بشير السباعي شاعر ومترجم اختار أن يكون "تروبادور الصمت"

الأحد 2015/07/05
بشير السباعي الذي يؤمن بمصر "مبددة كل يأس وكل أمل"

ذات ظهيرة، قبل أكثر من عشرين سنة، كنت أجلس بتحفظِ ريفيٍ قديم على مقهى” زهرة البستان” بالقاهرة، في قلب عاصمة مخيفة ومتضخمة تستحث خائفا على اختراقها، غير أن ذلك كان حلما ينأى عن قطوف طالما حلمت بأنها باتت بين أصابعي.

كانت جلستي إلى جوار رجل أخشى جديته وضحكته المتحفظة وكلامه المسرف في قلّته، كان يضاعف خوفي وتحفظي أن ميراثا هائلا من المعرفة التي تتوزع بين الشعر والترجمة والتأريخ والنضال يتجسد أمامي في هيئة بشرية، أستطيع، بكل هذا الحذر، الاقتراب منها والتحدث إليها.

اقتربت فعلا فرأيته ودودا باشا، إنه بشير السباعي وثلة من شعراء جيلنا “جيل الثمانينات”، كما يطلق عليه في مصر، يقرأون عليه قصائدهم وسرعان ما شجعني بإيماءة راضية فقرأت مثلهم، كانت تعليقاته تشبهه في ابتسارها وخبرتها وطبقاتها المعرفية، وهو واحد من المعلمين الأوائل لجيلنا، رغم أنه لم يقدّم نفسه أبدا على أنه كذلك.

قرأت قصيدة قصيرة أقول في مطلعها “نحن الذين مع المجد والثمار المغلية نكبر يوما بعد يوم” وبعد أن أثني الرجل علي القصيدة ثناءه الشحيح المتحسب الدقيق، قال لي: عليك بحذف كلمة “المجد”، لم أسأله عن الأسباب ولم أحذف المفردة التي اقترح حذفها وطبعت ديواني “هواء لشجرات العام ” وهي بين ثناياه، لكنني كلما مررت بها تذكرت أنه كان يتوجب عليّ حذفها.

أدركت فيما بعد أسباب بشير السباعي، فهو واحد من أعداء القيم المطلقة، فضلا عن أنه واحد ممن أسهموا في الدفاع المستبسل عن القيم الجمالية الجديدة لقصيدة النثر التي تكره بدورها القيم المطلقة، وتحتقر القضايا الكلية أيضا، المجد هنا شعور استعراضي يعبر عن نوستالجيا ليست في صالح الشعر الجديد، المحتفي بحاضره بأكثر من احتفائه بماضيه، كما أن شاعره أيضا أقل يقينا بنفسه، ومن ثمة فهو أقل خيلاء، إذن ليس ثمة مجد، المجد هنا قطعا يقوم على دماء آخرين.

الشعر أضعف وأنبل من أن يفعل ذلك، بشير يقول ذلك لأنه شاعر قبل كل شيء، شاعر قدم لنا ديوانا مهما ورائدا هو “تروبادور الصمت” قرأناه في منتصف تسعينات القرن الماضي بشغف الأبناء الذين يبحثون عن طوق للنجاة، ولم يكن ذلك هو العلامة الوحيدة علي انحيازات بشير الجمالية، فقد ترجم لنا واحدا من أهم دواوين قصيدة النثر الفرنسية هو “سأم باريس” لشارل بودلير، وكانت تلك الترجمة مطلبا للحركة الشعرية العربية قاطبة، بعد أن شاعت ترجمة ديوان “أزهار الشر” لبودلير، بينما لم ينتبه كثيرون لديوان سأم باريس رغم أصدائه الواسعة في أوروبا، باعتباره ديوانا مؤسسا في تاريخ قصيدة النثر العالمية، كذلك ترجم “بلاء السديم” لمؤسس الحركة السوريالية المصرية جورج حنين.

لم تقتصر معارف بشير على الشعر بل ترجم عشرات الكتب حول أهم وأحدث الأفكار، فقد ترجم لتيموثي ميتشل وحده ثلاثة كتب مهمة هي “استعمار مصر”، و”مصر في الخطاب الأميركي”، و”الدولة والديمقراطية في العالم العربي”، كما ترجم واحدا من أهم كتب تزفيتان تودروف هو “فتح أميركا.. مسألة الآخر”، وترجم أيضا لهنري لورنس أكثر من أربعة أعمال مهمة، منها “الحملة الفرنسية في مصر”، وكتابه عن فرنسا والعالم العربي الذي حمل عنوان “المملكة المستحيلة”، وثمة قائمة طويلة لن يتسع المكان لإحصائها.

