بشير شلش: الإسرائيليون يحبون العربي المتملق والواقع في فلسطين صار فانتازيا

الأربعاء 2013/09/11
شلش: لا توجد نصوص أدبية قادرة على اختراق السائد

حيفا- ينتمي بشير شلش إلى شعراء جيل التسعينات الذين يكتبون قصيدة جديدة ذات لهجة ولغة وميول حديثة تتصادى مع التجارب الشعرية العربية المغامرة التي تسعى إلى تكريس لغة للشعر لا تبتعد عن الحياة العربية وهمومها، ولا عن الحياة الشخصية وقضايا الفرد في مجتمعاتنا الحديثة. في هذا الحوار نقف على آراء الشاعر بشير شلش في واقع الثقافة الفلسطينية داخل الكيان الإسرائيلي وطبيعة علاقتها بالمنجز الثقافي العربي.

ولد الشاعر عام 1978 في عرابة البطّوف، القرية التي شهدت اندلاع الشرارة الأولى لأحداث ما عُرف لاحقا بـ "يوم الأرض" الفلسطيني، درس الأدب العربي والفلسفة في الجامعة العبرية في القدس، والصحافة والعلوم السياسية في جامعة برلين الحرة. شاعر وصحفي وفنان تشكيلي وناشر.

عمل في الصحافة الإخبارية والثقافية في عدد من الصحف والمواقع الإلكترونية الفلسطينية لما يزيد عن 10 أعوام، قبل أن يترك الصحافة نهائيا وقد تفرّغ مع مطلع عام 2011 لتأسيس "دار راية للنشر والترجمة" في حيفا. أصدر مجموعتين شعريّتين هما "حصّاد العاصفة" عن "دار الآداب"، بيروت 2003، و"حتّى لو كانت التماثيل عمياء" عن "دار ميريت للنشر"، القاهرة 2007. وقد أسّس منذ العام 2011 "دار راية للنشر والترجمة" في حيفا.


تكريس السائد


يرى الشاعر بشير شلش أنّ وضع المنجز الأدبي الفلسطيني لا يختلف كثيرا عمّا يظهر منه في باقي أقطارنا العربية، إذ يقول: "لا تبدو لي فلسطين، أو النتاج الأدبي فيها على وجه الخصوص، استثناء عما يشهده العالم العربي بالمجمل، رغم خصوصية الحالة الفلسطينية وتميّزها. لعلّ السمة الأبرز هي عدم وجود نصوص أدبية تُحدث اختراقات في المستقر الناجز، سياسيا وثقافيا.

وفي الشعر تحديدا يبدو أن "الظل الكبير" لمحمود درويش ومنجزه الحيوي في المدونة الشعرية الفلسطينية والعربية والعالمية، على حد السواء، ما يزال هو الأكثر حضورا، وأعتقد أنه سيظل كذلك ما لم تفتح الكتابة الجديدة آفاقا أخرى، ليست مناقضة بالضرورة للعالم الشعري لدرويش.

هذا بالطبع لا ينفي وجود بعض التجارب في الشعر والنثر حاولت أن تنشئ نوعا من "التناص الواعي" مع النص الدرويشي، عبر محاورته ومحاولة تفكيكه، كما فعل حسين البرغوثي، مثلا، في كتابات نهاية حياته، وكما يفعل غسان زقطان، كمثال آخر، في بعض أعماله الأخيرة، من تناص واعٍ وإحالات إلى قصائد ومقاطع معروفة لمحمود درويش واستثمارها في نصوصه الجديدة التي يحاول فيها تقديم قراءته الجمالية الخاصة، كشاعر، لتجربة محمود درويش، عبر انزياحات متعمّدة وتناص مركّب مع تجربة درويش الاستثنائية.

حتّى الكتابة الجديدة في الشعر الفلسطيني، التي اصطلح على تسميتها بـ"جيل التسعينات"، تبدو اليوم عاجزة هي الأخرى عن تقديم خيارات لافتة لأسباب عديدة لعل أهمّها، برأيي، أن انحيازها إلى اليومي والعابر والعادي، وتبنّيها لشخص البطل النقيض، أنتجت خلال العقدين الأخيرين نماذجها وكرّرتها وبدأت تقع، أيضا، في فخ أنها تنتج سائدها وتكرّسه وتعيد إنتاجه.

من الملاحظ أيضا، في مجمل الحالة الثقافية، أن الرواية هي الآن سيّدة الأنواع الكتابية، حتى أن شعراء مكرّسين، يصدرون، بين وقت وآخر أعمالا روائية، وهي ظاهرة جديرة بالتأمّل، وليست فلسطينية فقط، لكن في حالتنا الفلسطينية، أعتقد أن الظرف السياسي الراهن، المستقر والحرج في آن معا، والذي ينعكس صعوبة ومشقة على حياة الناس اليومية، يعطي نوعا من الإحساس بأن الشعر، كنوع كتابي ومزاج وذائقة، صار إلى حد كبير ترفا لا يحتاجه السواد الأعظم من الناس، حتى لكأنّ الواقع في فلسطين صار فانتازيا أكثر مما يمكن لمخيلة المبدع أن تتخيّل، وهذا كما يبدو لي مردّ الإحساس باللاجدوى من كتابة الشعر، حتى لدى شعراء معروفين ومكرّسين إلى هذا الحد أو ذلك".


بتر عنيف


لئن كانت هناك أسباب جعلت التواصل الثقافي العربي لا يبلغ مداه المأمول، فإن رغبة المبدعين العرب في تجاوز تلك الأسباب كبيرة، بل هي تستثمر واقع التكنولوجيا الحديثة لخلق بيئة تفاعلية بينها.

