"بساتين البصرة" سير شخصيات تتصارع بحثا عن ذواتها

المصرية منصورة عزالدين تشكل روايتها عبر لعبة المتاهة والأحلام والذاكرة.
الأحد 2021/05/09
شخصيات مضطربة تبحث عن هويتها (لوحة للفنان عمران يونس)

شهد مفهوم الرواية التاريخية، في الفترة الأخيرة، تطورات ومستجدات كثيرة، فلم يعد الغرض من كتابة الرواية التاريخية – كما كان من قبل عند والتر سكوت – مجرد إلقاء الضوء على بقع معتمة في التاريخ أو على شخصياته المجهولة أو حتى محاكمته ونقده، وإنما غدا التاريخ ذاته سردية يجرى عليها ما يجرى على المتخيل. فكما يقول نديتو كوتشه "حيث لا يوجد سرد لا يوجد تاريخ"، وهو الأمر الذي جعل من هايدن وايت يتعامل مع "التاريخ بوصفه سردا".

لم تعد الحوادث التاريخية الكبرى والشخصيات الفاعلة، هي محور أو اهتمام الرواية التاريخية الجديدة، بل صارت التجربة الإنسانية بكل حمولاتها ومواضعاتها هدفا للروائي المعاصر؛ فالحقيقة المطلقة لم يعد لها حضور داخل الرواية، كما لم يعد التاريخ نفسه كيانا مستقرا، يمكننا من الحكم على صواب أو خطأ الرواية التاريخية من خلال عرضها عليه.

وهذا التطور هو ما جعل فرجيينا وولف تنعى الرواية التاريخية في القرن التاسع عشر لأنها تفتقد إلى الابتكار، وتركز على الأشياء التافهة وغير الأساسية، بينما كان يجب أن تركز على إشكالية التجربة الإنسانية والمعرفة. وهو ما سعى إليه الروائيون في الفترة الأخيرة فأسقطوا سلم التراتبية، بأن حل الهامش والعادي والبسيط محل الطبقة الحاكمة (أو المهيمنة).

كتابة الروائية المصرية منصورة عزالدين على تنوعها؛ القصصية والروائية، لا يمكن قراءتها منفصلة عن بعضها البعض، بل ثمة خيط ممتد أو تيمات بعينها تتكرر في كل عمل، وتتصل بالعمل الذي يسبقه، دون أن تحد من استقلالية النص الجديد وتفرده، وهو ما يشير – في أحد معانيه المتعددة – إلى هاجس أو نسق مضمر وراء التداعي والاطراد.

هناك نسق تنشغل به الكتابة والكاتبة على حد سواء؛ فالأحلام والذاكرة، والقرين وتقصي أثر العلامات، والعودة إلى الطفولة، والبيت الرحم، والنهر والطبيعة بأشجارها وزهورها وروائحها، هي بمثابة تيمات متكررة تتردد بأشكال مختلفة، وربما بدلالات متعددة في جميع النصوص.

تقنيات ما بعد حداثية

في "بساتين البصرة" تقوم الحكاية على تداعيات الذاكرة كما تلعب الأحلام دورا مهما في تشكيل النص وتكوين الشخصيات

في رواية “بساتين البصرة” الصادرة عن دار الشروق المصرية، والتي بلغت القائمة الطويلة لجائزة البوكر العربية، يتنازع حركة السرد خطابان؛ خطاب سردي معاصر يبدأ به النص وينتهي أيضا، يسرد عن شخصية هشام خطاب، وما حل به من إخفاقات وإحباطات على مدار تاريخه الشخصي، وتقاطعه مع تاريخ أمه ليلى التي لا تقل عنه إحباطا وفشلا وسوء حظ، وصولا إلى فقدان هويته التي كانت منقسمة على ذاتين، وهو ما آل به لأن يحل نزيلا في إحدى المصحات العلاجية دون الاهتداء إلى هويته التي كان هاجسه الأساسي (والأبدي) البحث عنها، في ظل حيرة إلى أيهما ينتمي: أ إلى هشام خطاب أم يزيد بن أبيه؟ وبين خطاب تاريخي يتصل أول ما يتصل بالقرن الثاني الهجري، وسياقه السياسي والفكري الجدلي والإشكالي، وكذلك الحضاري والاجتماعي ومدونته الحياتية من ملابس وطعام وشراب وأمور يومية.

