بصمات إيرانية على استهداف سفن قبالة الإمارات

تعرّض سفن شحن تجارية مدنية من عدة جنسيات لعمليات تخريبية بالقرب من المياه الإقليمية الإماراتية اعتبرها محللون عمل تخريبي يهدد أمن وسلامة حركة الملاحة البحرية الدولية.
الثلاثاء 2019/05/14
لعب إيراني خطير على حافة الهاوية

عملية البحث عن المستفيد الأوّل من استهداف سفن بالقرب من المياه الإقليمية الإماراتية تقود منطقيا إلى أنّ إيران هي صاحبة المصلحة في خلق حالة من التوتّر لمشاغلة خصومها المنخرطين في أكبر عملية ضغط اقتصادي وسياسي عليها بقيادة الولايات المتحدة، وأيضا لتحويل أنظار مجتمعها المحتقن بفعل سوء أوضاعه، نحو الخارج، بدل تركيزه على قضاياه الداخلية.

أبوظبي- عكس سيل المواقف وردود الأفعال على عملية استهداف عدد من السفن بعملية تخريبية داخل المياه الاقتصادية لدولة الإمارات، استشعار الدول والمنظمات التي صدرت عنها تلك المواقف لمدى خطورة الحادثة على أمن منطقة تكتسي أهمية بالغة للعالم بأسره نظرا لكمّ المصالح الإقليمية والدولية التي تجتمع فيها، لاسيما في مجال الطاقة بما تصدّره يوميا من كميات كبيرة من النفط نحو الأسواق العالمية.

ورغم محدودية الخسائر التي خلّفتها العملية واقتصرت على تلفيات في أربع سفن، فقد نُظر إليها من قبل غالبية المحلّلين السياسيين باعتبارها رسالة من إيران للولايات المتحدة وللدول الحليفة لها والمنخرطة معها في الضغط اقتصاديا وسياسيا على طهران، وذلك بالاستناد إلى أنّ الطرف الإيراني هو المستفيد منطقيا من تنفيذ تلك العملية، وبالاستناد أيضا إلى التهديدات الإيرانية الصريحة والواضحة بالتعرّض للملاحة الدولية في حال مُنعت إيران من تصدير نفطها.

كما توجّهت الرسالة، وبشكل خاص، إلى المملكة العربية السعودية، العملاق العالمي في إنتاج وتصدير النفط، وذلك عبر استهداف اثنتين من ناقلاتها كانت إحداهما بصدد التوجّه نحو ميناء رأس تنورة لتحميل شحنة من النفط موجّهة إلى زبائن شركة أرامكو في الولايات المتحدة، بحسب بيان صدر الإثنين عن خالد الفالح وزير النفط السعودي. أمّا السفينتان الأخريان اللتان شملهما الاستهداف فتتبع إحداهما دولة الإمارات، والثانية تتبع النرويج، بحسب ما أوردته الإثنين وسائل إعلام خليجية.

وقال دبلوماسي خليجي سابق إنّ العملية تحمل البصمات الإيرانية، مذكّرا بأنّ لإيران سوابق في التعرّض للملاحة البحرية بهذه الطريقة سواء خلال الحرب ضدّ العراق في ثمانينات القرن الماضي، أو حديثا قبالة السواحل اليمنية عن طريق وكلائها الحوثيين الذين زوّدتهم بتقنيات ووسائل استهداف السفن ودرّبتهم على استخدامها، ومن ضمنها الألغام البحرية والزوارق الصغيرة المفخّخة.

خالد الفالح: يجب التحسب للآثار التي ستترتب على أسواق الطاقة العالمية
خالد الفالح: يجب التحسب للآثار التي ستترتب على أسواق الطاقة العالمية

ووصف الدبلوماسي ذاتُه ذو الخبرة السابقة بالعمل في إيران تخريب البواخر “بأنّه لعب خطير على حافّة الهاوية إذا ثبتت نسبة المسؤولية عنه لإيران، وستكون له تداعيات كبيرة وعواقب وخيمة على النظام الإيراني”، معتبرا “أنّ لإيران من الدوافع القوية ما يكفي لإقدامها على مثل ذلك العمل الطائش وأهمّها الضغوط الاقتصادية الشديدة المسلّطة عليها وحالة الاحتقان التي يشهدها الداخل الإيراني جرّاء سوء الأحوال الاجتماعية”.

