"بس يا بحر" فيلم كويتي يدهش العالم منذ خمسين عاما

العمل السينمائي يمتاز بشاعرية آسرة وتقنية إخراجية تسبق عصرها.
السبت 2019/08/24
الكويت.. البحر قبل النفط

“بس يا بحر” شريط، ما زال عالقا في ذاكرة عشاق الفن السابع، أنتج عام 1972، وهو كويتي ترشح للمنافسة ضمن فئة أفضل فيلم أجنبي في الدورة الخامسة والأربعين لجوائز الأوسكار، ونال إعجاب من كان يظن من النقاد أن السينما دخيلة على الخليج العربي، وتتلمس وجودها الآن باحتشام، بعد الطفرة النفطية وبوادر الانفتاح الثقافي والاجتماعي. حياة صيادي اللؤلؤ، هي الثيمة الأساسية التي يمكن أن يؤسس عليها أي عمل فني خليجي، يروم التأصيل لثقافة المنطقة بغية القول “إننا لسنا كائنات بترولية”. الشريط واحد من الأعمال النادرة التي قالت “بس” للقراءات السطحية قبل ظهور البترول، وما زالت تذكّر جمهور السينما بأن الخليج يعج بحكايات لأناس أودعوا سرهم للبحر وحده كفضاء للعيش والأمل والخيبات، ويذكر بروائع أدب إرنست هيمنغواي، ونيكوس كازنتازاكي، وكذلك حنا مينة، في مقارباته بين البحر وأمزجة شخصياته.

مئة دقيقة تحبس الأنفاس في فيلم “بس يا بحر”، كتبها عبدالرحمن الصالح، وأخرجها خالد الصديق، ومثل فيها كل من محمد المنصور (في دور صياد لؤلؤ اسمه مساعد) وأمل باقر (في دور محبوبة مساعد نورا).

إضافة إلى مجموعة أخرى من الممثلين من الكويت التي كانت سباقة لتأسيس أهم معاهد الفنون الدرامية في المنطقة، واستقدمت كبار المخرجين والمدرسين العرب في مرحلة مبكرة، تحسدها عليها دول الجوار.

قصة الفيلم تعطي الانطباع منذ البدايات، أن البحر “شخصية أساسية” من صناع الحدث في الحكاية، ذلك أنه “كريم ومعطاء”، ويقدّم السمك واللؤلؤ والمتعة وحب الأسئلة.

تحولات درامية مرعبة، تجعل من هذا “الكائن الكحلي الأزرق” يغيّر مزاجه، وينقلب على عشاقه، ويصعب التعامل معه حين يتحول إلى وحش مفترس، وإلى حوت شرس يبتلع من جاءوا يصيدون في قعره فتتحول الأدوار وتتبدّل، يحقد البحر على “مريديه”، ويمتنع عن كشف أسراره، ويبدأ بالتهام أبنائه دون سبب واضح.

ما أراد أن يقوله الشريط هو أن الاقتراب من البحر -لدى الغواصين في بحر الكويت- له أسراره وطقوسه لدى عتاة البحارة، و”محترفي الحوار” معه. إنه وحش وديع وصديق شرس فما أغرب أن تصادق وحشا لأجل العيش، ولكن، ليس من صداقته بدّ؟ وما معنى أن تغمض عينيك وتحبس أنفاسك، ولا تبالي بالذي سوف يأتي من بحر قد يكون أنيسا أو غدارا. كل ذلك لأجل اللؤلؤ في بعديه الواقعي والرمزي، ومن أجل التعايش مع هذا الجار المزمن.

المقاربة بين البحر وعشاقه في هذا الفيلم الكويتي الآسر، تتجلى في تلك الحوارية المرعبة بين اليابسة والماء، بين ما يجري في أعماق الماء، وما يجري في أعماق النفس البشرية.

ومثل الإبحار في يمّ غير محمود العواقب، يحاول “أبوأحمد” أن يجبر ابنته على زواج لا تشتهيه، وتبحر الفتاة المقهورة مثل مركب لا يعلم وجهته بعد قهر وتعنيف، وكثير من الترهيب.