بهذه المراوحة بين الزمنين الماضي والحاضر عبر وسيط لغوي، هو الشخصية المحورية التي تتماهى في/ مع شخصية يزيد بن أبيه وعصره ورجاله وصراعه الفكري والفلسفي، تتأسس رواية “بساتين البصرة” عبر عدة أقسام يأخذ كل قسم منها عنوانا مستقلا هكذا: سماء تركوازية كما يليق بحجر كريم، أيام تنفرط كحبات العقد، شذرات من حياة يزيد، داخل لوحة شاجال، امرأة في الكرخ، بيت على أطراف البصرة، خلف ضباب الجسد. كما يندرج تحت كل قسم وحدات سردية منجمة، تتضافر في ما بينها لتولد دلالة النص الموزعة على الأقسام والوحدات جميعها.

وتضعنا هذا المراوحة المتباينة بين الفصول، في دائرة أسئلة كتابة الرواية التاريخية، ولكن بصورتها الما بعد حداثية؛ حيث إمكانية إحلال الروائي محل المؤرخ، بكتابة تأريخ لشخصية ما، لكن دون أن يكون لها وجود حقيقي / مرجعي، أو بمعنى أدق خلق شخصية من خارج حلقة التاريخ القارة (المتن أو الهامش)، إلا أنها متصلة بها بحضورها الشخصي والتاريخي، وتفاعلها مع أحداث التاريخ الإشكالية (صراع الفرق والمذاهب الإسلامية) والأهم أنها تجعل منها (أي الشخصية المختلقة) كائنا بشريا يقدم على الخطيئة ويسعى إلى التطهر بفعل الكتابة. وهذا الفعل يقلب معادلة كتابة التاريخ بأن يصبح (ما حدث فعلا) محكيا تاريخيا لـ”ما حدث احتمالا”، فهنا “ما لم يحدث فعلا” صار محكيا تاريخيا لـ”ما سيحدث احتمالا”.

لا تقف أهمية رواية “بساتين البصرة” عند إحلال الروائي محل المؤرخ وفقط، وإنما تتجاوزها إلى توظيفها للكثير من جماليات القص ما بعد الحداثي، فهذه الرواية، كسائر أعمال منصورة عزالدين، تنتمي – بتعبير رولان بارت- إلى النصوص الكتابية؛ حيث التشظي وتفتيت الحدث على مدار بنيات النص، والاعتماد على بنية الحلم، وارتباطها بفعل الذاكرة (التي هي ظل النار)، وكذلك إحلال القارئ كمشارك في عملية التجميع والتأويل، إذ يتجاوز دوره كمتلق يأتي إليه النص وهو خارجه، إلى مشارك فيه، أي منتج للنص الحقيقي بتعبير ستانلي فيش، بإحداث العلاقات والقيام بتجميع النص كقطع البازل، والأهم هو التأويل.

كما تتبنى الرواية آلية السرد المستحيل، التي تنتمي إلى تقنيات السرد ما بعد الكلاسيكي؛ فبطل الرواية كما يبدو من خطابي الاستهلال والخاتمة، مريض وبالأحرى مصاب بانفصام في الشخصية، وهو ما يجعل إمكانية تقبل الحكاية منه أمرا يكاد يكون مستحيلا في ضوء نظرية السرد الكلاسيكي، إلا أن المؤلفة تلافيا للتشكيك فيما يروي لجأت إلى تقنية تعدد الأصوات، فلم يعد هو الراوي الأوحد المهيمن على حركة السرد والشخصيات، بل ثمة رواة متعددون يتناوبون السرد بالضمير الشخصي/ الأنا، بالإضافة إلى الاعتماد على الراوي الغائب/ كلي المعرفة في سرد قصة أمه ليلى في القرية وارتباطها بأبيه، ثم هروبها معه، وعلاقتها بجدتها إلخ، حيث يقترب منها إلى حد التطابق زمانيا ومكانيا وفي تبنى وجهه النظر أيضا.