السباعي يبقى معلم الأجيال الشعرية الجديدة، والرائد الذي دفع كثيرين لإعادة النظر في موقفهم من الآخر، وزلزل رواسخ الأفكار التي اعتاشت عليها ذاكرتنا الحجرية

مرايا الإنتلجنسيا

لم تخل ترجمات السباعي من توسع وتعميق دائمين لمعارف شتي، هذا بالإضافة إلى كتابه المهم “مرايا الإنتلجنسيا”، وقد رفض بشير الأبوة، لكنه ارتضى أن يكون حارسا من بعيد، ربما كي لا يترك ظلاله الكثيفة على تلامذة يسعون إلى التحرر، كما كان يحلم لهم، فحياته ومواقفه واحدة من أعلى تمثيلات الاستقلال، وكره أن يكون داخل جيتو أو تيار، رفض الأبوة سوى في الحدود التي تسمح له بأن يكون نفسه، كما رفض أيضا التورط في العمل داخل مؤسسات الدولة واحتفظ معها دائما بمسافة آمنة تسمح له بأن يمارس حرية غير منقوصة.

كان موقفه هنا يتميز بدرجة واضحة من النضج والإيجابية، دون مزايدات ودون تورط في أيّ انحيازات، ربما لكل ذلك عندما يُذكر اسم بشير السباعي فثمة منظومة من القيم العلمية والأخلاقية تعود إلى الوجود، فالرجل معلم لعدة أجيال من الشعراء، رائد دفع كثيرين لإعادة النظر في موقفهم من الآخر، زلزل رواسخ الأفكار التي اعتاشت عليها ذاكرتنا الحجرية، عبر عصور من الأحادية، التي تعددت طواطمها وتعاظمت نواهيها يوما إثر يوم، هو شاعر في الأصل لكنه امتهن الترجمة والتأريخ، فقدم للثقافة العربية ما يربو على السبعين كتابا من أخطر وأهم الكتب والمراجع في التاريخ والفلسفة وعلم الاجتماع والسياسة والفنون.

كنا الجيل الذي شهد تراجع مؤسسات الدولة ونكوصها على كافة المستويات، وكانت صعوبات النشر جمة وكاسرة ، والمنابر على ما هي عليه، محصنة بأسماء مجرمين عتاة ينتسبون للنظام السياسي عبر منظومة الفساد الثقافي. وكان الرجل أول من دفع حركة الثقافة المستقلة للتحرر من أسر تلك المؤسسة إلى الإمام، دعمه لم ينقطع، وشجع كافة محاولات الاستقلال منذ صدور مجلة “الكتابة السوداء” التي أصدرتها جماعة أصوات السبعينية وكذلك مجلة “إضاءة” التي حملت اسم الفريق السبعيني المناوئ.

"تروبادور الصمت" ديوان بشير السباعي يأخذ موقعه من وعي الجيل الشعري المصري، مع أنه لم يكن ذلك العلامة الوحيدة على انحيازات السباعي الجمالية، فقد ترجم واحدا من أهم دواوين قصيدة النثر الفرنسية هو "سأم باريس" لشارل بودلير

ثم دعم بكل قوة، وعلى مدار أكثر من عشرين عاما، مجلة “الكتابة الأخرى” التي أصدرها الشاعر هشام قشطة في بداية التسعينات من القرن الماضي بمشاركة أقرانه من شعراء جيل الثمانينات، وهي المجلة التي قدمت جيلين على الأقل من الشعراء والروائيين والباحثين، وكان بشير وراء ملفات شديدة الأهمية أصدرتها المجلة.

