بسام كيرلس يحرر النحت من وصفاته الجاهزة

الفنان اللبناني عُرف بنزعته الصفائية فهو يتقن كيف يستبعد العاطفة التي تنفتح على الكثير من المفاهيم الخاطئة في تفسير ما انطوت عليه صفحات الحرب اللبنانية.
الأحد 2018/06/10
صفته نحاتا منضبطا لا تكفي

في أحد معارضه الشخصية، عاد بسام كيرلس إلى ذكرياته عن الحرب الأهلية التي مرت ببلده ما بين عامي 1975 و1990. غير أنه انزلق بذكرياته تلك بعيدا عن الحكايات التي يمكن أن تتخذ طابعا رمزيا فجائعيا مؤثرا.

الفنان اللبناني الذي عُرف بنزعته الصفائية عرف كيف يستبعد العاطفة التي تنفتح على الكثير من المفاهيم الخاطئة في تفسير ما انطوت عليه صفحات تلك الحرب الملتبسة التي اشتبك فيها المحلي بالإقليمي بالعالمي.

يومها سحرته تجربة الألماني انسليم كيفر الذي عاد إلى تجربة الحرب العالمية الثانية في واحد من أعظم معارضه.

تلك فقرة لم تمر في أذهان مَن صُدموا بذلك المعرض المهم وحاولوا أن يقللوا من قيمته بسبب عدم قدرتهم على استيعاب المغزى الجمالي الذي انطوت عليه تلك الأعمال من جهة ما حملته من شحنات تعبيرية.

ركز كيرلس يومها على المباني المهدمة وهو ما فعله كيفر قبله. غير أن تلك المشهدية الصامتة لم تكن لتحظى بتأويل عاطفي لولا ما استندت إليه من معالجات بصرية، تخطت سكونها الواضح لتصل إلى التذكير بالمصير الغامض الذي انتهى إليه ساكنو تلك المباني.

حرص كيرلس في طريقة تفكيره في الفن على أن يقدم خلاصة فكرته. أما الفكرة ذاتها فإنها تظل رهينة لتعامل المتلقي مع القطعة الفنية. فما نراه هو غير ما ننتهي إليه.

كيرلس فنان أفكار
كيرلس فنان أفكار

كيرلس هو فنان أفكار، لذلك فإنه غالبا ما يتحاشى تقنيات النحت التقليدية. يركب منحوتاته بالطريقة نفسها التي يقوم الفنان المعاصر من خلالها بتأليف أعماله. غير أن ميزة كيرلس أنه يتصرف باعتباره نحاتا لا مركبا. وهو ما جعله يحتل مكانا بارزا في المشهد التشكيلي اللبناني المعاصر.

ولد كيرلس عام 1971 في بنتاعل التابعة لـ”جبيل” ولا يزال مقيما هناك. درس الرسم في كلية الفنون، الجامعة اللبنانية. ما بين عامي 1996 و1998 التحق بمشغل الفنان الفرنسي جويل فيشر بباريس لدراسة النحت. بعدها انتقل إلى روما وقضى هناك عامين في دراسة الرسم. عام 1999 حصل على دبلوم في الخزف من معهد سولندو. حين عودته إلى لبنان عام 2000 ترأس جمعية الفنانين اللبنانيين للرسم والنحت. وهو يعمل أستاذا في الجامعة اللبنانية. 

لعبت دراسته الأولية للفلسفة دورا مهما في توجيه طريقة تفكيره في الفن التي يغلب عليها عنصر تأمل الماورائيات، وهو ما دفع به إلى ألا يثق كثيرا بالظواهر المرئية ويتحاشى الاتكاء عليها في التصريح بأفكاره.

 لذلك يصعب التعرف على المرجعيات الطبيعية للأشكال التي يبتكرها النحات بعد أن تعرضت لعدد من التحولات التي جعلتها تفارق حيزها البصري لتخلص إلى دلالتها الفلسفية. وهي عملية يصعب تفكيك عناصرها نظريا، غير أنها بالنسبة لكيرلس تمثل جوهر فعل الخلق الفني. فمن غير التعرف على طبيعة علاقة الفنان بما ينتجه من أعمال نحتية نخطئ الطريق إلى عالمه فلا نرى من ذلك العالم إلا صورة شبحية لا تعبر عن حقيقته.

كيرلس من خلال العودة إلى أعماله هو نحات من طراز خاص. طراز لا يتعامل مع النحت في سياق مفاهيمه التقليدية، من حيث كونه علاقة بين الكتلة والفراغ. وهو ما عبر عنه الفنان من خلال لجوئه إلى استعمال مواد مختلفة لا تمت بصلة لمفهوم الكتلة المتماسكة التي يُستخرج من أعماقها الشكل النحتي. من خلال انسجام بين مواد لا انسجام بينها يصل كيرلس إلى الأشكال التي تعزز فكرته الذهنية عن الأشياء.

