بشاير العبدالله: في الشعر أبحث عن هويتي المفقودة

الأجيال الشعرية الجديدة التي تتقدّم بخطوات واثقة على المسرح الثقافي في الكويت تثبت يوما بعد يوم قدرتها على تجاوز آبائها وصناعة نصها الخاص دون الحاجة إلى مقاضاة الماضي أو الثبات عند أدواته. وبشاير العبدالله إحدى الشاعرات الخليجيات التي كتبت بصمت لتوقظ كائن الشعر دون ضجيج. “العرب” التقتها للحوار معها حول تجربتها وحول بعض القضايا والهموم الثقافية الأخرى.
الاثنين 2016/01/11
معاناة القمع والرفض

أصدرت الشاعرة الكويتية بشاير العبدالله العام الماضي عبر دار مسعى البحرينية مجموعتها الشعرية الأولى حاملة عنوان “تمشي على استحياء”، لتضع نفسها بجدارة بين مجاميع كويتية وخليجية وعربية عرفت كيف تشق طريقها للقارئ عبر نص مختلف مسكون بالتأمل الوجودي الدائم للعالم ولخذلانه ولروحانيته ولمخاوفه. وتعمل حاليا على مشروعها الثاني الذي فضّلت ألا تتكلم عنه إلى حين إصداره، لكنها تأمل أن يكون نصا شعريا حداثيا غير مألوف.

الكتابة للحرية

تقول بشاير العبدالله: في البداية لم أكتب قصائدي كمجموعة متكاملة لنية النشر الورقي، ولم تكن الفكرة قيد التنفيذ رغم أنها كانت على قيد حلم أسعى إليه يوما. الفكرة تبلورت حين أتيحت لي فرصة التعاون مع دار مسعى بمساعدة بعض الأصدقاء الذين آمنوا بقلمي، فكانت مجموعتي ضمن مشروع صندوق علي الصافي رحمه الله في سنته الأولى والذي قام به أصدقاؤه في دار مسعى تخليدا لذكراه ووفاء لشاعر رحل مبكرا، وتشجيعا منهم للأقلام المبدعة الشبابية.

تمرّ الكويت خلال السنوات القليلة الماضية برقابة إعلامية صارمة منعت ومازالت تمنع الكثير من الكتب سواء في النشر الداخلي أو في الفسح الإعلامي لمعرض الكويت الدولي للكتاب، الأمر الذي يجعل المبدع في حالة قلق حيال منجزه الثقافي الذي سيكون دائما تحت مصير مزاج الرقيب المجهول.

وشاعرتنا العبدالله كانت شجاعة في التعبير عن نفسها مجازيا دون النظر إلى مقص الرقيب الذي يتمتع بسلطته الاجتماعية والسياسية والدينية المتسيّدة. وترى العبدالله بأن “الرقابة الآن متسيّدة في تأطير كل ما يُكتب خارجا عن التابوات الخانقة للإبداع والتي تحصر الأفكار في فكرة واحدة محددة، وهي محاربة وحصر التجديد في الممنوع والحرام والـ“لا يجوز”.
عموما أحب الإسقاطات والرمزية في الكتابة أشعر أنني معها أتخفف من كل قيد قد يحصرني في تفكير القارئ عمّا أعنيه وما أرمي إليه في مقصدي من هذا وذاك. نحن نكتب الشعر كي نشعر بالحرية لا أن يطالنا مقص رقيب أو عقليات متحجرة تضيق الخناق على الشاعر وتحد من إبداعه. أحب أن أفتح مجال احتمالات المعنى عند القارئ”.

بشاير العبدالله من مواليد الكويت البدون سنة 1980، وجدت نفسها بلا حقوق وسط عالم شرس لا تمكن مواجهته إلا بالقوة، فقررت أن تجعل من الكتابة سلاحها الذي تواجه به الحياة، متخذة من الشعر ملاذا آمنا لرسم معالم الهوية الحقيقية لإنسانيتها الشاهقة.

الرقابة في الكويت الآن متسيدة في تأطير كل ما يكتب خارجا عن التابوات الخانقة للإبداع والتي تحصر الأفكار

الكلمة لا تسجن

تقول بشاير: البيئة التي عاش بها البدون بيئة صعبة جدا، أظهرت طاقات شبابية ولدت من رحم المعاناة، وليست كأي معاناة. معاناة إثبات الانتماء. ورغم ذلك أبدعوا وحاولوا تجاوز صعوبات الحياة من تكميم أفواه وتضييق سبل الحياة الكريمة.