تقنية الكتابة التي ميزت هذا الفيلم، جاءت بلغة مشهدية عالية، ورشاقة في الحوار تقترب من الشاعرية، دون أن تهمل تلك العفوية والتلقائية أو تسقط في الافتعال والتصنع

تمتد عملية المزاوجة بين البحر واليابسة في كون الزواج بالإكراه يشبه التجديف عكس التيار، والبحر هنا، هو سيد الموقف في شريط يقول “لا” فما أصعب أن يقول عربي “لا” في بداية سبعينات القرن الماضي، وما أقوى وأخطر كلمة “لا” في تلك المرحلة.

مضى الفيلم الكويتي الغاضب في ملامسة قضايا شبه محظورة، إلى حد اتهامه بالجرأة الزائدة على اللزوم، ذلك أنه طرح موضوعا في غاية الحساسية داخل مجتمع محافظ، وضمن شعاب درامية، يصعب أن تُقرأ بسهولة أو براءة داخل مجموعة عربية تحكمها تقاليد صارمة.

ليس سهلا أن تقول “بس” في بدايات سبعينات القرن الماضي لبحر من التناقضات والأوجاع، والأحلام المستباحة. هذا ما قاله فيلم “بس يا بحر” الذي يمثل صرخة بحّار غاضب يجدف عكس التيار.

في الشريط هناك حكاية تجر خلفها حكاية، وتخفيها في جوفها، تماما مثل عالم اللؤلؤ والمحار، وذلك في طقوس يكتنفها الغموض كما في مشهد القطة التي ترمى في البحر، وهي عادة موغلة في القدم لدى بحارة الخليج، وتكتنز في رمزيتها ألغازا تساعد المتفرج على فك عقد الحكاية بشيء من الغموض الممتع، ولعلها نوع من المزاوجة بين القطة التي لا تتقن السباحة، والفتاة المكرهة على الزواج ممن لا تحبه في قصة الفيلم.

وُصف الفيلم بأنه”مربك”، يقترب منا جميعا، ويمحو الفارق بين اليابسة والبحر، ويقول ما تقوله السفن المتهالكة وأنفاس الغواصين قبل الثروة النفطية. إنه صرخة ملحمية تشبه الشعر، وتؤسس للسينما الخليجية بامتياز.

تتمثل فرادة الفيلم في كونه يقترب من الوجدان العربي إلى حد الوجع، يقول ما لا يجرؤ أحد على قوله. خليجي إلى حد النخاع وعربي إلى حد الغوص في هذه الذاكرة المتخمة بالجراح، وهو صرخة حب واحتجاج في حسها الإنساني المرهف.

من من العرب لا يتذكر هذا الشريط الذي أبكى وأدهش الكثير دون ميلودرامية مفرطة بل بأسلوب واقعي، عبرت عنه طريقة تصوير كانت رائدة وسباقة في تلك الفترة. كاميرا شبه عائمة، تطفو وتغوص ضمن تقنية لم تكن متوقعة أو متاحة للجميع في سبعينات القرن الماضي.

أيقونة السينما الخليجية

Thumbnail

قال عنه الناقد السينمائي أحمد خليل “فيلم عظيم أسس له الكويتيون، وظل أيقونة في ذاكرة الشعوب”، مضيفا أنه “فيلم الهوامش والمساحات القصيرة.. فيلم الذين يعتقدون أن وراء هذه الحياة حياة تليق بأرواحهم التواقة إلى المغامرة”.

يحس المتفرج أنه ليس إزاء فيلم روائي عادي الكتابة وتقليدي الإخراج، بل إنه استثنائي في التمثيل والتصوير وزوايا الطرح والمعالجة، والأكثر إدهاشا من كل هذا أنه أنجز في بدايات السبعينات من القرن الماضي.