الفكرة مقابل الجمال

دراسته الأولية للفلسفة تلعب دورا مهما في توجيه طريقة تفكيره في الفن
دراسته الأولية للفلسفة تلعب دورا مهما في توجيه طريقة تفكيره في الفن

يقول بسام كيرلس “بالنسبة لحضور العمارة المدمرة في أعمالي فهو انعكاس لصورة الحروب الطاحنة التي لا تزال تجتاح عالمنا فيكون الفن صرخة تحتج على ما يحدث وتستحضر ذاكرة الحرب بما فيها الحرب اللبنانية التي ترعرعتُ خلالها. إضافة إلى ذلك فإن الأعمال التي تعبر عن أهوال الحروب انما هي مجال لإشباع كبت عنفي متجذر لدى الشعوب المقموعة فيكون جمال الفن هو الضحية فداء لسلام مفقود”.

هناك الجمال إذا الذي يضعه كيرلس مقابل الفكرة لا خادما لها. وهناك الحاجة إلى العنف التي يحاول الفن تعويضها عن طريق أعمال لا تثير العاطفة بقدر ما تتوجه من العين مباشرة إلى العقل. وقد يكون مناسبا هنا القول إن منحوتات ملغزة مثل تلك الأعمال التي استعمل كيرلس موادا مختلفة من أجل إنجازها هي بالدرجة الأساس أعمال استفهامية. صحيح أن الفنان لم يقصد تلخيصها باعتبارها رموزا غير أن ما هو متاح للمتلقي من حرية في الفهم يمكن أن يقود إلى ذلك المنزلق.

منحوتات كيرلس توحي أكثر مما تُظهر.

أما إذا شئنا التعامل معها باعتبارها كيانات جمالية فأعتقد أننا سنخسر الكثير من تأثير سحرها الذي يبقى عاكفا على لذائذه السرية.     

يدان لخيال مختلف

يضحي كيرلس بالجمال المتاح من أجل فكرة ليست جاهزة. ذلك لأن تلك الفكرة هي الأخرى تخضع للتركيب مثلما هي حال العمل الفني الذي لا تنبعث وحدته العضوية من داخله. وبسبب ذلك التحول المستمر الذي يعيشه العمل الفني فإن نظرة واحدة لا تكفي لتكوين فكرة عنه، ذلك لأنه يظل في طور التشكل ما دامت فكرته لم تظهر في كل تجلياتها.

كيرلس نحات فكرة محلقة يهبنا تجسيدها فرصة لملاحقة انفعالات الشيء من غير الاهتمام بالشيء لذاته.

في مواجهة مغامراته المدهشة في المصالحة بين المواد النافرة التي تقف بتجربته قريبا من عالم التركيب لا يمكننا أن نصفه بالنحات المنضبط. تلك صفة لا تلائمه بالرغم من تمكنه العالي من الحرفة.

لقد ركن كيرلس النتائج التي يمكن أن تقود إليها الحرفة جانبا وهو الذي اكتشف مبكرا أن تلك النتائج لا تصنع فنانا. لذلك فقد صار يمتحن تلك الحرفة ولا يسمح لها باختباره. بمعنى أنه طوع حرفة يديه لخيال مختلف.

كيرلس نحات فكرة محلقة يهبنا تجسيدها فرصة لملاحقة انفعالات الشيء
كيرلس نحات فكرة محلقة يهبنا تجسيدها فرصة لملاحقة انفعالات الشيء

في سياق تلك المحاولة سعى النحات إلى أن يقرب بين عالمي النحت والتركيب. بحيث يبدو عمله مخلصا لشروط التقنية النحتية، بعيدا عن تقنيات التجهيز، غير أنه في الوقت نفسه ينفتح على ما يمليه عليه التركيب من إنشاءات، مصدرها مواد، هي ليست جزءا من القالب النحتي الأصلي.

هنا يهب كيرلس النحت فرصة لتوسيع المنطقة التي يتحرك فيها، لا على مستوى المواد المستعملة فحسب، بل وأيضا على مستوى الموضوعات التي يعالجها.

من خلال تحرره من الموضوعات الأثيرة في النحت استطاع كيرلس أن ينفتح على موضوعات جديدة، مكنته من أن يقيم جسرا يقوده إلى الطبيعة وإن بطريقة انتقائية. فهو يقتطع تفصيلا صغيرا من مشهد ليستعمله باعتباره مادة لا تزال نضرة. ذلك ما تعلمه من حياة عامرة بالغابات والطيور والصخور والطرق الملتوية.

نحات هو وليد حياته. تلك الحياة التي تغلب الواقعي على الرمزي. ليست تجربته الفنية إلا مرآة لحس عميق بالتصالح مع الأشياء التي تكون موجودة لذاتها في أعماله، بما يؤكد تماهيها باعتبارها صنيعا فنيا مع حياتها الجديدة التي يمكن اعتبارها حياة مجاورة.

وكما أرى فإن تمكن كيرلس من تطويع مواده بتلك الخفة والجاذبية إنما يعود إلى قدرته على التعامل مع تلك المواد باعتبارها إرثا شخصيا. لقد أهله التفكير الفلسفي للنظر إلى الأشياء من حوله بطريقة من شأنها أن تقصر المسافة التي تفصل بينه وبين الأشياء. إنه يمشي بين ممتلكاته وهو يمد يده حيثما يشاء ليجد ما يضفي على بصيرته طابع الاكتشاف. لقد حرر بسام كيرلس النحت حقا من وصفاته الجاهزة.

Thumbnail
9