بشرى بلحاج حميدة: عقلية الانتقام سبب تعثر العدالة الانتقالية في تونس

الحقوقية التونسية بشرى بلحاج حميدة تدعو الأحزاب والنواب إلى سد الشغور داخل هيئة الحقيقة والكرامة وصياغة مشروع قانون تكمل به مسار المصالحة.
الجمعة 2018/03/30
عقلية الانتقام سبب تعثر العدالة الانتقالية في تونس

تونس - صبيحة 14 يناير 2011، لم يكن أحد من تلك المجموعة الصغيرة المتواجدة في شارع الحبيب بورقيبة يعلم أنه بعد سويعات سينتقلون من حال إلى آخر، وأن هذه المجموعة الصغيرة ستتحول إلى كتلة ضخمة من التونسيين. لحظات قليلة فصلت بين القمع والحرية. كلما علا صوت تلك المجموعة الصغيرة كان هناك صوت يصعد شيئا فشيئا داخل بقية التونسيين إلى أن انفجر البركان أخيرا، وسقط نظام زين العابدين بن علي بعد 24 سنة من الحكم بقبضة من حديد.

اليوم، يقف التونسيون، بعد ثماني سنوات، على تلك الذكرى، بعضهم دفعه غلاء المعيشة والمشهد السياسي المضطرب والقلق من الإرهاب إلى التحسر على الماضي رغم سلبياته، وكثيرون يتطلعون إلى انتهاء المرحلة الانتقالية والمرور إلى مرحلة الاستقرار، والاستفادة قدر الإمكان من الفرص المتاحة لبناء الحريات العامة والفردية والحفاظ على مكتسبات سابقة خاصة في مجال حقوق المرأة.

ومن الشخصيات النسائية التي تخوض معركة الحريات منذ زمن بن علي، بشرى بلحاج حميدة، المحامية والناشطة الحقوقية، التي تترأس لجنة الدفاع عن الحريات الفردية والمساواة في مجلس نواب الشعب (البرلمان). التقت “العرب” بها مؤخرا للحديث عن الجدل الدائر في تونس حول مشاريع قوانين مثل قانون المساواة في الميراث وحقوق أخرى للمرأة والأسرة في تونس، وإلى أين يمضي مسار العدالة الانتقالية في البلاد، في ظل ما نشهده تونس من حالة استقطاب سياسي حادة ومقلقة.

تونس تراهن على تحقيق تقدم في مجال الحريات الفردية والعامة. ورغم التجاذب السياسي الذي طغى على المشهد منذ السنة الأولى لتغيير نظام زين العابدين بن علي، إلا أن هناك شبه إجماع على ضرورة تحقيق تقدم ملموس في الشأن الحقوقي، وهو ما أقرته الناشطة الحقوقية والنائبة في مجلس نواب الشعب (البرلمان) بشرى بلحاج حميدة، مشيرة في لقاء مع “العرب” إلى أن الحريات العامة شهدت تطورات هامة مقارنة بزمن بن علي، لكنها تقول في المقابل إنه تم تسجيل انتكاسة في مجال الحريات الفردية. ودعت إلى تأسيس مسار جديد تكمل به البلاد مهمة وأهداف العدالة الانتقالية

العدالة الانتقالية

خلقت مبادرة المساواة في الإرث، منذ أن أعلن عنها الرئيس التونسي الباجي قايد السبسي في صيف 2017، نقاشا فكريا وحقوقيا وقانونيا ودينيا وجدالا شعبيا، بين من رأى أنها مسألة أثيرت لأهداف انتخابية مع اقتراب الانتخابات المحلية المزمع إجراؤها في مايو 2018 وبين من يرفض التشكيك في نوايا الرئيس التونسي، سليل المدرسة البورقيبية، الرائدة في مجال حقوق المرأة والأسرة.

وتؤيد بشرى بلحاج حميدة التوجه الثاني، وترفض تصنيف مبادرة المساواة في الإرث في خانة التوظيف السياسي في إطار السباق الانتخابي المحلي المرتقب. وتؤكد أن طرح هذه المسألة يأتي في إطار جهود الدولة لتركيز مدنيتها. وترى أن التقييم يجب أن يكون من خلال “ما إذا كانت مثل هذه المسألة ستحقق تقدما للبلاد أم لا، وإلى أي مدى يمكن أن تساهم في رفع راية تونس في الخارج، وهل ستحسّن وضع التونسيين أم لا؟”.

وتؤكد رئيسة لجنة الحريات الفردية، التي تهتم بهذه القضية والتي أرجأت النقاش فيها إلى شهر يونيو القادم، أن “المساواة في الإرث تحسن وضع العديد من النساء خاصة من يهضم حقهن من قبل عائلاتهن”. وتقول مشددة “لا يهم من سيربح سياسيا بقدر ما يهمني ماذا سيربح المجتمع وفي معركة المساواة في الإرث المجتمع هو الرابح”.

وتعتبر أن “الرئيس التونسي فتح نقاشا حضاريا وحوارا مجتمعيا في مجال الحريات الفردية.. والبلاد التي أسست لمجلة الأحوال الشخصية، المتفردة في العالم العربي، وحتى على مستوى العالم، وأصدرت قوانين تحمي النساء من العنف لا بد أن تخوض في مثل مسائل الجدلية، على غرار مسألة المساواة في الإرث”.