وكذلك ينتمي النص إلى النصوص المعرفية، التي لا تقدم حكاية للتسلية أو المتعة، بل حكاية عصية كأنها مكتوبة بــ”العين والإبرة” تستلب عقل قارئها قبل وجدانه، فنحن لسنا أمام حكاية تأخذ الشكل النمطي في القص، مدارها هشام خطاب وأمه من جانب، وصراعية العلاقة بين قرينه يزيد بن أبيه ومالك بن عدي النساج من جانب آخر.

وإنما نحن مع نص يقدم نفسه كمنتج معرفي يعضد متنه بحقول معرفية متعددة، فيستلهم كافة أشكال خطابات التراث الإنساني؛ شعرا ونثرا، وفنونا، وتتردد فيه مفاهيم فلسفية، تبدو صدى لأفكار فلسفية متعلقة بالحلم والأثر والعلامات وانقسام الوعي، والجنون والقرين، والمطرقة والعود الأبدي. وفي ذات الوقت يتماهى مع واقعه الأرضي وثقافته الشعبية سواء بإيمان أشخاصه بالغيبيات وما يتعلق بها من عفاريت وجن، أو بشغفهم بمرويه الشفاهي من السير الشعبية والأغاني.

يستلمح قارئ الرواية أن ثمة نزعة رومانتيكية (تتسم بها أعمال الكاتبة في المطلق) تتسرب داخل النص تتمثل في الاحتفاء بالطبيعة؛ حيث تعطي الرواية أهمية للأزهار والأشجار، وأهمية خاصة للرائحة؛ فتتعدد الروائح ما بين روائح بساتين البصرة، وروائح الياسمين والريحان والنعناع وأشجار الجوافة والمانغو والموز والتوت وأشجار البومباكس بزهورها البرتقالية، وبذلك لم تعد الرائحة مركبا كيميائيا بل علامة سيميائية تواصلية، واستعارة رمزية غنية بالدلالات، تشي أول ما تشي بإدانة لواقع استهلاكي، يجرد الحياة من مظاهر بهجتها لحساب المادة والرأسمالية (عالجت في رواية “متاهة مريم” من قبل ظاهرة تجريف الأرض لصالح مصانع الطوب) بتفعيل قيم الاستعمال بمصطلح لوسيان غولد مان، وهو ما أدى إلى انتشار القبح في كل مكان.

رواية المتاهة والأحلام

Thumbnail

تجسد الرواية حكاية هشام خطاب (كتمثيل لقطاع عريض من الشباب) المأزوم اجتماعيا ونفسيا، بتعدد انكساراته وخيباته منذ طفولته؛ فهو ابن وحيد لأب ظل بلا وجود ملموس له (بما في ذلك غياب المخاطبة بلفظ “أبي” الدال على الحميمية) فهو غير مسؤول بالمرة، يتبع نزواته وينساق خلف منشدي السيرة الهلالية؛ بحثا عن شيء، ربما بحثا عن ذاته في استعادة لفعل آدم بطل رواية “أخيلة الظل” الذي أرعبه ظله حين لاحظه وهو يستحم، وما إن استغاث بأمه حتى طمأنته بأن هذا ظله وأنه يتبعه. فصاح رافضا “لا أريده. تخلصي منه لا أحبه ولا أريده أن يتبعني”.

هنا على العكس تماما كل شخصية تتبع ظلها، حتى ولو كان في التتبع وتقصي العلامات نهايتها. يموت الأب مغتربا، ويرتكب الابن جريمة قتل على غرار قتل يزيد للعجوز، ومالك يتبع غواية مجيبة فينتهي قاتلا ومطاردا بالخطيئة. والأم متبرمة شكايّة تندب دوما سوء حظها، انكفأت على ماكينة خياطة “سنجر” كي تسد ثغرة غياب الأب وغياب المورد، عينها تنشد إلى طفولتها وذكرياتها في قريتها القديمة.

