بصدد نازلة فقهية في سوس العالمة

الاثنين 2016/08/29

هكذا تسمّى بالذات وبإحدى الصفات، سوس العالمة، منطقة ترمز إلى العمق الأمازيغي داخل أرض المغرب، الحصن الحصين للثقافة المغربية الأكثر أصالة، لم تفرط في عاداتها قيد أنملة ولا في لسانها طرف حرف، لكنها استطاعت في المقابل، من خلال انفتاحها الروحي، أن تصبح قلعة لتطوير الفقه المغربي.

اجتهد علماؤها اجتهادا كبيرا ومذكورا في العديد من المراجع؛ فقد وسّعوا ما ضاق، وبسطوا ما انقبض، وفتحوا ما انغلق، وأضافوا إلى المذهب المالكي أبوابا ومخارج لم تكن ظاهرة فيه، ضمنها ما يسمى بمبدأ الكد والسعاية، وهو مبدأ مُستلهم من أعراف المجتمع السوسي، بموجبه تحصل المرأة المطلّقة على نصف الثروة المتراكمة أثناء مرحلة الزواج، باعتبارها شريكة في الكد سواء بالعمل في الحقل، أو في البيت، أو على الأرجح فيهما معا كما هو حال الواقع الذي لا تخطئه العين. وهو المبدأ الذي تبناه في الأخير قانون الأسرة المغربي الجديد. مع هذا الذكاء الفقهي الخلاق فقد بدأ يظهر في هذا الزمن من يحاولون إيهام أهل سوس بالحاجة إلى تديّن آخر، هو التديّن الإخواني أو السلفي أو الجهادي. هنا بدأت تلوح في الأفق بوادر التهديد الحقيقي للأمن الروحي لأهل سوس: حرب تدميرية باسم الإسلام السياسي على كل التقاليد والثقافات والعادات المحلية، قد تواجهها في المقابل حرب استرجاع باسم الهوية التاريخية العرقية للمنطقة الأمازيغية.

اليوم الأول، أو يوم السفر..

لا أحبّ عبارة “الذئاب الملتحية”، ولم يسبق لي استعمالها، لكني مضطر للاعتراف بأنها تصدق على الكثيرين. سافرتُ إلى منطقة أمازيغية نائية جنوب المغرب، في مهمة عائلية استثنائية، قصد حضور لقاء عشائري (عشيرة زوج خالتي). ما الحكاية؟ قبل نحو عقدين من الزّمن، ولعدم إنجابهما، اختارت خالتي وزوجها تبني رضيعين جميلين متخلى عنهما من المستشفى الإقليمي بالعاصمة الرباط، ولضمان الحقوق تم تسجيل اسميهما في كنش الحالة المدنية العائلية. المشكلة أن لزوج خالتي أخا سلفيا ملتحيا، ينتمي إلى جماعة الدعوة والتبليغ، خضع لتكوين دعوي في باكستان لعدة شهور، وصار يعمل إماما بارزا في أحد مساجد فرنسا. هذا الأخ “الواعظ” لم يزر أسرة أخيه إلا مرّة واحدة في العمر، عندما توفيت أمهما في بيت أخيه طبعا، ولم يستغرق واجب العزاء عنده أكثر من ربع ساعة، وهذا شأنه.. المهم، كبر العيال، الولد يتابع دراسته في الفندقة، والبنت تتابع دراستها العليا في الأدب الإنكليزي. فجأة مات الأب (زوج خالتي)، وقبل مضي ساعات قليلة عن الوفاة قام الأخ “الواعظ” برفع دعوى قضائية للطعن في نسب الابنين، مطالبا بالحصة الأكبر من الإرث وفق ما يعتبره “شريعة”.. فوق ذلك، لم يكف عن الاتصال بخالتي ليوهمها بأن عذاب الآخرة ينتظرها إن لم تعترف أمام القاضي بأن الابنين ليسا من صلب زوجها المتوفى، حتى كاد يوقعها في الفخ، وكل ما يبتغيه ذلك الأخ “الواعظ” حصة كبيرة من إرث صغير.

المهم أن العشيرة، وفق تقاليد المنطقة، استدعت الجميع لحضور لقاء عام، ومحاولة تسوية المشكلة حفاظا على سمعة العشيرة.. قلت لخالتي وابنيها ما يلي: قولوا لهم: “إن وجهة نظر الشريعة واضحة صريحة، فإن إقرار الأب هو العنصر الحاسم في إثبات النسب، بل ليس فقط إقرار الأب، وإنما عدم إنكاره يكفي، لأن الأصل في المسألة هو الإثبات وليس النفي. وعنصر الإثبات متوفر، فإنّ الإقرار كامل بالوثيقة وبالقلب واللسان، وأنتم تعلمون.. المرحوم ابن بار لبلدتكم، كان يزورها دائما، وكان يترأس إحدى الجمعيات الوطنية التي تحمل اسم بلدتكم، اعتزازا منه بالانتماء إليكم، وهو الآن يرقد في قبره بسلام، ويقول لكم: هذان ابناي، وقد صارا يتيمين بعد أن تركتهما في الدنيا بلا معيل، فهل ترضون بأن يكون بينكم من يطعن في أخيه بعد موته، ويأكل أموال اليتامى بالباطل؟”.

حرب تدميرية باسم الإسلام السياسي على كل التقاليد والثقافات والعادات المحلية، قد تواجهها في المقابل حرب استرجاع باسم الهوية التاريخية العرقية للمنطقة الأمازيغية

ما كدتُ أنهي هذه الجملة حتى توسلت إليّ خالتي وابناها بأن أرافقهم في رحلتهم، وأقف بجانبهم.. قلت في نفسي: لن أخذلهم.