الجوائز التي نالها الفيلم:

حصل على تسع جوائز على مستوى العالم ومن ضمنها:

  •  الجائزة الأولى، مهرجان دمشق السينمائي، 1972.
  •  جائزة الشرف، مهرجان طهران الدولي، 1972.
  •  جائزة النقاد الدوليين، مهرجان فينيسيا الدولي، 1972.
  •  جائزة الاختيار “الأسد الفضي”، مهرجان فينيسيا الدولي، 1972.
  •  جائزة “هوغو الفضي”، مهرجان شيكاغو العالمي، 1972. ويعتبر أول فيلم على مستوى العالم يحصل على هذا الكم من الجوائز، والجدير بالذكر أنه بعد مرور ما يقارب نصف القرن، ما زال يعرض ويتم تكريم القائمين عليه ما بين فترة وأخرى. وتحدث المؤرخ سيف مرزوق الشملان، في كتابه عن فيلم “بس يا بحر”، قائلا “هو أول فيلم في تاريخ الكويت تم إنتاجه وعرضه في الكويت، وتدور أحداثه عن الغوص، وتم عرضه في دور السينما في الكويت ودول المنطقة، وحاز الفيلم على جوائز عديدة”.

يرى نقاد ومتابعون أن هذا العمل السينمائي المتميز ليس غريبا عن المخرج الكويتي، خالد الصدّيق، صانع الفيلم، وهو الذي تلقى تعليمه الثانوي بالهند، وفي هذه الأثناء تدرب في التصوير السينمائي ببومباي، ثم واصل دراساته وتدريباته السينمائية في الولايات المتحدة، وإنكلترا وإيطاليا، وحصل على درجة الزمالة من جامعة سانت ماري، وذلك لإسهاماته البارزة، وقام بتمويل وإنتاج وإخراج العديد من الأفلام الروائية الطويلة والأفلام القصيرة، كما أعد عدة سيناريوهات بالعربية والإنكليزية.

عنوان الفيلم يوحي بشاعرية هائلة، ويذكّر بقدرة على العنفوان. ألا توجد صرخة غضب في وجه البحر أبلغ من كلمة “بس يا بحر”؟

فيلم يتذكره كل الذين أحبوا السينما العربية وراهنوا عليها، شدوا الرحال إليها، وآمنوا بأن على هذه الحياة “حياة أجمل” في هذه البقعة الضيقة من العالم. تلك هي وظيفة السينما، وبشهادة من كبار عشاقها ومحترفيها.

وفي هذا الصدد يقول المخرج خالد الصديق عن فيلمه إنه “تعبير عن فترة الجنون والغيبوبة، حتى أن المشاهد المصورة تحت الماء أحدثت خوفاً وقلقاً في نفس مؤلف الفيلم عبدالرحمن الصالح، الذي ظل يتساءل عن كيفية كتابة عمل تجري أحداثه تحت الماء، وكيفية تنفيذ تلك المشاهد. ثم يضيف الصديق “وكانت مشكلتي الأساسية مع المؤلف هي إقناعه بأن يكتب ما يدور في خياله، ويترك مسؤولية التنفيذ لي، وكان يشاركني في إقناعه مدير التصوير توفيق الأمير”.

إنه فيلم “الغوص بالذات وفي الذات” كما يقول أحد النقاد المعجبين بهذا الشريط الآسر، والذي يشكل علامة فارقة في تاريخ السينما الخليجية، والعربية عموما.

الفيلم حُظي بتكريمات عديدة، ما زالت تحفظها ذاكرة كل من عمل فيه، فهذا الفنان سعد الفرج، يقول في إحدى شهاداته “بعد العرض الأول سافرت إلى الولايات المتحدة لمتابعة دراستي هناك، وفي قاعة الدراسة أخبرت أستاذ المادة بأنني أشارك في فيلم يعرض حاليا في الكويت، فأخبر الطلبة وقال إن معنا هنا في القاعة نجم سينمائي من الكويت، إنه سعد الفرج، وطلب من الطلبة أن يصفقوا لي لأنني هنا وفيلمي يعرض في الكويت”.

أما الممثل محمد المنصور فيتذكر قائلا “كانت والدتي ضمن الحضور في افتتاح الفيلم، وكنت أمسك يدها لكي أجلسها في المقعد المخصص لها، فهمست لها في أذنها وهي تجلس وقلت لها يا أمي في نهاية الفيلم سأموت فلا تبكي علي فهذا فيلم وليس حقيقة، ولكنها لم تتمالك نفسها وهي تراني أمامها فبكت وأبكت من حولها، وعندما سألتها قالت بكيت من أجلك ولأنني تذكرت حياتنا القديمة فأبكتني معها”.