وفي هذا الشأن، يرى شلش أن التفاعل بين المشاهد الثقافية العربية: "هو تفاعل حيوي ومهم ويجب أن يكون في جميع الأحوال رغم كل الاختلافات السياسية الآنية، لكن المؤسف أنه يجري في الغالب الأعم خارج فلسطين التاريخية، حتى على المستوى الشخصي، أذكر مثلا أنه لم يتح لي أن أقابل أصدقاء وكتاب من غزة أو من لبنان أو الأردن رغم صداقة ممتدة لسنوات إلا على هامش مهرجانات أدبية في أوروبا.

اليوم وفي ظل وسائط التواصل الاجتماعي المختلفة، وإمكانية تجاوز الحدود الفعلية عبر هذه الوسائط أصبح التواصل أفضل بكثير وأيسر. لكل جغرافيا فلسطينها الخاصة بها، وتفاعل هذه "الفلسطين" بتعددها يغني التجربة ككل، على كل الأصعدة، ويفيد في تعميق انتمائنا جميعا إلى وطننا في الوقت نفسه وفي فهم معنى أن نكون فلسطينيين.

بخصوص البقيّة الباقية من الشعب الفلسطيني – على رأي إميل حبيبي- فإن الأمر على درجة كبيرة من الأهمية، لأننا نأتي من سياق بتر عنيف أجبرنا عليه بفعل بقائنا في وطننا وتحوّلنا إلى "مواطنين" في الكيان الإسرائيلي، وإن بدرجة ثانية، ولدينا توق حقيقي ليس فقط للتواصل مع بقية أبناء شعبنا، بل مع عمقنا الحضاري أيضا، المتمثّل بالعالم العربي، الذي ما نزال ممنوعين من زيارة غالبية دوله لأسباب سياسية لا تخفى على أحد".


وهم الانتصار

الرواية هي الآن سيدة الأنواع الكتابية


عن مسألة حضور الهوية الثقافية والإبداعية العربية في الكيان الإسرائيلي، وطبيعة التواصل بين ثقافتيْن متصارعتيْن، يقول شلش: "على الجانب الإسرائيلي الأمر مختلف تماما، ومحكوم باعتبارات لا علاقة لها بالأدب.

اعتبارات سياسية- أمنية في الغالب. على مستوى المؤسسات رفضت منذ البداية أن أحصل على أي دعم أو حتى مجرد التفكير في هذه الإمكانية من أية مؤسسة رسمية إسرائيلية، وهذا الأمر أراحني جدا وجعل خياراتي واضحة ومحسومة لجهة هوية الدار ومشروعها، وحتى عندما أفكر في إنجاز سلسلة مختارات من الأدب العبري المعاصر فسوف أنتجها بعيدا عن أي تمويل رسمي إسرائيلي.

رغم أن بعض الأعمال الصادرة عبر راية ترجم إلى العبرية، إلا أن القارئ الإسرائيلي على العموم قارئ منغلق على نفسه، ولا يريد أصلا أن يعرف بعمق كيف نفكّر أو نحلم أو نعيش، لا أعرف إذا كان هذا ناتجا عن صلف القوة ووهم الانتصار، لكن هناك تحقيق حول الموضوع قرأته في صحيفة عبرية قبل فترة، يؤكد هذه المعلومة، بل يذهب إلى اتهام الجمهور الإسرائيلي العام بالعنصرية لأنه يبدي اهتماما برواية لكاتب مغمور من أميركا اللاتينية مثلا، ولا يهتم بكتب فلسطينيين يعيشون معه على نفس البقعة الجغرافية ويتشاركون في الهواء والماء والمشهد الطبيعي ذاته. أنا أيضا لم أقصّر من هذه الناحية.

قبل فترة أعطيت كرتي لصديق إسرائيلي، كاتب وناشط يساري، فنبّهني إلى أن الكرت يخلو من أية كتابة بالعبرية. وبالفعل، اسم الدار واسمي بالعربية والإنكليزية. هذه الحادثة نبّهتني إلى أنني – في اللاوعي حتى- لم أكن معنيا بالفعل بالتواصل معهم منذ البداية.

وهو ما يعيدني إلى فكرة عمقي الحضاري المتمثل بالعالم العربي وثقافتي العربية. العلاقة مع الإسرائيليين هنا مركّبة، وقد تبيّن لي منذ فترة مبكّرة من حياتي أنني لن أكون هناك. هم يحبّون العربي المتملّق، والأعمال التي يكتبها كتّاب عرب وتلاقي بعض الرواج لديهم، هي تلك التي يظهر فيها العربي بهوية وصفات تعزّز تصورهم الدوني عنه وعن ثقافته وعالمه، ولعلّ مسلسل "شغل عرب" مثال واضح على هذه الفكرة تحديدا.

الصدامات، والصدمات أيضا، قائمة بشكل دائم. لا تنس أنّك في العمق تقدّم ما هو نقيض لتصورهم عن الجغرافيا والتاريخ والواقع، وتدافع عن حقك في الوجود بشراسة، وهذا ما يجعل أي علاقة مع أية جهة رسمية إسرائيلية متوترة دائما، طالما أنك مصرّ على هويتك وقناعاتك.

هذا على المستوى الرسمي، لكن يظل التواصل الإنساني الطبيعي مع مثقفين وفنانين يساريين أو مناهضين للصهيونية، قائما بل مطلوبا، رغم أنه وسيلة محدودة التأثير والفعالية في أجواء مشحونة بالعنصرية وشيطنة الآخر، طوال الوقت".

15