اليوم الثاني، بين التديّن “المؤدلج” والتديّن “الساذج”.

على غير العادة لم تُقم صلاة الجمعة، فاستُبدِلت – دون أن أعرف السبب – بصلاة ظهر جماعية تخللها حفل تأبين بسيط. وكان ذلك بحضور إمام المسجد.. الإمام رجل سوسي أيضا، لكنه ليس من نفس المنطقة. ولا غرابة في ذلك، فقد جرت العادة في كل بوادي المغرب أن يكون إمام المسجد من خارج المنطقة؛ ربما لأن مطرب الحي لا يطرب، وربّما لأنّ النبوّة نفسها اقترنت بالهجرة، وربّما لأنّ من مفارقات الثقافات التقليدية أنها بقدر ما تنبذ الشخص الغريب فهي تُقدسه أحيانا وقد تتبرك به.

كان هذا اللقاء الأولي فرصة للتعارف مع كبار أعضاء العشيرة. من حسن الحظ أنّ بعضهم يعرفني. كثيرون منهم مثقفون وناشطون ومنخرطون في جمعيات تنموية محلية.. لم يكن “أخونا الملتحي” حاضرا، وقد أدركتُ بأنه لا يحظى بسمعة طيبة. ببساطة لا يرتاحون إلى تديُّنه المؤدلج، ولا هو يرتاح إلى تديّنهم “الساذج”. وكان هذا فأل خير كبير. لكن، تقرر أن يكون اللقاء الحاسم يوم الأحد.

اليوم الثالث، عن الفتح والهوية والدين..

الاكتظاظ والازدحام والضجيج… كل هذه الأمور بدأت أعتاد على نسيانها هناك. سأنعم بالأمن الروحي بمعناه الأكثر عمقا لا محالة. فقط يجب أن أتحمل العيش من دون إنترنت لعدة أيام.. يا للهول! دون أن أطلع على رسائل البريد الإلكتروني، دون فيسبوك، دون تويتر، دون رسائل صوتية من أصدقائي وصديقاتي، منقطعا في أعماق سلسلة من الجبال الشامخة.

نمط التدين هنا بسيط، وجميل، وغير مؤدلج، لكنه يحمل بين طياته ثلاث سمات مضادة للحداثة: رتابة الزمن، وجود فصل ملحوظ بين الجنسين، وانعدام وجود حياة شخصية. يزعم بعض الناشطين الأمازيغيين الشباب في هذه الجهة، بأن هذه المسائل هي من آثار الفتوحات الإسلامية، لكني أسألهم أيضا: لِمَ لا نجد هذه الأمور عند عشائر أمازيغية أخرى تستوطن وسط المغرب، ويُفترض أنها الأكثر عرضة للغزوات العنيفة للفاتحين؟.. أما عن معضلة الفتوحات فقد اكتشفتُ في هذه التضاريس العميقة شيئا آخر: صحيح أنّ الفتح الإسلامي للمغرب كان عنيفا، لا يمكن إنكار ذلك، لكن ثمة مسألتين: أولا، لم يخضع المغرب أبدا للسيطرة السياسية للمشرق، هذا يعني أنه ظل رغم الغزوات القادمة من المشرق بلدا مستقلا. ثانيا، الذين نشروا الإسلام في سوس العالمة لجأوا إليها هاربين من الاضطهاد الفتنوي في المشرق، ولدى بعضهم أضرحة إلى الآن. تماما مثلما فعل إدريس الأول الذي قدم من المشرق هاربا من الاضطهاد والفتنة في المشرق فبويع ملكا على المغرب. هذا يعني في آخر الحساب أن المسألة الدينية في المغرب حظيت منذ البداية بقدر من الاستقلالية عن مسار ما يسمى بالفتح الإسلامي، والذي كان بالفعل غزوا عسكريا عنيفا. هذا ما لا ننكره.

اليوم الرابع، أو مسك الختام..لم يحضر صاحبنا “الأخ الملتحي” في جلسة الحسم والختام، لكنه بعث إليّ بشخص لكي يقترح عليّ في الكواليس أن تتم جلسة الصلح بعيدا عن العشيرة، مع التوقف عن نشر هذه الأمور على فيسبوك.. قلت له: خير له أن يصلح ما أفسده من ود عائلي وأوقعه من جرح إنساني قبل أي كلام.. لكن في غيابه كانت الفرصة سانحة للقاء كريم بحضور شرفاء وعلماء المنطقة، وهم أهل الرّأي والمشورة وفق تقاليد هذه المنطقة التي تُعتبر مركز العلماء وحاضنة العلم في سوس، خاطبتُهم بلغة القلب والعاطفة، ذكرتهم بدور فقهاء سوس في تطوير الفقه المالكي… ثم ختمت كلامي بالحديث عن ابني الفقيد، وهو أكثر شيء يهمني، قائلا: هذان الابنان ابناكم، إنهما بعد الله وبعد الفقيد ابناكم، إنهما هبة الله على تربة أرضكم الطاهرة.. قلتها بصوت مسموع ثلاث مرّات.. وما إن أنهيت كلمتي حتى أيقنت بأني أنجزتُ المطلوب وبلغتُ إلى أعماق القلوب.. أما الباقي فهو إجراءات وتدابير ستكون سهلة بكل تأكيد.. هنيئا.

كاتب مغربي

9