كتابة مشهدية عالية

سر تميز هذا العمل السينمائي وتفرده هو أن كاتبه عبدالرحمن الصالح، قد استلهم القصة وحوارات الفيلم من وحي التجربة الحياتية والمهنية التي عاشها والده الذي كان في الأصل بحاراً، وكذلك من وحي الحكايات والقصص التي خبرها البحارة الكويتيون القدامى أثناء رحلاتهم الطويلة بحثاً عن اللؤلؤ. وجاء الفيلم معبراً عن هذه الدراما الإنسانية والنفسية وسط الواقع الاجتماعي الصعب في تلك الأزمنة، واقع راهن على الخصوصية المكانية والمعرفية والتراثية المتقاطعة مع طبيعة البحر، وما يتضمنه من ملحمة صارخة بين ضفتي الميلاد والفناء، والفقر والغنى، والموت والحياة.

تقنية الكتابة التي ميزت هذا الفيلم، جاءت بلغة مشهدية عالية، ورشاقة في الحوار تقترب من الشاعرية، دون أن تهمل تلك العفوية والتلقائية أو تسقط في الافتعال والتصنع، كما يدل مشهد الافتتاح في هذا الشريط، وبلهجة كويتية أصيلة ومميزة:

لقطة عامة للبحر تظهر فيها مجموعة من الصيادين وهم يغزلون شباكهم على الساحل وأصوات تلاطم الأمواج طاغية على المشهد.

أحد الصيادين (أبوإبراهيم) موجهاً كلامه لرفيقه (أبومساعد) الجالس بعيداً عن الصيادين: أنت ما تقولي إش قاعد تتطالع؟

البحر من أمامكم
البحر من أمامكم

يرد رفيقه (أبومساعد) -الفنان سعد الفرج- وعليه ملامح حزن: اللي أطالعه ما تشوفه إنت.

أبوإبراهيم: عيزت وأنا أطالع، ماني شايف شي.

أبومساعد: يا أبوإبراهيم أنا أطالع هاي المويه، شوفها كيف تبتسم لي لأني عارف أسرارها وخفاياها.

أبوإبراهيم مستغرباً: هاه؟

أبومساعد : قصدي إن ورا كل ها السكوت والابتسامة في طمع وبخل وعناد.

أبوإبراهيم: بس يا بومساعد، البحر كل أهل الكويت عايشين من وراه، إنت وأنا وغيري وغيرك، والبحر كريم.

أبومساعد (وملامح الانكسار بادية عليه): كريم للضعيف والصبور، انت تنتظر ساعات وساعات بشبكتك هاذي، يا الله تعطيك سمجة ولا اسمجتين، أما الناس اللي مثلي، اللي يلقط وياخذ بيده اللي يبي، يعانده البحر ويصارعه ويحطمه، حتى ما يخذ منه كل شي.

تظهر “تيترات” الفيلم وأسماء المشاركين فيه من ممثلين وتقنيين مع صوت إيقاعات بحرية متواصلة.

أما مخرج الفيلم ومنتجه خالد الصديق، فيشرح ظروف إنتاج الفيلم في إحدى المقابلات التلفزيونية قائلا “أحببت من خلال هذا الفيلم أن أبين للعالم كفاح الشعب الكويتي والخليجي ضد الطبيعة -والطبيعة في البحر عندنا- لأبين حياتهم (حياة أفراد هذا الشعب) القاسية قبل اكتشاف النفط”. ويستطرد قائلا “ومع أن هذه العملية كان لها نوع من المجازفة، لكن الاتفاق والحماس وجنون السينما أيام الشباب جعلتني أنسى كل هذه الجوانب الخطرة”.

ويضيف المخرج “أظن أن بالإمكان اعتباره صالحا كمرجع سينمائي لدراسة أنثروبولوجية لبيئة الكويت قبل النفط، وأظن أن الفيلم هو المادة الوحيدة المرئية الموجودة في العالم عن الكويت قبل اكتشاف البترول”، متابعا أنه “يعرض جميع الجوانب الحياتية قبل دخول عامل النفط بما في ذلك الجوانب الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والبيئية”.

16