وتضيف “قضية كالمساواة في الإرث إذا تهربنا منها اليوم فإننا سنخوضها في سنوات قادمة وسيكون التوقيت آنذاك متأخرا وستطول قائمة الضحايا أكثر وأكثر”. وتؤكد أن “الجدل سينتهي بإقرار المساواة، إن عاجلا أو آجلا.. وأن كل مكسب للمرأة التونسية هو مكسب للمجتمع في نفس الوقت”.

الجدل حول قضية المساواة في الإرث، ليس الوحيد الذي يحوز على اهتمام الشارع التونسي بكل أطيافه وتفرعاته، بل هناك جدل آخر طغى على الساحة في الأيام الأخيرة، وكشف عن مشاهد لم يتعود عليها التونسيون، وتحديدا حالة الفوضى التي وصلت حد التشابك والعراك تحت قبة البرلمان.

وكان السبب وراء هذا الوضع الذي استهجنه التونسيون، التباين حول التمديد في مهام هيئة الحقيقة والكرامة الموكل إليها ملف العدالة الانتقالية. واعتبر الشارع التونسي أن ما حدث بين نواب الشعب لا يمثلهم بغض النظر عما إن كانوا يؤيدون رئيسة هيئة الحقيقة والكرامة سهام بن سدرين، أو لا يتوافقون معها.

وصوّت البرلمان على عدم التمديد لهيئة الحقيقة والكرامة المكلفة بكشف حقيقة انتهاكات حقوق الإنسان في البلاد بين 1955 و2013 ومحاسبة المسؤولين عنها.

وأثار هذا التصويت جدلا حول قانونيته ومصير الهيئة التي بدأت مهامها قبل أربع سنوات ويفترض أن تنهي أعمالها رسميا مع نهاية شهر مايو القادم، دون اعتبار التمديد لمدة عام آخر. وردت الهيئة على هذا التصويت بخطوة تصعيدية تتحدى فيها قرار البرلمان بتعهدها باستكمال مهامها.

وتنطلق بشرى بلحاج حميدة في قراءتها لهذا الجدل متسائلة “الهيئة تقول إنها بحاجة إلى التمديد 6 أشهر إضافية لكن هل ستستطيع في هذه الفترة القصيرة تحقيق ما عجزت عنه في مدتها القانونية السابقة؟“.

وتتابع قائلة “على مدى السنوات الأربع الماضية لم تعمل الهيئة إلا على تقوية قدرتها للنفاذ إلى بعض الملفات” الحساسة والتي اعتبر البعض أن الهيئة تلاعبت بها.

ويدور الخلاف بشكل أساسي حول منهجية عمل الهيئة، وتعرضها إلى مسائل حساسة وخلافية في تاريخ البلاد الحديث. وتتهم بالفشل في تنظيم مسار العدالة الانتقالية لانحرافها عن المصداقية في التقصي والبحث عن الحقائق وبأنها خذلت ضحايا الانتهاكات الذين لم يصنفهم القانون والتاريخ بعد. وتشير بشرى بلحاج حميدة إلى أن “الهيئة التي تعنى بـ63 ألف ملف للضحايا تجاوزت نطاق صلاحيتها عندما طرحت موضوع الاستقلال باعتبار أنه ليس من مهامها وما ذكرته للرأي العام عن هذه المسألة يعد مخالفا للقانون”.

لا يمكن فسخ الماضي من الذاكرة الوطنية
لا يمكن فسخ الماضي من الذاكرة الوطنية 

وبقدر هذه المآخذ على أداء الهيئة إلا أن بلحاج حميدة تؤكد دعمها لمسار العدالة الانتقالية ورفضها “التفويت فيها” على الرغم من احترازها على القانون، لكنها لا تقبل “شخصنة” مسار العدالة الانتقالية بسبب توجيه التهم بصفة مباشرة إلى رئيسة الهيئة سهام بن سدرين.

 وتلفت إلى أنه “على رغم ما عاشته تونس في الأيام الأولى بعد ثورة يناير من حالة تضامن بين مختلف مكونات المجتمع، عاد مؤخرا منطق الكراهية والإقصاء والحقد ورفض الآخر”.

وترجع ذلك إلى أن “المجتمع لم يعترف بعد بأخطائه وأخطاء الآخر، إذ أن المنظومة القديمة والمنظومة الجديدة لم تتصالحا كما لم تقبل بعضها البعض”.

وفي معرض تقييمها لأربع سنوات من تركيز العدالة الانتقالية، من خلال عمل هيئة الحقيقة والكرامة ترى بلحاج حميدة أن “البلاد لم تحقق تقدما في ملف المصالحة بمعنى إجماع كل التونسيين على طي صفحة الماضي، وفق مبدأ تجربة نستفيد منها ولن تتكرر”.

