بشير هلال عدو الحرب وصديق الثائرين والمقهورين

الأحد 2015/03/01
مثقف لبناني ضم الحرية إلى صدره حتى آخر لحظة

في باريس حيث يقيم منذ عقود رحل دون أن يقول وداعا لأحد، رحل وكأنَّه سيعود بعد قليل، لقد كان على موعد مع الموت الذي أتاه زائرا خاطفا إيَّاهُ في عشرة أيام فقط، الموت الذي طالما تحدّاهُ وواجههُ بشرف الانتصار على الخوف، داهمَهُ على عجلٍ فكان بكامل أناقتِه منتظراً على عتبةِ البيت ضيفاً حاملاً معهُ كل الذاكرةِ التي لم تخرج من عباءتها.

رحل بشير هلال، هل يكفي أن نضع قبل اسمه فعلاً يدلُّ على الذهاب كي نشرح للجميع أنَّه مضى ولن يعود، هل يكفيه أن نقول له وداعاً عند النظرة الأخيرة؟ صديق السوريين الذي ما فتئ يأتي إلى ساحة شاتليه في العاصمة الفرنسية نهار كل سبت، لم تكن تهمّهُ الأجواء الماطرةُ أو الشمسية، حضرَ أصحابُ القضيَّةِ أم لم يحضروا، كان الأهمُّ لديهِ أن يظلَّ وفيَّاً لمبادئِهِ وقيَمِه مُلتزماً الوقوف إلى جانب الضحيَّة في كل المحافل، حازماً في ما يريد قولهُ بكلماتٍ غير حمّالةِ أوجُه.

مُمدّدٌ كان على سريره بهدوء مُحاربٍ وجدَ أخيراً فرصةً للنوم دون أن تُقلِقهُ ثارات المظلومين في جولات الموت الساكن كل الذاكرة التي حملها معه حتى الخطوة الأخيرة، نصير القضية الفلسطينية والثورة السورية وُلِد بعد ضياع فلسطين التاريخية بعام واحد أي 1949 فكان أصغرَ من الحربِ بعام في بلدة قرنايل ضمن قضاء بعبدا والتي تبعد عن بيروت خمساً وثلاثين كيلومتراً، عاش سنواته الأولى هناك بسكونٍ يسبق الانفجار حيث درس في مدارسها وتابع مرحلته الجامعية في بيروت لتكون مقاعد القانون مكانه الطبيعي فهذا العالم في حاجةٍ إلى محامين كُثُر للدفاع عن حقوق المهزومين في كل المجالات .

خلال سنوات دراستِهِ الجامعية شارك هلال في الحركة العمّالية اللبنانية التي كانت في ذلك الوقت الوجه المدني لما يحدث في لبنان بينما كان عام 1975 وتحديداً منتصف أبريل هي الصدمةُ التي أفقدت بشير هلال وطنَهُ الذي يُمثِّل الفردوس المفقود حين تعمَّقَ لديه الاحساس بالفقد بعد انطلاق الحرب الأهلية اللبنانية التي استمرت ما يقارب الخمسة عشر عاماً، وفي لحظة المواجهة مع الذات أدرك هلال أن الوطنَ لم يكن له فكان القرار عام 1984 حيث أخذ الخطوة الأولى باتجاه العاصمة الفرنسية وكانت نقطة اللاعودة مع الوطن الذي سكنَهُ.


المواطن اللبناني الأول


اللبناني الذي هجر لبنان وظلَّ ساكناً فيه والحقوقيُّ الذي لم يُمارس الدفاعَ عن موكِّليه في أروقة المحاكم والصحفيُّ الذي أخذ خَّطاً مُغايراً لكل ما هو سائد لم يبتعد عن الشرق إلا جغرافياً بل على العكس من ذلك ظلَّ الشرق ساكناً فيه رغم كل الويلات التي كانت فيه، غربتُهُ في باريس كانت طوعاً حين حمل الوطن في أمتعته وغادر دون أن يلتفت فربّما أراد اللبناني الأصيل أن يحتفظ بصورة البلاد كما ألفها في قرنايل التي أحّب.

