بشر يعايشون بشرا

السبت 2016/01/09

لئن اعتبرت الثقافة، بأوسع مفاهيمها المتداولة، الإطار الحقيقي لتفاعل العناصر والمكونات التي تصوغ هويّة أيّ شعب أو أمّة من شعوب العالم وأممه، فإنها هي أيضا، وربما هي فحسب، ما يشكّل المجال الحيويّ للتفاعل الإنسانيّ بين شعوب العام وأممه جميعا، وذلك عبر انفتاح كلّ “أنا” على “آخر” سواها، تعارفا ومعرفة، يؤسّسان مجالا تفاعليا، تتخلّق في رحاب صيرورته الدّائمة ومتعدّدة المسارات والسياقات والمستويات الهويّة الوطنية لأيّ شعب في مجرى تخلّق الهويّة الإنسانية الجامعة، وذلك على نحو يليق بالإنسان، ويستجيب لروح البشرية التي تتفتّح وتغتني وتثرى عبر تنوّع الثّقافات وتوالي تجدّدها المتواكب مع تطوّر الحضارة الإنسانية المتشابك، رقيّا وانحدارا، مع تعاقب أحقاب التاريخ في سياقات تتغاير شروطها، وتتبدّل أوضاعها، وذلك على نحو يفضى إلى تعدّد المسارات، وتنوّع أنماط العلاقات مع توالي صيرورتها متعدّدة الأوجه، تفاعلا إيجابيا أو تناقضا سلبيا، يفضيان إلى تباين المآلات، قبولا وتعايشا وتعاونا حواريا خلاقا، أو رفضا وانعزالا وتناقضا صداميّا مهلكا، أو غير ذلك.

وهل ثمّة من مجال حيويّ ثريّ ومؤسّس يتكفّل التّفاعل الإنساني المائر في مداراته الواسعة بإغناء الحياة وتمكين الإنسانية من متابعة سعيها اللاهب إلى إدراك حقيقتها، وتجلية جوهرها، سوى مجال التّفاعل الثقافي المتعدّد الأوجه والنّطاقات، والمتجلّي في إهاب يجمع إنسانية الغايات، ونبل التوجّهات، وسمو المقاصد؟

هنا، في مدارات هذا المجال الحيويّ الخلّاق، تنفتح على بعضها بعضا ثقافات متنوّعة، تتباين أنظمتها الثقافية، وتتمايز رؤاها للعالم، فيما هي تتقاسم المنابع والمقاصد، وذلك في تفاعل يفتح عقول النّاس على عقول النّاس، لتتضافر عقول جميع النّاس في تشكيل العقل الإنساني الكليّ الذي يليق بالإنسانية إذ يجلّي، عبر إعماله في كلّ مجال وحيّز ومسألة يواجهها الإنسان في هذه اللحظة التاريخية أو تلك، لحظة من لحظات تجلّي جوهر الإنسانية في وجود يتيح لها أن تواصل السّعي إلى إدراك لحظة جوهرية أخرى تكون هي الأعلى والأكمل، لأنها هي الأقرب إلى حقيقة الإنسان، والأشدّ ملامسة لأصل جوهر الإنسانية العميق.

وما نحن؛ أهل هذا الكون من البشر، إلا بشر هم “أهل الأروض” وهم، في الوقت نفسه،”أهل السّماوات”؛ اللّهم إلا إذا اعتقد بعض ممن نراه بشرا ونراه منّا، فيما هو لا يرانا بشرا ولا يرانا منه؛ فلا يرى نفسه بعضا منّا، وذلك لأنّ تخييلا جحيميا، خرافيّ المنبع وهميّ الطبيعة، قد أقنع هذا “البعض” أنّه هو وحده، عرقا أو جنسا أو أمّة أو طائفة أو مذهبا أو غير ذلك، بدء البشر وخلاصة الإنسان، فيما لا يعدو الآخرون أو “الأغيار”، الذين يزعمون أنّهم بشر، أن يكونوا إلا محض هياكل فارغة أو أشياء جامدة لا تسكنها روح بشر ولا جوهر إنسان، وما ذلك إلا لأنّهم قد قدّوا، في الأصل، على هيئة بشر وما هم ببشر، وما ذلك إلا بغية أن يليقوا بخدمة الإنسان الجوهري (العنصري اللاإنسانيّ الذي يتصوّر، موهوما، أنّه جوهر الجوهر) الذي يستعبدهم فيشكرونه على قبولهم عبيدا وخدّاما طيّعين، والذي هو وحده وجماعته ساكنة الوهم والمسكونة بالوهم، فحسب، إيّاه.

أليس هذا هو الوهم الجحيميّ، اللاإنسانيّ، الذي شكّل من نفسه وممن اعتنقوه منبعا لكل تفكير عنصريّ استعلائيّ وعنفيّ بغيض سلّط نفسه وكلّ ما أنتجه من أنانيّة وجشع واستكبار واستئثار وتطرّف وعنف وإرهاب على البشرية بأسرها، محيلا جنان الأرض إلى أقبية وقبور ودهاليز جحيم، وقباب السّماوات إلى غمامات دخان أسود ودياميس عتم، لا يقربها نور شمس ولا يبزغ في سوادها الحالك ضوء قمر؟

إننا في البدء والمنتهى بشر. وليس لأيّ من قاطني الأرض من البشر أن يكون إلا إنسانا، إنسانا فحسب، إنسانا يعيش ويتعايش مع إنسان مثله؛ مع إنسان يتقاسم وإيّاه جوهر الهويّة الإنسانية وجميع مكوناتها وفحواها، ويسعى بدأب، وعبر الفعل الابتكاري والتّفاعل الخلّاق مع “آخره” الذي هو في الوقت عينه “أناه المغاير”، إلى أن يحقّق لنفسه، ولجماعته البشرية، وللإنسانية بأسرها، حضورا فاعلا في وجود يتقاسمه جميع البشر: واجبات وجودية وحياتية، وآفاق عيش وتعايش، وحريات وحقوقا، ومساحات أروض وفضاءات سماوات، وتطلّعات وآمال.

فهل ثمّة من طريق أمام البشر، كلّ البشر، إلى العيش في عالم رحب تتجلّى في مدارات أرجائه الشّاسعة هويّة الإنسان في تجلياتها السّاعية صوب أكمل كمال ممكن إلا الثّقافة الإنسانيّة في تعدّد أبعادها القائمة على الحرّية، والمفعمة بروح المحبّة، والتسامح، والتعايش الحرّ، والتفاعل الخلاق المؤسّس على حرية الفكر وحقّ الاختلاف واحترام “الآخرين” بوصفهم “أناءات مغايرة”؟

وهل ثمّة من طريق إلى ذلك أمام البشر إلا أن يعملوا عقولهم، وأن يحكّموا ضمائرهم، مستنيرين في ذلك بما يسكبه جوهر الإنسانية الكامن في أعماقهم من نور يضيء بصائرهم فيلزمهم بالكفّ عن زعم التّفوق، وإعمال التسلّط واستلاب حقوق الآخرين عبر الاستمرار في كتابة حقوق زائفة يزعمونها لأنفسهم فوق حقوق أصلية، راسخة ومتأصّلة، يمتلكها آخرون من أغيار النّاس؟

هل ثمّة من طريق آخر أمام البشر ليدركوا جوهرهم الإنساني، وليمكّنوا الإنسانية من إدراك حقيقتها، إلا السّعي اللاهب إلى أن يكونوا بشرا، بشرا؛ بشرا فحسب؟

ناقد أدبي وكاتب من فلسطين

16