بساطة الحقيقة

في تاريخ الأدبيات السياسية وسير الزعماء والقادة والأنبياء كان للبحبوحة الرمزية والسخاء البلاغي والقدرة على امتلاك ثروات طائلة من متنوعات التعبير الجميل.
الأربعاء 2018/08/08
بين الاستمتاع والاقتناع مسافة (لوحة: سهير سباعي)

بين الاستمتاع والاقتناع مسافة، وبين الطرب والإيمان مسافات، نحن نؤمن بالحقائق ولا نستمتع بها، نصدقها أو نرفضها، ونبتغي ممّن يواجهنا بها أن يسلك أقصر السبل، حتى لا تتحوّل رحلة المكاشفة إلى امتحان، فالذكاء هبة الأفراد، والفهم شأن الجماعات ممن يشتركون في مدوّنات اللغات. ولأن التشويق والإطناب تعذيب في مقام التواصل، فلن يكون للاختصار والمباشرة والتبسيط إلا قيمة التأثير، وخلب الآذان التواقة لمعرفة واقعها ومصيرها.

في عبارة مكثفة ومثقلة بالهموم، توضع في السياق كتصريح بخطيئة، يتحدث السارد في رواية “شهران لرلى” للشاعر والروائي اللبناني عباس بيضون، قائلا “الحقيقة لا تقال أدبا. الأدب لا يخلو من انحراف. الحقيقة ينبغي أن تقال بأبسط لغة”، ولعلني كنت دوما أفكر في شيء مشابه حين تخيلت الرواية والشعر والمسرحية والفيلم السينمائي واللوحة والمنحوتة في وضع تتوغل داخله في ما وراء الحقائق، أو ما يمكن أن تفضي إليه تلك الحقائق المتقلبة، أو بتعبير أكثر تبسيطا، أن تقلب بلورات الحياة لتعكس وجوها متعددة لمحتمل الحقيقة. ولم أستوعب الانحراف الأدبي يوما بوصفه تدليسا أو زيغا عن سواء السبيل، وإنما باعتباره ابتكارا لحقائق مضافة، قد لا تعني الكثير من الناس الغارقين في أوجاع أيامهم، وتفاصيل انهماكهم في العيش.

وقبلها بعقود كنت دوما أسترجع تلك العبارات المحيرة لإرنست هيمينغواي في روايته الشهيرة “الوليمة المتنقلة”، المتصلة ببحثه الدائم عن جمل “حقيقية” لقول الأساسي، والسعي الجاهد للهروب من الغرق في وهدة التعابير المأخوذة بفتنة القول. هل يعني ذلك أن الحقيقة ترفض المجاز والتورية والطبقات الأسلوبية المترعة خيالا؟ أم أن اللغة ذاتها لا تملك حقيقتها إلا حينما تزيل الحجب والأردية، وتنهمك في حفلة تعرّ فاضحة؟

في تاريخ الأدبيات السياسية وسير الزعماء والقادة والأنبياء كان للبحبوحة الرمزية والسخاء البلاغي والقدرة على امتلاك ثروات طائلة من متنوعات التعبير الجميل شعرا وأمثالا ونصوصا نثرية وصورا ملحمية وذاكرة خصيبة من مترادفات الكلام والمجاز، دورا أساسيا في بناء ما يمكن أن نسميه “الثقة” التي هي نقيض “الانجذاب” والانبهار والوقوع في دائرة سحر الكلام، لهذا تجلت المسافة دوما بين الحاكم والرعية في قدرة المواجهة التي تقول الحقائق من غير الوقوع في المهالك، لقد كان علي بن أبي طالب بليغا ولم يتأت له يوما أن يكون ملهما لمريديه ولا مقنعا معارضيه، كان منشئ خطابات تتوخى شروحا وذكاء، تقول الحقائق للتاريخ لا للزمن العابر، ولكم كان صادقا حين قال “لا رأي لمن لا يطاع”، بينما كان معاوية خياط كلمات تستلّ سطوتها من سوق القيم.

15
مقالات ذات صلة