وتعبر الحقوقية التونسية المخضرمة عن أسفها “لتعثر مسار العدالة الانتقالية في تونس“، داعية “الأحزاب والنواب إلى سد الشغور داخل هيئة الحقيقة والكرامة وصياغة مشروع قانون تكمل به هذا المسار من خلال تحقيق مصالحة كاملة وشاملة“.

وتفسر ذلك بقولها إن “الهيئة أضاعت فرصة لخلق سند مجتمعي كبير لها ومن طرف النخب السياسية حيث لم تبق مسنودة إلا من قبل بعض الأحزاب السياسية وهو ما يتعارض مع الشكل الحقيقي للعدالة الانتقالية“.

وتضيف “في الغرب وقعت أخطاء في مسار العدالة الانتقالية وليست هناك أي تجربة مثالية لكن الأهم أن تكون النتيجة النهائية في صالح المجتمع والبلاد والمستقبل”، مشيرة إلى أن أزمة هيئة الحقيقة والكرامة تكمن أساسا في أن “النخبة السياسية في تونس ركزت كل الاهتمام وجهود المعارضة على شخص رئيسة الهيئة سهام بن سدرين“.

بشرى بلحاج حميدة

*إحدى مؤسسات الجمعية التونسية للنساء الديمقراطيات في عام 1989. ترأستها من عام 1994 إلى عام 1998. *التحقت سنة 2011 بحزب التكتل الديمقراطي من أجل العمل والحريات.

* ترشّحت لانتخابات المجلس الوطني التأسيسي التونسي (2014-2011). *استقالت من حزب نداء تونس الذي كانت عضوا في لجنته التنفيذية (2016-2012).

* تشارك بلحاج حميدة في العمل النيابي كنائبة عن قائمة مستقلة.

وتقول بلحاج حميدة “صحيح أن بن سدرين جزء من الأزمة ومن فشل الهيئة في القيام بالدور المنوط بها، لكن مواجهتها لا تكون من خلال خطاب إقصائي وتركيز شخصي، بل من خلال تسليط الضوء على الأخطاء القانونية التي ارتكبتها الهيئة“.

وتوضح قائلة إنه “بدل أن نرد الاعتبار للضحايا ونؤسس لمصالحة، وقع العكس حيث استشرى الإقصاء ونبذ الآخر، وهذه للأسف صورة المجتمع التونسي اليوم”، مؤكدة حاجة البلاد إلى تأسيس إطار قانوني جديد يكمل مسار العدالة الانتقالية ويرد الاعتبار لضحايا الانتهاكات.

وتكشف أن “ما أشعل فتيل الأزمة بين النواب غياب ثقافة النقاش والحوار حيث لم يقع تبادل لوجهات النظر حول دور الهيئة وفهم مسار العدالة الانتقالية وما تحتاجه من تضحيات وتنازلات للتأقلم بين الحاضر والماضي”.

وتقدم مثالا حركة النهضة التي لا ينكر أحد أن لها العديد من الضحايا في ملف الاستبداد، لكنها أضاعت حقها من خلال عقلية انتقامية واستغلالية، عكستها عمليات التشغيل والتعويضات المالية التي صرفت لأتباع النهضة تحت بند ضحايا النظام السابق.

وترى بشرى بلحاج حميدة أن حركة النهضة لم “تحسن التصرف والتعامل مع هذا الملف، حيث أقدمت على صياغة قانون التعويضات في جو سياسي متشنج”، وتشدد على أن الوزر يقع على عاتق الجميع فـ”بقية الأطراف السياسية لم تقم بواجبها أيضا”.

وتوضح “المفارقة عند المقارنة بظروف الصياغة على دستور 2014 نلاحظ الإجماع عليه من مختلف الأطراف التي تجندت لصياغته في حين يغيب ذلك عن مسار العدالة الانتقالية”، مشيرة إلى أن “العدالة الانتقالية مسيسة في البلاد في الوقت الذي يجب أن تكون فيه مسألة حقوقية، مجتمعية”.

الحفاظ على الحريات

عبرت بشرى بلحاج حميدة عن دعمها لإصلاحات رئيس الحكومة يوسف الشاهد ورأت أنها خطوات لم تتجرأ عليها الحكومات المتعاقبة، واستبعدت ما يروج عن إقصائه من الحكم على الأقل قبل الانتخابات المحلية.

وتؤكد أن مجال الحريات العامة حقق تقدما قابلته انتكاسة في مجال الحريات الفردية، مشيرة إلى أن “الاعتداءات على الحريات الفردية بعد الثورة تجاوزت الاعتداءات عليها في حكم بن علي”.

وتقول “الحرية ليست بالمسألة السهلة. نرى اليوم الكثير من التجاوزات خصوصا على مستوى الخطاب، لكن هذا لا يعني أن مناخ الحريات مهدد اليوم بل ما ينقصه هو تطبيق القانون للخروج من حالة الفوضى”.

وتدعو حفاظا على الإصلاحات التي تحققت في مجال الحريات وغيرها من المجالات الأخرى إلى “تطبيق القانون على الجميع الذي يتطلب جرأة من الحكومة”. وتخلص مؤكدة أن “العمل مازال متواصلا في المجال الحقوقي ومازالت الفرصة سانحة لتحقيق تغيير إيجابي”.

12