بشير هلال يبقى ذلك الدرزي الذي لم يتخذ مكانه في الحرب حيث كان أقرانه بل وجد ضالته في إسقاطها والعودة للمواطنة التي تضمن الحقوق والواجبات أمام القانون المدني

المواطن اللبناني الأوَّل كما كان يناديه صديقهُ الصحفي حازم صاغية الذي ارتبطت باريس عندهُ ببشير هلال الأخيرُ الذي لم يُخيِّب ظنَ مضيِّفيه أبداً، الرجل الذي التزم أفكارَهُ ومبادئه اليسارية الثورية لم يتوان لحظة وصوله إلى باريس منتصف الثمانينات عن التواجد بالحملات المناهضة للعنف في العالم، معلناً عداوته المطلقة مع الاقتتال الطائفي، هو الدرزي الذي لم يتَّخذ مكانه في الحرب حيث كان أقرانُهُ بل وجدَ ضالَّتَهُ في اسقاطها والعودة للمواطنة التي تضمن الحقوق والواجبات أمام القانون المدني وفي سبيل ذلك انتسب إلى العديد من النوادي الثقافية في باريس منذ وصوله حتى بداية التسعينات حيث ارتبط هلال كليَّاً بالدائرة الباريسية الخامسة مع امتداد شارع -كاردينال لو موان- حيث تقف مكتبته هناك، تلك المكتبة التي احتضنت بشير هلال المثقف الثوري العربي اللبناني سنوات طويلة.


المكتبة البيت


فترة التسعينات لم تكن عاديةً أبداً، حيث شهدت انتهاء حرب الخليج الأولى والثانية وانتشار المثقفين العراقيين في أصقاع أوروبا بعد إحكام صدام حسين سلطته على بلاد الرافدين، فضلاً عن السوريين الهاربين من بطش الأسد واللبنانيين الحازمين حقائبهم فراراً من تداعيات الحرب الأهلية والدولة المنهارة، كل أولئك المثقفين وجدوا ضالتهم في مقاعد مكتبة بشير هلال في الدائرة الخامسة الباريسية حيث كانت ساحةً يُفرِغون فيها آراءهم السياسية والثقافية ليكون هلال هو اللبناني الجامع لكل ملفّات الشرق في زاويته الصغيرة في المكتبة التي شهدت أيضاً طبخَ المبادئ الثورية لحركة اليسار الديمقراطي عام 2004 والتي تلتها الزلزلة التي اجتاحت بلاد الشام عقب اغتيال رئيس الوزراء اللبناني رفيق الحريري حيث واكبَ بشير هلال كل تلك التطوّرات من خلال حركة اليسار الديمقراطي التي لعبت دوراً حاسماً في تكوين وصناعة موقف عربيٍّ للمثقفين المقيمين في أوروبا على حد سواء ولتكون المكتبةُ مقرَّاً للتداولات التي تمَّ فيها وضع الخطوط العريضة لحركة 14 آذار في لبنان التي تشكّلت عقب المطالبة بقتلة الحريري حيث يمثِّلها سياسياً تيار المستقبل الذي يتزعّمه سعد الحريري.

المكتبة التي كانت مفصلاً هاماً في حياة هلال ومسيرتِه تمَّ إغلاقها بناء على قرار شخصي منه في الأول من فبراير عام 2006 بخطبةٍ مؤثِّرَةٍ ألقاها بلهجته اللبنانية وعدَ فيها أنَّ هذا الاجتماع لن يكون العشاء الأخير بل سيكون خطوة جديدة نحو المستقبل الذي بدأهُ من لحظتها بحلَّةٍ جديدة وبخطواتٍ أكثر ثقة بالواقع فطالب باستقلال لبنان وسيادته ومحاسبةِ من أساءَ له، فالسنوات تلك بين عامي 2006 و2010 لم يترك هلال لقاءً واعتصاماً يجد فيه مناسبةً للدفاع عن حريّة لبنان متواصلاً مع التكتُّل الوحيد للمعارضة السورية في ذلك الوقت الذي انطلق تحت عنوان عريض يحمل اسم -اعلان دمشق- هذه الفترة لم تكن طارئةً على حياة بشير هلال بل أسّس لها بكل ما امتلك من قوّةٍ و عزمٍ وثقافةٍ للوصول إلى مستقبل أفضل بعيدٍ عن الظلم والذل والقهر ملتزماً بنشاطات مؤسسة سمير قصير التي ساهم بإنشائها بعد نقاشات طويلة في المكتبة.