هشام خطاب هو تجسيد لأزمة واقع أسهم هو الآخر – بنصيب وافر – في إصابته بالندوب والجراح، ولم يقدر تفوقه واجتهاده بعد أن خاب أمله في الدخول إلى كلية الصيدلة، فتفوق في كلية العلوم، عل وعسى أن يصير معيدا، لكن آماله وتفوقه تحطما على صخرة المحسوبية والواسطة، وهو ما تكرر عندما أراد أن يجد فرصة عمل تناسب تفوقه ونبوغه بعد التخرج، وفشل، فقرر أن يتمرد على واقعه ليكون نفسه، فتحول اهتمامه إلى الكتب القديمة، إذ بدت له “كمقبرة مثالية لدفن إحباطه وشعوره بالخيبة واللاجدوى”.

يشير إيريك فروم في كتاب “اللغة المنسية” إلى أن الأحلام نظر إليها قديما على أنها آتية من قوة إلهية عليا، فهي رسائل ترسلها لهم تلك القوى فوق الطبيعية، ولذلك كان يجتهد الإنسان في معرفة ما ترمي إليه تلك الرسائل وما تخبره به.

وهناك من يرى أن الأحلام هي خبرة فعلية من خبرات النفس، أما فرويد فيرى أنها الطريق الملكية والجادة الرئيسية التي تقودنا إلى فهم اللاوعي، ومن ثم إلى فهم أعتى القوى التي تكمن وراء السلوك البشري، سواء كان سلوكا مرضيا أو سلوكا سويا، وإن كان عدل في ما بعد مفهومه عن الحلم، لكن ما يهمنا هو اعتباره وسيلة لفهم اللاوعي الإنساني.

في نص “أخيلة الظل” (2017) آدم يقول لكاميليا “الحلم والكابوس مغزولان من الخيط نفسه، أحلامي وكوابيسي من القماشة ذاتها. بكلماتي نصبت الفخاخ لنفسي. كنت الصياد والفريسة”. هذا الكلام نراه يتكرر في نص “بساتين البصرة”، يتكرر الحلم/ الكابوس باطراد، كما أن سمة الحلم أو الحياة في زمن آخر هي سمة ممتدة على طول خط إبداع منصورة، كما في نصوص؛ ضوء مهترئ، ومتاهة مريم، وأخيلة الظل.. إلخ.

في “بساتين البصرة” تلعب الأحلام دورا مهما في تشكيل النص وتكوين الشخصيات. فالرواية تأسست بنيتها من حلم مستقى من كتاب “تفسير الأحلام” لمحمد بن سيرين، كما أن الحلم يعانق هشام خطاب، فيختلق شخصية يزيد بن أبيه لتصبح قرينا له، وهي ليس لها وجود مرجعي إلا أن المؤلفة نجحت في جعلها مرجعية بربطها بشخصيات تاريخية مثل الحسن البصري وواصل بن عطاء وبشار بن برد، وأحداث مهمة كالمحنة التي مر بها واصل. وعبر الحلم تنقسم الذات على نفسها، حيث – في الأصل – تفتقد لمفهوم الهوية الشخصية، فالشخصيات واقعة في متاهة بين حاضرها وماضيها، بين هويتها المتأزمة وهوية الآخرين.

وميرفت تغرق نفسها في أحلام يقظة “متمحورة حول حياة أخرى بديلة” ترتبط فيها بهشام، وتؤسس معه “أسرة صغيرة”، فالحلم عندها يأتي كفعل منتج للسرد وموجه لحركته، على غرار كاميليا (في أخيلة الظل) التي كانت تستعيض بالكتابة كي تحيا في زمن آخر.

كما أن الأحلام وثقت علاقة مالك بن عدي بيزيد، فكان يلجأ إليه كي يفسرها له، فمالك لا يرى نفسه مفسرا للأحلام وفقط بل حسب ما يقول “أعيش بها، أتنفسها وألمسها، وأتعثر فيها أينما توجهت”، وما إن قتل يزيد العجوز حتى غادرته الأحلام وانقطعت عنه. وكانت -أيضا- ثغرة تسللت منها مجيبة إلى مالك النساخ وحدث الإغواء ثم القتل، وأيضا مرشدا أرشد واصل بن عطاء إلى موعد منيته الذي سيحل “وقت وباء أو هيجاء”.

