مرت بها مصر.

وتواجه صناعة الزجاج البلدي بالقرية عدة مشكلات، أهمها عدم مد خطوط الغاز الطبيعي إليها، ولا تزال المصانع والأفران تعتمد على أسطوانات الغاز رغم مخاطرها وارتفاع تكلفتها، ويشكو أصحاب المصانع من تقديرات الضرائب الجزافية.

وطالب أبوغالي بوضع منظومة عمل متكاملة للقرية على يد خبراء اقتصاديين، للحفاظ على مهن تراثية تعد مصر رائدة فيها، والعمل على تطويرها بإدخال التكنولوجيا الحديثة، بدلا من انفصال الصناعة عن الحكومة وكأنهما في جزر منعزلة.

ووفقا لعلم “المصريات” فإن المصريين القدماء أول من قاموا بتصنيع الزجاج وتم اكتشاف أقدم مصنع أثري لإنتاج الزجاج في منطقة القنطرة بمحافظة الإسماعيلية على قناة السويس.

وأكد الباحث في علم المصريات محمود المهاجر لـ”العرب”، أن القدماء اتبعوا طريقة مبتكرة لصنع الزجاج تقوم على مرحلتين أولهما، صهر رمل الكوارتز مع البوتاسيوم عند درجة حرارة تصل إلى 850 درجة مئوية، بعد طحن المواد جيدا لتحويلها إلى مسحوق بودرة بأعلى درجة نقاء وجودة ممكنة.

ويتم ذلك في “بوتقات سيراميكية” حتى تتشكّل مادة الزجاج دون النقاء الكامل لاختلاط بعض الشوائب بها، ثم يتم تكسير البوتقات وتحطيم السبيكة الزجاجية، بعدها تبدأ المرحلة الثانية بصهر حطام السبيكة مرة أخرى عند درجة حرارة ألف درجة مئوية، فيتشكل خام الزجاج النقي على شكل مكعبات يصل سمكها إلى 10 سنتيمترات، ثم يضاف إليها الجير لتثبيت الخليط.

وأشار المهاجر إلى أن عملية تلوين الزجاج تكون بإضافة أكسيدات معدنية مثل النحاس والكوبالت والحديد، وازدهرت صناعة الزجاج في مصر القديمة وبالتحديد في الأسرة الثامنة، وكان يستخدم كورقة ضغط سياسي لفرض النفوذ والهيمنة.

20