وأعلنت وزارة الخارجية والتعاون الدولي الإماراتية، الأحد، تعرّض أربع سفن شحن تجارية مدنية من عدة جنسيات لعمليات تخريبية بالقرب من المياه الإقليمية للدولة، باتجاه الساحل الشرقي بالقرب من إمارة الفجيرة ومن المياه الإقليمية وفي المياه الاقتصادية لدولة الإمارات.

واعتبر الحادث سابقة في الإمارات المعروفة باستقرارها الفريد نظرا لمتانة مؤسّسات الدولة ورسوخها، ونظرا أيضا لنجاح نموذجها القائم على التوسّط والاعتدال ما أقفل الباب أمام نوازع التشدّد ومنع الإرهاب المتربّص بالمنطقة من التسرّب إليها وإيجاد موطئ قدم له فيها. وجاء استهداف السفن بالتزامن مع حملة تهديد ووعيد شنّتها إيران بعد اشتداد الضغوط الأميركية عليها وبعد تصنيف حرسها الثوري تنظيما إرهابيا. وسبق للحرس الثوري الإيراني أنّ هدّد بإغلاق مضيق هرمز ردّا على مساعي الولايات المتحدة لمنع تسويق النفط الإيراني.

وعبّرت السعودية في بيان لخارجيتها عن تضامنها مع دولة الإمارات، كما اعتبر وزير النفط السعودي خالد الفالح أنّ للمجتمع الدولي مسؤولية مشتركة في “الحفاظ على سلامة الملاحة البحرية وأمن الناقلات النفطية تحسبا للآثار التي تترتب على أسواق الطاقة وخطورة ذلك على الاقتصاد العالمي”.

ويمرّ عبر مضيق هرمز الذي تهدّد إيران بغلقه حوالي خُمس الكمية المستهلكة من النفط يوميا في العالم، والمقدّرة بحوالي مئة مليون برميل. واستنكر مجلس التعاون الخليجي العمليات التخريبية ضد سفن تجارية قرب المياه الإماراتية. وقال الأمين العام للمجلس عبداللطيف الزياني في بيان إنّ “مثل هذه الممارسات غير المسؤولة من شأنها أن تزيد من درجة التوتر والصراع في المنطقة وتعرّض مصالح شعوبها لخطر جسيم”.

كما أدانت منظمة التعاون الإسلامي التي تتّخذ من مدينة جدّة بغرب السعودية مقرّا لها العملية. واعتبرت الأمانة العامة للمنظمة في بيان “أن هذا العمل التخريبي يهدد أمن وسلامة حركة الملاحة البحرية الدولية”، داعية المجتمع الدولي إلى تحمّل مسؤولياته لضمان حركة الملاحة البحرية وسلامتها وضمان استقرار أمن المنطقة.

اعتبر الحادث سابقة في الإمارات المعروفة باستقرارها الفريد نظرا لمتانة مؤسّسات الدولة ورسوخها، ونظرا أيضا لنجاح نموذجها القائم على التوسّط والاعتدال ما أقفل الباب أمام نوازع التشدّد

ورأى مشعل السلمي رئيس البرلمان العربي، أن استهداف السفن التجارية يعد عملا إرهابيا وتهديدا خطرا للأمن والسلم الدوليين. ودعا السلمي، في بيان صحافي أصدره الاثنين، المجتمع الدولي إلى التحرك الفوري والحاسم لتأمين خطوط التجارة والملاحة الدولية، ومحاسبة منفذي هذا العمل التخريبي.

وقال في البيان ذاته إنّ “هذا الهجوم الإرهابي الغادر باستهداف السفن التجارية واستهداف طواقمها، يمثل خرقا صارخا للقوانين والأعراف الدولية، التي تنص على حرية حركة الملاحة في الممرات المائية الدولية، فضلا عن تأثيره السلبي على حرية حركة التجارة الدولية”.

ومن جانبها أدانت الكويت بشدّة عملية الاستهداف، ونقلت وكالة الأنباء الكويتية “كونا” عن مصدر مسؤول بالخارجية قوله إن “هذا العمل الإجرامي يعد انتهاكا صارخا للقانون الدولي ويمثل تصعيدا للتوتر في المنطقة يهدد سلامة الملاحة البحرية وحركة التجارة العالمية، الأمر الذي يتحتم معه تحرك سريع من المجتمع الدولي لوضع حد لمثل هذه الأعمال”. كما أكّد المصدر ذاته وقوف الكويت إلى جانب دولة الإمارات و“تأييدها التام في كل ما تتخذه من إجراءات لضمان أمنها واستقرارها”.

3