بسبب الجمود والتشتت.. مستقبل الأحزاب اليسارية في المغرب على المحك

العائلة اليسارية تعاني من التشظي والانقسام والصراع الداخلي بين مختلف مكوناتها مما يضعف حظوظ تمثيليتها البرلمانية.
الجمعة 2021/03/05
انقسام اليسار شتت الأصوات

الرباط - تعيش الأحزاب اليسارية المغربية منذ سنوات حالة من "الجمود" جعلت مستقبلها على المحك، وذلك في ضوء تمثيليتها في البرلمان والحكومة.

ومنذ ستينات القرن الماضي، شكل اليسار قوة سياسية وازنة في البلاد، قادت المعارضة لعقود ثم حكومة التناوب سنة 1998.

وقاد عبدالرحمن اليوسفي حزب "الاتحاد الاشتراكي"، وشارك في انتخابات عام 1997 حيث تصدر الحزب الانتخابات ليقود الحكومة التي سميت بـ"حكومة التناوب" (أحزاب المعارضة تقود الحكومة في إطار التناوب الديمقراطي) في مارس 1998، غير أن العقد الأخير  عرف أفول نجم الأحزاب اليسارية الذي كرسه تجرعها هزائم تلو الأخرى في الانتخابات.

وتوجد أعداد من الأحزاب اليسارية بالمغرب، أبرزها حزب الاتحاد الاشتراكي (مشارك بالحكومة)، وحزب التقدم والاشتراكية (معارض)، وفيدرالية اليسار الديمقراطي (معارضة) هي تحالف 3 أحزاب: الاشتراكي الموحد والطليعة الديمقراطي الاشتراكي والمؤتمر الوطني الاتحادي، وأحزاب يسارية أخرى غير ممثلة في البرلمان.

وبعد عقود من الاصطفاف في المعارضة، كانت نقطة التحول في مسار اليسار المغربي قيادة الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية الحكومة خلال الفترة بين 1998 و2002.

وتأسس حزب "الاتحاد الاشتراكي" عام 1959، وظل في المعارضة، قبل أن يقود الحكومة بزعامة عبدالرحمن اليوسفي، عقب تغيير الدستور عام 1996.

وقاد اليوسفي الحزب وشارك في الانتخابات البرلمانية عام 1997، حيث تصدر الانتخابات، ثم قاد الحكومة بين 1998 و2002.

واليوسفي أحد السياسيين اليساريين البارزين الذين قادوا الاتحاد الاشتراكي، وتوفي في مايو 2020 عن عمر يناهز 96 عاما.

ومنذ 2007، أخذ الاتحاد الاشتراكي، كبرى الأحزاب اليسارية، في التراجع عندما انتقل عدد مقاعده من 50 في 2002 إلى 38 مقعدا.

واستمر التراجع عندما نال الحزب 20 مقعدا فقط من أصل 395 في انتخابات 2016، بتراجع 19 مقعدا عن انتخابات 2011.

وفضلا عن الاتحاد الاشتراكي الذي يشكل اليوم القوة السابعة في مجلس النواب (الغرفة الأولى للبرلمان)، يمثل اليسار أيضا كل من حزب التقدم والاشتراكية بـ12 مقعدا (تراجع عن 2011 بـ6 مقاعد)، وفيدرالية اليسار الديمقراطي بمقعدين.

البحث عن دور أكثر تأثيرا
تراجع تمثيلي في البرلمان

وفي 2019 غادر "التقدم والاشتراكية" الحكومة والتحق بصفوف المعارضة، بعد أن شارك في حكومة بنكيران (الأمين العام السابق لحزب العدالة والتنمية) والسنوات الأولى لحكومة سعدالدين العثماني رئيس الحكومة المغربية (والأمين العام لحزب العدالة والتنمية المغربي).

وخلال أكتوبر 2019 قرر حزب التقدم والاشتراكية المغربي مغادرة الحكومة، بسبب ما أسماه "الصراع بين مكوناتها"، حسب بيان للحزب.

وقال بيان للمكتب السياسي (أعلى هيئة تنفيذية في الحزب)، إن "قرار عدم الاستمرار في الحكومة الحالية، بسبب استمرار الصراع بين مكونات الأغلبية الحكومية".

ولفت إلى أن "الوضع غير السوي للأغلبية الحالية مرشح للمزيد من التفاقم في أفق سنة 2021 كسنة انتخابية (سنة تنظيم انتخابات برلمانية)، مما سيحول دون أن تتمكن الحكومة من الاضطلاع بالمهام التي تنتظرها".