وكذلك كانت معبرا عبرت من خلاله بيلا أو ميرفت إلى هشام خطاب، حيث صار كتاب تفسير ابن سيرين (الذي كانت تحمله عندما التقاها مصادفة) واسطة العقد بينهما، وإن صار لاحقا حضورها في أحلامه يشعره بعدم الأمان. والأهم أنها (أي الأحلام) كانت الوسيط بينه وبين شخص عاش قبل قرون، لكن بعد فترة لم تعد الأحلام هي وسيلته للعبور إلى الزمن الماضي، فقد صار مجرد أن يغمض عينيه حتى “تتهادى الذكريات بداخلي، وتبدو كما لو كانت مرئية لا يفصلني عنها زمان ولا مكان”.

وبذلك تكون الحكاية في تشكلها قائمة على أساس تداعيات الذاكرة، والأحلام التي يحلم بها هشام خطاب، فالسمة البارزة للنص أنه قائم على لعبة المتاهة، لو استعرنا عنوان رواية “متاهة مريم” للكاتبة نفسها، سواء على مستوى الشخصيات أو على مستوى البناء والتركيب.

المتاهة حاضرة ليس على مستوى تشظي الشخصية وتفتتها داخل النص وفقط، وهو ما يستدعي إعادة تركيبها، أو حتى في تناسل الحكايات عن كل شخصية، وكأننا أمام صندوق حكايات، وهي سمة ليالية بامتياز، حيث كل حكاية تتمدد وتتصل بحكاية أخرى، عبر روابط تصنعها المؤلفة الضمنية، فحكاية هشام خطاب تنداح في حكاية يزيد ومالك بن عدي عبر الحلم، وحكاية ميرفت/ بيلا تتصل عبر التوازي بحكاية بيلا روزينفيلد زوجة الفنان مارك شاجال التي راحت تتقمصها، فتقلدها في قصة شعرها وملابسها. وحكاية ليلى مع إنها حكاية مستقلة تتوزع على جميع الحكايات.

وإنما المتاهة حاضرة -أيضا- في تكوين الشخصية المعيشي وهو ما له أثر على تكوينها النفسي. فالشخصيات الروائية هي رهينة لماضيها، ونتاج لأشخاص آخرين أثروا بالسلب – حتى ولو بغير المباشرة – على تكوين هذه الشخصيات، فالجدة خديحة تؤثر بالسلب على الحفيدة ليلى، فالعقد الذي توارثته عنها لم يحمها من “خرف الشيخوخة ولا من الميل للضياع على الطرقات”، والأم ليلى المتبرمة والشاكية دوما، المشدودة لماضيها والواقع عليها قهر زوج يحيا وفق ما تمليه عليه نزواته وما جرته عليها عذابات ترحاله، وافتقادها للأخ، أثرت على الابن، ففقد الثقة في جميع النساء، وإن كان يحيلها إلى شخصية مجيبة.

عملية التقمص بين الشخصيات وبعضها البعض، كما هي واضحة في شخصية ميرفت التي تتقمص تارة بيلا زوجة الفنان الفرنسي مارك ساجال، في قصة شعرها وملابسها، وتارة شخصيات الأفلام الفرنسية، فما أن تخرج من الفيلم حتى تتقمص تعبيرات وجه وإيماءات كاترين دينيف أو جين سيبيرغ أو آنا كارينا أو جين بيركين، وقد تعدت هذا إلى تقمصها حركات وإيماءات أصدقائها، وتارة أخرى تتقمص شخصية خطاب، فتكرر بعض تعبيرات وجهه ولزماته في الكلام؛ متحققة أيضا على مستوى الأسماء، فخطاب لا ينادي أمه إلا باسم قمر، حيث كانت تشبه نفسها بالقمر، وأيضا ميرفت حبيبته يناديها منذ أول لقاء ببيلا، كما أن خطاب نفسه حائر بين اسمه الأصلي واسم يزيد.