الكويتيون البدون أثبتوا أن الكلمة سلاح خفي وشرس لمواجهة الظلم ولو بشكل موارب لكلمة “لا”، أو “نحن هنا على قيد حياة” داخل مجتمع هم جزء منه، بل ويعبر عنه ويتحدث باسمه. هناك نماذج مشرفة كثيرة أبدعت وتجاوزت مفهوم الوطنية المؤدلج والمحصور في ورقة. حتى باتوا رغما عن كل شيء واجهة مشرفة بشهادة الوطن.
تجد معاناة البدون حاضرة في إصداراته كمحاولة لتجاوز الممنوع والمحظور في الحياة الواقعية وإن كانت بشكل خجول بعض الشيء. ورغم الخوف من المحاسبة فإن الكلمة لا تسجن ولا تقيد وهي كل ما يملكه المثقف من البدون في الكويت”.

وعن نظرتها إلى الأجيال الثقافية الكويتية السابقة عليها تعلق العبدالله: الأجيال التي سبقتنا كانت لها حرية أكبر في التعبير وطرق أصعب في النشر، حاليا، ونحن نعيش مرحلة الانفتاح والسهولة في نشر ما يودّ الكاتب الجيد والسيء على حد سواء إيصاله إلى كل مكان في العالم دون الحاجة إلى البحث عن وسيلة لإيصال ما يكتبه في ظل برامج التواصل الاجتماعي.

نص مسكون بالتأمل الوجودي الدائم للعالم ولخذلانه ولروحانيته ولمخاوفه
ومع ذلك أجد أن سقف الحرية في التعبير قد قلّ عما كان عليه عند الأجيال التي سبقتنا، كذلك أصبحت سهولة النشر ترادفها سهولة في خلق نص شعري أو روائي، فالسيء يطغى وما نراه من انتشار كتّاب العاميّة يترجم حقيقة ما يطرح الآن في الساحة الثقافية الكويتية على وجه الخصوص.

وتتابع العبدالله متحدثة عن أسئلة جيلها وقلقه: أسئلتنا هي الأسئلة التي تمنح العالم إجابات بمساحات كبيرة تسع لأجيال أخرى أن تتحدث عن نفسها بشفافية دون مواربة أو خوف من رقابة أو محاسبة من مجتمع لم يفتح المجال للطاقات الشبابية في تكوين هويتها الثقافية والأدبية معبرة بشكل أو بآخر عن جيلها، فلكل جيل طابع خاص وتأثيرات سياسية واجتماعية تحدد أحيانا شكل الشعر وثقافة الشعراء، أن يكون الشاعر صورة لهوية مجتمعه وليس منعتقا عنه خائفا من نظرته إليه. لربما كان الشعر أجمل لو كان القراء أكثر تفتحا وانسجاما.

الحداثة ليست شكلية

ترى بشاير أن الحداثة ليست شكلاً نصياً، هي فكرة توثق هوية شاعر يحاول جاهداً أن يرسم عالمه بقصيدة تتجاوز العادة وتمنح القارئ شيئاً غير مألوف وغير مستهلك. تقول: حاولتُ أن أذهب إلى أقصى الاحتمالات الممكنة للإطاحة بالشكل والمعنى التقليدي للقصيدة، حين نقفز متجاوزين الشكل التقليدي للقصيدة لا يكفي أن نكتب نصا خارجا عنه شكلا، بل متجاوزا له مفهوما ومعنى، ومتخففا من الإيقاع، متعمقاً في المعنى والإسقاط له.

وعن الربيع العربي وانعكاساته على فضاءات المرأة العربية ومساحات حريتها الاجتماعية والثقافية.

تحدثنا ضيفتنا قائلة: الربيع العربي أتى محملا بتغيرات كثيرة جذرية وجديدة على العالم العربي تسيدت معه ثقافة وهموم الإنسان البسيط مسلطا الضوء نحوه بعد أن كانت الساحة الثقافية مقتصرة على النخبة تقريبا، وبالرغم من جمالية هذا الشيء إلا أنه أدى كذلك إلى حضور السلبيات المصاحبة لإيجابيات التحولات الثقافية في الساحة العربية بشكل عام وهي في استسهال الكتابة وتبسيطها بشكل مبالغ فيه.

فالكل أصبح يكتب وينشر، لا أظن أن مشكلة المرأة في الثقافة مشكلة مؤرقة فمفهوم الاقتصار على جسد المرأة والنظر إليها على أنها ناقصة دينا وعقلا قد تجاوزه المجتمع بشكل لا بأس به عن السنوات الماضية، وهناك من النساء القادرات على تغيير خارطة مفاهيم عقلية الرجل الشرقي والخروج بنفسها عن تفاصيل الجسد إلى العقل وحده.

14