سوريا لم تكن بعيدة عن وجدانه ويقينه بحق الشعب السوري بنيل حريته فاق كل الحدود فكان داعما حقيقيا للانتفاضة السورية من خلال المقالات التي شرح بها أسباب الثورة


الربيع العربي


الرجلُ الذي نادى بالحرية طويلاً لم يقف مكتوف الأيدي حين انطلقت شرارة الربيع العربي من تونس فمصر وليبيا واليمن وسوريا بل ترجم كلَّ سنوات حياتهِ دعماً لما يحدث على الضفة الأخرى من المتوسط، سوريا لم تكن بعيدةً عن وجدانِهِ ويقينِه بحق الشعب السوري بنيل حريّتِهِ فاق كل الحدود فكان داعماً حقيقياً للانتفاضة السورية من خلال المقالات التي شرح بها أسباب الثورة ودوافعها وحيثياتها وتطوّراتها وعمل عن قرب مع معارضين سوريين وسخَّر لهم كلَّ علاقاتِه لخدمة القضيَّة السورية فقد كان يقيناً أنَّ حريَّة الشعب السوري تعني حريّة لبنان و شعبه.

بفهمه العميق للحالة السورية وإيمانه بالتداخل الجغرافي والتاريخي لبلاد الشام وسوريا ولبنان على وجه الخصوص راح يحلّل ويرسم الخيوط العريضة للمشهد المعقّد من خلال شبكةٍ من المقالات التي أطلقها تناول فيها كل شيء دون تزييف، الحركة السلمية الثورية، كتائب الجيش الحر، السلفية الجهادية، المعارضة السياسة، ناقداً لاذعاً ومثقفاً فاهماً لكلٍّ شيء يحدثُ على الأرض دفعاً نحو مساندة الشعب المهجّر الذي تاه في المنافي والملاجئ فكان قريباً من السوريين في لبنان متابعاً لكل التفاصيل التي تعنيهم، يحلّل ما يستطيع منها وينقل ما هو ثقيل عليه إلى غيره.

واجهَ المشهد العنيف الذي صاغَه نظام الأسد في المنطقة بحريّةٍ شاملة جازماً أنَّ كل هذا القتل لن يثني السوريين عن ثورتهم رافضاً فكرة انهيار الربيع العربي وتحوّلهِ إلى خريفٍ أو شتاء داعياً الجميع إلى النظر في العمق وترك المظاهر التي يتم تصديرها عن المشهد، فالحرية في فكر هلال هي مسألة وجود وبقاء، هو الذي تنبّأ بالثورات القادمة كفانتازيا تاريخية هاجمة شعبية غير مؤطّرة لا يقودها مثقفون أو حزبيّون، تعتمد في جوهرها على الاكتشاف والتصنيع الذاتي لتكون صادمةً للجميع.

القانوني والصحفي والشيوعي واليساري وقبل كل ذلك العربيّ اللبناني ترجّلَ عن عمر ناهز الـ66 عاماً متواصلة عاشها بكل الصخب والمواجهات والحروب والمنافي فكان بشير هلال رجلاً بصيغة عددٍ لا متناه من الأيام التي انصهرت في حياةٍ واحدةٍ مرّت على عجل ولم تترك له فرصةً ليقول لأصدقائه وداعاً فكان نعيُهُ بالطريقةِ التي يستحق من قِبَلِ مُحبّيه، اللبناني الذي رفض الحرب ونظَّر إلى الثورة رحلَ بصمت وهدوء تاركاً إشارة الإبهام من إصبعهِ اليُمنى كإشارةٍ أنَّ كل شيء بخير ماثلةً في ذهنِ من يحب، صديق المقهورين والثائرين والمُعذبين المظلومين المسحوقين، الثوريُّ المثقَّف الثائر عاش بعيداً عن مسقط رأسِه ومات بعيداً بكل الأناقة التي حملها يوماً في فكرهِ وشكلِه، رحلَ بشير هلال وترك مكاناً شاغراً للفقد في نفوس كلّ من أحبَّه، فهل تفيه المحبَّةُ في الغياب بعد أن قال الأهل والأصدقاء “أبا سلام عليك السلام”.

8