البحث عن الذات

المؤلفة لم تتحامل على الرجل، بتأثير النسوية على العكس تماما، تشاطر الرجل والمرأة على حد سواء الصورة المشوهة

الهدف من لعبة المتاهة التي سقطت فيها جميع الشخصيات هو البحث عن الذات، وهو ما يؤكده التضمين غير المجاني لجملة فريدالدين العطار التي يعمل ضدها كل الشخصيات ومنطوقها “فلتكف عن البحث، فما فقدت شيئا، ولتكف عن الكلام، فكلا ما تقول ليس سوى ثرثرة”.

متاهة البحث عن الذات، هي متاهة ممتدة منذ الأب الذي ترك الأسرة حد هجرتها نهائيا وراء منشدي السيرة بحثا عن ذاته في مروياتهم عن أبطالهم الشعبيين، وبالفعل خطاب يرتحل إلى الماضي ويتقمص شخصية يزيد بن معاوية بحثا عن ذاته التي بدأ التشكيك فيها منذ سؤاله لأمه عن هويته، فتسخر منه بقولها “لقيناك على باب جامع”، فيذهب في رحلة إلى التاريخ متقمصا شخصية يزيد، ويقوده هذا التقمص إلى تشابه المصير بينهماـ فمثلما قتل يزيد العجوز، يقتل هو أيضا أستاذه الزنديق وأسرته.

وقد يأخذ شكلا آخر عبر صورة بحث مالك بن عدي عن مجيبة، فرحيلها المباغت “كبغتات الدهر وتقلباته” جعله يبحث عنها كالمهووس، سائلا الأدلاء وعابري السبيل عنها، دون أن يهتدي إليها.

سؤال البحث عن الذات مثل لخطاب هاجسا عجز عن هجره. فتخلى عن نصيحة فريدالدين العطار بالكف عن البحث، موصيا نفسه بأن يواصل البحث عن الشيء في سواه ويقتفي أثر ذاته عله يقبض على لمحة منها في كل ما عداها. وهو ما تجلى منذ بحثه عن هوية أبويه الحقيقين، قد وطن نفسه منذ طفولته أن لا أم له ولا أب؛ لذلك كان في طفولته يتماهى مع اللقطاء واليتامى.

كما كان محور الصراع بينه وبين أمه، التي كانت تهدده ببيع كتبه لبائع الروبابكيا أو حرقها إن لم يلتفت لحياته ويبحث عن عمل حقيقي. بل يمتد شغف البحث به إلى تخيلات العثور على كتب ابن الراوندي: التاج أو الدامغ أو الزمر أو اللؤلؤة. وبالمثل ميرفت يخايلها شعور البحث عن ذاتها بعدما عانت الندوب من جراء علاقتها به، فتنظر إلى مرآة غرفة نومها وتقول”علني أعثر في وجهي المتعب على لمحة من أثر شبابي المنفلت من بين أصابعي”.

المتاهة أو حالة التوهمات والانفصال التي كان يعيش فيها خطاب أثرت على سلوكياته مع الآخرين، فهو لا يبالي بالموت ولا بالكوراث، بل يخال أنه مولود بلا عاطفة التعاطف. وقد صاحب تصرفاته تلك شيء من الغرابة؛ فهو يضحك من أشياء مأساوية، ويغضب من تفاهات، لديه ولع بالبيوت الفخمة، وفي نفس الوقت ارتياب من المطاعم والمقاهي الفخمة.

انتابته حالة من القسوة والتبرم بدت في تعليقاته على الشأن العام على صفحته في الفيسبوك، وقد زادت هذه التصرفات عبثية بعد الثورة، بتوهمه أن لديه حلولا لكل المشاكل التي وقع فيها البلد، ثم دخوله حالة من التوهمات بأن ابنة ميرفت ابنته، فيضع صورتها كبروفايل لحسابه الشخصي، وصولا إلى حالة الارتياب في حبيبته واتهامها بأنها تتقمصه، في التفكير والحديث وطريقة الكلام، مرورا بارتيابه في أستاذه الزنديق بأنه يتحدث بكلماته ويقتبس أفكاره، بل وينوي نشر الكتاب، بمقدمة ضافية.