كان انفتاح السباعي على الآخر أقدم من تصوراتنا كلها، حيث كان حفيا بحركات التمرد التي قادها فنانون كبار في الثقافة العالمية، فقدم المدرسة السوريالية عبر أنصع نماذجها، حيث ترجم بيانات السوريالية و”بلاء السديم”، لجورج حنين أحد مؤسسي الحركة السوريالية التاريخية في فرنسا التي كان على رأسها الشاعر الفرنسي أندريه بروتون، وكان حنين واحدا من أكبر داعمي حركة السوريالية المصرية، حيث هو من أطلقها بكرّاستين مهمّتين صدرت أولاهما عام 1934 ثم أسس جماعة الفن والحرية التي تجاوزت نشاطاتها الواسعة أزمة المركز الفرنسي للحركة الأم، عقب الحرب العالمية الثانية، وربما كانت العلاقة الوثيقة التي ربطت بين تروتسكي وبروتون، على خلفية احتفاء السوريالية بالاشتراكية الثورية واحدة من الأسباب التي جعلت من بشير السباعي أحد أهم مشايعيها والمحتفين بها.

النبي المسلح

لا أريد التوقف طويلا هنا أمام الانتماء السياسي للسباعي، فهذا ما جر عليه متاعب لا تنتهي، لكنه ظل قويا مقاوما متماسكا ومصارعا لأنواء شتى، لذلك أشعر بحاجة لأن أستعير من “إسحق دويتشر” اسما من أسماء كثيرة أطلقها على تروتسكي، وهو “النبي المسلح” فالسباعي هنا رمز لمثقف محسوب بدرجة ما على جيل السبعينات في مصر ولاقي ما لاقاه هذا الجيل من عنت واستبعاد بسبب نفوره في معظم أطيافه من المؤسسة الرسمية ، غير أن بشير كان أكثر التصاقا بالسياسة في أكثر مفاصلها تشددا وجذرية، حيث كان انتماؤه يتضاعف يوما بعد يوم للاشتراكية الثورية، لذلك كان ولا زال يرفض أيّ تحالفات مع التيارات الإصلاحية، لأنها عادة ما تنتهي بهزيمة اليسار لصالح البرجوازية والقوى المعادية للشعب.

ترجمات السباعي لا تخلو من توسع وتعميق دائمين لمعارف شتى، وبالإضافة إلى كتابه المهم "مرايا الإنتلجنسيا"، فقد رفض بشير الأبوة ، لكنه ارتضى أن يكون حارسا من بعيد، ربما كي لا يترك ظلاله الكثيفة على تلامذة يسعون إلى التحرر

هذا موقفه بعد ثورة 25 يناير 2011، ولا زال على الموقف نفسه، من هنا لم تنقطع دعوته لهؤلاء إلى العمل بجوار الناس ومعهم بعيدا عن الأشكال الفوقية للسلطة فهذا مما يمكن من خلق الظهير الشعبي القادر على إنضاج الثورة وإنجازها من أسفل، وليس من أعلى قمة الهرم.

وقد تابعنا موقف بشير السباعي بعد ثورة 25 يناير، وهو يحذر من استمرار “المباركية من دون مبارك”، وهذا أمر لا زالت عوارضه تفاجئنا بشكل يومي، لذلك ليس مدهشا أن ينقل أن جورج حنين قوله: إن مصر قادرة على تبديد كل يأس وكل أمل “.

كره السباعي الفاشية في كل صورها وأخذه معتقده السياسي إلى الإدانة الكاملة لفكرة الحرب أيّا كانت، كما أدان حكم العسكر على مدار عمره وفي كل بقاع العالم وكان تحذيره قاطعا للمصريين بعد ثورة 25 يناير، وقد كان موقف اليسار الثوري سبّاقا في إدانة الفاشية والعنصرية، بداية من الحرب الأولى حتى أيامنا، وهنا نلحظ أن تعامل بشير السباعي مع المركزية الأوروبية كان قاصرا على من قدموا أطروحات عدة لنقدها ونقضها، لا سيما من الطليعة اليسارية من مفكري الحداثة وما بعدها، وكان وعيه هنا ناجزا في تشكيل صورة كلية لمنجزه تتوافق وتعزز معتقداته السياسية والعقائدية .

ها هو السباعي وقد تجاوز السبعين بقليل، حيث ولد في الخامس عشر من يناير عام 1944 بمحافظة الشرقية في دلتا مصر، بعد أن راكم منجزا هائلا سيظل ملمحا من ملامح الثقافتين المصرية والعربية لمدى غير منظور، غير أن المؤسسة الثقافية التي تبحث كل عام عن خيول متهاوية العقل هرمة الروح كي تمنحها جوائزها، لم تفكر أبدا في أن تكرم بشير السباعي كما يليق بأمّة تحترم كتابها وفنانيها ومفكريها.

9