بشير بشير يشكل من الحرف نبض الحياة في سوريا

"الحياة.. حروف".. لوحات ترسم تفاصيل الحياة اليومية السورية.
الاثنين 2020/08/03
حروف وتزيينات تحتفي باللون وتدرجاته

خطوة جديدة يخطوها بشير بشير ضمن مشروعه الفني الذي يدمج فيه الحرف بالرسم ليغدوَا معا مشروعا اشتغل عليه الفنان السوري لسنوات طويلة، مكرسا تناغما استثنائيا بين المفردات الحروفية العربية مع العناصر الزخرفية التراثية، وفق توليفة لونية غنية باتت مخصوصة به، وهو ما دعّمه في معرضه الأخير ”الحياة.. حرف”.

دمشق - لا يهدأ الفنان التشكيلي السوري بشير بشير، وهو يكسر تكوينات الأشكال ليعيد بناءها في رؤى بصرية جديدة ومختلفة ليؤطرها بمزيج من تداخلات الألوان والأشكال، مع إضفاء عناصر فنية داعمة لها كالحروف أو التزيينات لتخرج اللوحة في شكلها النهائي مزيجا يحتفي بالغرابة والإبهار.

وعبر سنواته المديدة في الرسم انتهج بشير هذا الخط الذي صار معلما واضحا في جلّ أعماله، وهو الشكل الذي ارتاح الناس إليه وعرفوه من خلاله وتفاعلوا معه.

في معرضه الأحدث “الحياة.. حروف” الذي أقيم في صالة الشعب في قلب مدينة دمشق، يقدّم  بشير بشير عبر اثنتين وعشرين لوحة أعمالا جديدة تنحُو ذات التوجه الذي دأب عليه.

تنوّعت لوحات المعرض من حيث الحجم  وإن غلبت عليها الأحجام الكبيرة، وتنوّعت كذلك الموضوعات، لكن التقنية التي يعتمد عليها حضرت بقوة؛ فكانت الأشكال التقليدية في اللوحة مغيّبة لتحضر عوضا عنها فضاءات جديدة لأشكال رتبها بنفسه تمازجت مع بعض الأشكال الهندسية والرموز والنقوش والتزيينات. أما اللون فأتى هادئا حينا وصارخا ضاجّا بالحرارة حينا آخر.

وللحرف مكانة خاصة في لوحات المعرض، حيث يظهر ذلك من حجم التدخلات التي كانت له  في مساحات اللوحات، والتأثير الذي تركه في ذهن المتلقي وهو يتابع انسيابية التداعيات الجمالية للوحات المقدّمة.

وفي منشور المعرض كتب نشأت الزعبي “الفنان بشير بشير يمتلك معرفة واسعة بالحروف وأشكالها وطبائعها، ليس بوصفها تراثا محليا محملا بأسرار وإيحاءات روحانية فقط، ولكن أيضا بما هي عليه من أنظمة بصرية تجريدية كان قد نجح في استثمارها في حوارات مع المساحات الملونة”.

بشير بشير: الفن الذي لا يقدّم مدلولا ورسالة هو فن ناقص ومشوّه لا يعوّل عليه
بشير بشير: الفن الذي لا يقدّم مدلولا ورسالة هو فن ناقص ومشوّه لا يعوّل عليه

ويرى بشير بشير أن “الحياة والخط تجمعهما حالة من التناغم. ففي مفهوم جماليات الخط العربي هناك معنى لوجود النقاط الذهبية الثلاث، وبها تكون الأمور بخير، وتماثلها النقاط الذهبية في الحياة، فعندما يكون هذا التقابل أو التوازن بين مفهوم الخط العربي والنقاط الذهبية موجودا تصبح الحياة عبارة عن نقاط”.

ويضيف “عندها يصير الحرف مكوِّنا مرنا في الحياة يمكن للإنسان استخدامه بالطريقة التي يراها مناسبة من خلال حجمه ولونه ومرونة شكله وغير ذلك من التفاصيل. الحرف هو حالة تعبيرية فنية يمتلك فضاء كبيرا من الدلالات التي يمكنه أن يقدّمها ويحمل معاني العطاء والخير، وهذا ما استفدت منه في لوحاتي”. وحول نظرته لدور الفنان في المجتمع، يرى بشير أن الفن رسالة إنسانية كبرى، والفن الذي لا يقدّم مدلولا ورسالة يكون ناقصا ومشوّها، والفنان ينقل إلى الآخرين أفكارا من تجربته لذلك يجب أن يكون مزوّدا بالمعرفة التي يتعلمها من خلال حياته اليومية. ويقول موضحا “أدق تفاصيل الحياة يمكن أن تكون موضوعا في رسم ما، والفنان يأخذ كل ذلك ليعود به إلى المتلقي بعد أن يصهره بمكنوناته الذاتية ليخرج بعدها فنا مؤثرا جميلا يرضي الناس والفنان معا”.

وعن معرضه الأخير يقول الفنان السوري “المعرض تراكم زمني، فمنذ سنوات أعدّ اللوحات واحدة بواحدة، وطيلة الفترة السابقة كنت أعمل على إيجاد أفكار لهذه اللوحات”.

ويضيف “الفنان هو شخص يستقطب بذاكرته كل ما يجري حوله ويختزنها في وجدانه ثم يأتي الوقت المناسب الذي من الممكن أن يتأخّر سنوات. وخلال هذه الفترة يكون الفنان قد كسب خبرات أكبر وقام بتجارب أكثر حتى يصل إلى مبتغاه في تكوين الحالة المشهدية التي يريدها وبالشكل الذي يريده”.

وعن خصوصية اللحظة التي تعيشها سوريا وتأثير ذلك على لوحاته، يجيب “المعرض يحمل الكثير من تداعيات اللحظة الراهنة، وممّا نعيشه في وطننا سوريا. فاللوحات تحكي عن نفسها، هي تتناول موضوعات عديدة تتعلق بتفاصيل كثيرة نعيشها في حياتنا اليومية. حاولت أن أتناول هذه المنمنمات الحياتية بشكل مرن وانسيابي بحيث أخرج بالمتلقي إلى مناطق جمالية يحبها وتخفّف عنه حالة الصخب التي تحاصره في حياته اليومية، مع العمل على إدخاله في حالة من الفرح التي هو في أمسّ الحاجة إليها.عملت فيها على استخدام تكوين الحرف العربي بشكل جمالي فني وليس في بعده كرمز لفن الخط العربي، فأنا لست خطاطا لكنني استفدت من تكويناته الحركية للوصول إلى أفكار محددة”.

وعن حال الفن التشكيلي السوري بشكل عام، يقول “هو لم يتوقف أثناء الحرب، الكثير من الفنانين عملوا ودأبوا على رسم المزيد من اللوحات وأقاموا معارض لهم وحقّقوا نجاحات هامة”.

ويضيف “الفنان في بلدنا يقوم بمجهود شخصي ويلزمه الكثير من الدعم المعنوي والمادي وحتى الإعلامي. عندها ستكون النتائج أهم وأقوى، والمعارض حافز لدى البعض على بذل المزيد من الجهد. فالأفكار كثيرة ولكن الفنان يريد الشرارة التي تخرج هذا المكنون الفني من داخله للبوح به”.

17