بسبب خطأ في الترجمة ابن رشد ضيع أهم اكتشاف

خطأ يحرم ابن رشد والعرب اكتشاف فن المسرح الذي كان من أهم الفنون في عصر الإغريق.
الجمعة 2019/11/01
ابن رشد فيلسوف فهم أرسطو بشكل خاطئ

في قصة شهيرة له بعنوان “بحث ابن رشد”، يشير خورخي لويس بورخيس إلى أن ابن رشد تكدّرت نفسه في لحظة لأن معنى كلمتي “تراجيديا”، و”كوميديا” اللتين عثر عليهما قبل سنوات في نصوص إغريقية استغلق عليه. ورغم البحث والتقصي في شأنهما فإن الكلمتين ظلتا غامضتين.

ويرى بورخيس أن فشل ابن رشد في بحثه المضني يعود إلى أنه اعتمد على كتاب مترجم عن ترجمة. ولم يكن هذا الكتاب سوى الترجمة التي أنجزها إسحاق بن حنين لـ”فن الشعر” لأرسطو حيث بدا له أن “التراجيديا” تعني المديح، و”الكوميديا” تعني الهجاء.

وبسبب تلك الترجمة الخاطئة، ضيّع ابن رشد على نفسه، وعلى العرب اكتشاف فن المسرح الذي كان من أهم الفنون في عصر الإغريق.

 كما أن تلك الترجمة الخاطئة منعته من إدراك سرّ لعبة الأطفال الذين أطل عليهم من شرفة بيته. وكان هؤلاء الأطفال يلعبون وهم شبه عراة. وكان أحدهم واقفا على كتفي الآخر، ويتلو لا إله إلاّ الله، محاكيا المؤذن في الصومعة.

وأما الطفل الثالث فقد كان ساجدا، مُجسّدا دور المصلين. وتلك اللعبة كانت شبيهة بالمحاكاة في المسرح إلاّ أن ابن رشد تعامل مع المشهد وكأنه مجرد لعبة من لعب الصبيان.

ويبدو أن بورخيس كان على صواب في ما ذهب إليه إذ إن ذلك الخطأ في ترجمة “تراجيديا”، و”كوميديا”، ظل قائما على مدى قرون طويلة، ظل العرب خلالها غارقين في ظلمات الجهل والانحطاط. وكان عليهم أن ينتظروا النصف الثاني من القرن التاسع عشر، وبداية القرن العشرين لكي يدركوا المعنى الحقيقي للكلمتين آنفتي الذكر، ويشرعوا في ممارسة المسرح ليصبح فنا جماهيريا في جل البلدان العربية.

وعلينا أن نشير إلى أن بورخيس لم يدن الترجمة، بل أدان الأخطاء التي يمكن أن يقع فيها المترجمون، والتي قد تكون مضرة إلى حد كبير.

وصحيح أن إسحاق بن خنين أخطأ في ترجمة “تراجيديا”، و”كوميديا”، ولكن الترجمات التي أنجزها، وأنجزها من كان معه في “بيت الحكمة” ببغداد سمحت للعرب باكتشاف فلاسفة الإغريق، خصوصا أرسطو. فكانت تلك اللحظة التاريخية التي انفتحوا فيها على حضارة اليونان من خلال الترجمة من أكثر اللحظات توهجا وبهاء في تاريخهم.

وعلينا أن نقرّ أيضا بأن الترجمة هي التي ساعدت رموز النهضة العربية في مصر، وفي بلاد الشام، وفي تونس، على فهم الحضارة الغربية الجديدة، وخصائصها، وآدابها، وفنونها، وفلسفاتها.

وتحت تأثير ما ترجم من كتب في مجالات متعددة، ظهر قاصون وروائيون ومسرحيون وموسيقيون وفنانون تشكيليون. وجميع هؤلاء أقروا بفضل الترجمة في ما أبدعوه وأنتجوه.

ولم يكن الدكتور طه حسين ينقطع عن الإشادة بالترجمة. لذا بعث سلسلة “الألف كتاب” التي كانت مهمتها تعريف العرب بحضارات وثقافات العالم القديم والحديث.

وكان نجيب محفوظ دائم الإشادة بالترجمات التي عرفته بروائيين كبار من أمثال البريطاني شارل ديكنز، والفرنسي بالزاك، والروسي دستويفسكي، وغيرهم.

وتحت تأثير الترجمات التي عرفت بشعراء الغرب الكبار، ولدت جميع التيارات التي عرفها الشعر العربي منذ الأربعينات من القرن الماضي، وحتى هذه الساعة. وكان الشاعر التونسي الكبير أبوالقاسم الشابي يعترف بأن صديقه محمد الحليوي الذي كان يتقن اللغة الفرنسية هو الذي ساعده على التحليق عاليا، في حين ظل شعراء زمنه يلوكون البلاغة الصفراء القديمة، وهم غائبون عما يحدث في العالم.

ولا يمكننا أن ننكر بأي حال من الأحوال الدور الكبير الذي لعبه مترجمون مرموقون من أمثال عبدالرحمن بدوي، ولويس عوض، وجبرا إبراهيم جبرا، وإحسان عباس، ومنير بعلبكي، وسامي الدروبي وغيرهم في تحديث الثقافة العربية في مجال النقد، والفلسفة، والآداب والفنون. فقد سمح هؤلاء للقراء

العرب باكتشاف أعمال عظيمة فتحت العقول وأنارتها، وأضاءت الطريق أمام الغارقين في الظلمات، ونشرت مبادئ التسامح بين الشعوب، ونددت بالظلم والاستبداد والتزمت والعنصرية.

واليوم برزت ظاهرة الترجمات التي تنجزها وسائل الاتصال الحديثة. ولكني أرى أن مثل هذه الترجمات التي غالبا ما تكون خاطئة، هي في الحقيقة عملية خاسرة إذ إن الترجمة إبداع أو لا تكون. فإن غاب عنها الذي يمارسها بدقة واتقان، وبحب للغته وللغة الآخر، فسدت، وباتت تشويها للغة، ومجرد لعب عبثي مهين.

15