واعتبر محمد مصباح مدير المعهد المغربي لتحليل السياسات (غير حكومي)، أن "الأحزاب اليسارية بالمغرب عرفت تراجعا واضحا خلال الفترة بين 2002 و2007، واستمر منحى التراجع".

وأضاف مصباح أن "التراجع بدأ مع قيادة الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية الحكومة".

وأوضح أن "التراجع يرتبط أساسا بعنصرين اثنين: أولهما القابلية للانقسام، حيث أن الأحزاب اليسارية بالمغرب ظاهرة انقسامية وتميل نحو التشتت، وثانيهما عدم تطور خطاب اليسار مع تطور المجتمع، إذ ما زال يحافظ على خطاباته الكلاسيكية".

ولفت إلى أن "كل محاولات تجميع اليسار باءت بالفشل، رغم يقين الأحزاب اليسارية أن عدد الأصوات التي تحصل عليها مجتمعة تقترب أو تساوي ما يحصل عليه العدالة والتنمية (إسلامي/ قائد الائتلاف الحكومي منذ 2012)".

وشدد على أن "أي محاولة للمّ شمل اليسار في المستقبل يكون مآلها الفشل، ولا أدل على ذلك مما حصل لفيدرالية اليسار الديمقراطي التي لم تستطع أن تصمد دون مشاكل، رغم أنها تحالف لثلاثة أحزاب يسارية فقط".

وتابع "اليسار لا يعيش مرحلة الموت السريري بل مرحلة نهاية فكرة اليسار، وهو ما يشكل خلخلة للتوازن السياسي في المغرب".

عدم تطور خطاب اليسار فسح المجال للأحزاب الإسلامية للهيمنة على البرلمان
عدم تطور خطاب اليسار فسح المجال للأحزاب الإسلامية للهيمنة على البرلمان

وأردف "في السابق كانت لدينا أحزاب يسارية قوية مقابل أحزاب إسلامية ثم أحزاب الإدارة، لكن اليوم لم يعد في الساحة سوى الإسلاميين وأحزاب الإدارة وأحزاب يسارية ضعيفة".

وقال عباس بوغالم أستاذ العلوم السياسية بجامعة محمد الأول (حكومية) بوجدة (شرق)، إن "الحديث عن وضعية اليسار بالمغرب على وجه الإجمال يطرح في حد ذاته صعوبات موضوعية ومنهجية، لذلك ونحن نتحدث ينبغي استحضار بعض التباينات والاختلافات التي تميز بعض مكونات الكتلة اليسارية، رغم أن القواسم المشتركة بينها غالبة".

وأضاف بوغالم "تتمثل القواسم المشتركة أساسا في معاناة هذه الأحزاب من أعطاب بنيوية عميقة، تجعل الحديث عن الأحزاب اليسارية مقترنا بسمة الأزمة، وأصبحنا أمام متن خطابي تحليلي لأزمة اليسار المغربي وليس لليسار المغربي".

وأوضح أن "أزمة اليسار مركبة، ترتبط بالجوهر والمضمون وليس بالأعراض، أي أن أزمة اليسار المغربي في اعتقادي أزمة فكرة وأزمة مشروع اليسار في حد ذاته".

وبخصوص مستقبل أحزاب اليسار في ضوء انتخابات 2021، قال الأكاديمي المغربي إن "حضور أحزاب اليسار سيظل محدودا في إطار المشهد السياسي والانتخابي".

وأضاف بوغالم أن حجم تمثيليتها في المؤسسة البرلمانية، "سيظل بالطبع محدودا في ظل واقع التشظي والانقسام للعائلة اليسارية وحالة الصراع الداخلي بين مختلف مكوناتها، حيث بلغت مكونات اليسار تسعة أحزاب سياسية في مرحلة من مراحل تطوره".

وخلص إلى القول "أعتقد أن التيار السياسي اليساري في عمومه فاقد لأي تأثير سياسي وأيديولوجي، بل أصبح خارج دائرة الصراع حول السلطة، وهو ما يعكسه التراجع اللافت للحضور الانتخابي لمجموع الأحزاب اليسارية في انتخابات 2016 والتي لم تتجاوز 34 مقعدا، حصيلة أربعة أحزاب يسارية إضافة إلى فيدرالية اليسار الديمقراطي (3 أحزاب)".