تقدم الرواية تمثيلات للصراع والمعاناة التي عانى منها أصحاب الفكر والقلم على مر التاريخ، سواء كان بسبب الفقر كنموذج أبي حيان التوحيدي الذي “اضطره الفقر في أخريات أيامه إلى أكل حشائش وأعشاب الطريق كي يسد جوعه”، أو بسبب سطوة أحادي الفكر على نحو انزواء واصل بن عطاء بعد محنته، وبالمثل الأستاذ الزنديق الذي كان له اهتمام بدراسة الفرق والمذاهب والمدارس الإسلامية، وكانت له مؤلفات ممنوعة، فاختار حياة العزلة اجتماعيا بعد حملات التكفير والمصادرة. أو بسبب الاستغلال والابتزاز على نحو ما حدث مع ميرفت بقتل طموحها بالعمل في الصحافة، إذ تعرضت للاستغلال من قبل محرري إحدى المجلات، بكتابة اسم شخص آخر على تحقيق خاص بها.

كما تنقل لنا الرواية صورة للمثقف المتناقض، الذي يؤمن بأفكار ويعيش على نقيضها، فمالك ابن عدي ينساق إلى الشهوة على حساب العقل، والأستاذ الزنديق يعيش حالة من التناقض بين انفتاحه الفكري وتشدده الاجتماعي، يتميز النص بلغة سردية أخّاذة، سلسلة بليغة دون تكلف أو تقعر حتى وإن كانت مطعمة بالكثير من المفردات التراثية، التي تعود إلى زمن الفصاحة.

ومع هيمنة الفصحى على السرد، أو من خلال التضمينات الشعرية والاقتباسات، إلا أن لغة الحياة اليومية تسربت إلى النص، وجاءت مميزة خاصة في تعليقات الراوي الضمني، كما في الفصل الذي تسرده بيلا عن نفسها وعن علاقتها بخطاب، فصوت الراوي الضمني جاء في تعليقات مقتضبة كتعبير عن تبرير أو غضب أو أمل، أو حتى استياء، على نحو “كثر خيرك والله” (بعد أن أهداها ألبوم مارك ساجال)، و”ماله ميضرش” (عندما وصفها بأنها أشبه بزوجة ساجال بيلا)، و”اللهم طولك يا روح” (عندما انهمك في مشاهدة الفيلم متناسيا وجودها)، وكذلك “الغايب حجته معاه” (عند اختفائه)، وغيرها من تعليقات أضفت دعابة ومرحا على السرد.

لا يخفى على قارئ النص أن المؤلفة لم تتحامل على الرجل وقدمت صورة مشوهة عنه، بتأثير النسوية، لصالح المرأة، فعلى العكس تماما، تشاطر الرجل والمرأة على حد سواء الصورة المشوهة، فجاء الرجل منساقا وراء غريزته (الجسد/ المال؛ كما في شخصيتي مالك النساخ ويزيد بن معاوية)، ومضطربا نفسيا (هشام) ومتناقضا (الزنديق) وغير مسؤول (الأب) وسلبيا (والد ليلى)، في حين جاءت المرأة في صورة المغوية (مجيبة) والمستبدة التي رفضت أن تكمل ابنتها تعليمها (أم ليلى) والشاكية المتبرمة (ليلى) والمقلدة (ميرفت).

بهذه الرواية تتقدم منصورة عزالدين خطوة مهمة في مشروعها السردي (القصصي والروائي)، الذي يتنامى بحذر شديد وإتقان بعيدا عن كتابات اجترار الذات، التي صارت – في الفترة الأخيرة – مرادفا لكتابة المرأة، كاشفة عن وعي مميز وفريد بتراثها على اختلاف حقوله المعرفية، وامتلاكا لأدوات الكاتبة في صوغ (والأحرى نسج) مروية محكمة البناء، تتواشج مع تراث ثري، وحاضر مفجع، غنية بالتفاصيل على قلة صفحاتها، متعددة الدلالات والأبعاد، قادرة على الإمتاع (الجمالي واللغوي) والإشباع (المعرفي والوجداني) في آن معا.

12