بصمة لن تمحى

بعد 22 عاما من العمل بين مدرب ونادي ارتبطا إلى حد “الالتصاق”، لم يكن من السهل تناسي كل ما حقّقه فينغر، ليس من السهل أيضا هدم كل الجدران وتحطيم كل “التماثيل” التي شيدها أرسين.
الأحد 2018/09/09
طيف فينغر سيظل يحوم حول المكان لسنوات

انتظرت جماهير أرسنال بداية الموسم الحالي، كي تطّلع عن كثب على التغييرات الحاصلة صلب الفريق بعد رحيل المدرب التاريخي أرسين فينغر في أعقاب الموسم الماضي، ثم تعيين الإسباني أوناي إيمري.

انتظرت هذه الجماهير الإطلالة الأولى لـ”المدفعجية” كي تحكم على مدى قدرة فريقها على استعادة هيبته، ومن ثمة المراهنة على الألقاب التي غابت عن الفريق طيلة السنوات الأخيرة.

كان القلق السمة البارزة، وكان الفضول أهم صفة تحلى بها أنصار النادي طيلة فترة الصيف، فالوضع الجديد للفريق فرض ذلك.. أمور كثيرة تبدلت، وتغييرات مرتقبة ستحدث بعد انتهاء حقبة امتدت زهاء 22 عاما كان خلالها فينغر الآمر والناهي في فريق “الغانرز″ وصاحب الكلمة الفصل.

بدأت إذا مرحلة الفني الإسباني إيمري، كان هناك شغف كبير لمعاينة الفريق بعد هذا التغيير، فأي حلّة سيرتديها مع مدرب تحلى بالشجاعة وقبل مهمة تعويض أحد “أعظم” المدربين الذين طبعوا تاريخ الأرسنال والدوري الإنكليزي في الزمن الحديث.

ففينغر كان بمثابة “العرّاب” صلب النادي، لم يكن دوره يقتصر يوما على مجرد التدريب والتوجيه وتلقين اللاعبين أصول اللعبة ومبادئ الكرة وتعويدهم على خطط وأساليب فنية.

دوره كان أكبر من ذلك بكثير، لقد كان يختار بمعية بعض الفنيين المواهب الجديدة التي يمكن أن تقدّم الإضافة للفريق، كان يختار أيضا النجوم القادرين على تطوير أداء أرسنال، كان أيضا يتدخل في طريقة تسيير النادي.

كان أهم “رجل” في النادي لأكثر من عشريتين حقّق خلالها العديد من الإنجازات، وساهم في بروز عدد كبير من اللاعبين الذين أصبحوا في ما بعد من “رموز” النادي، ولنا في هنري وبيركامب وبيراس وليونبرغ وكامبل خير دليل على مدى قدرة هذا الفني على استخراج مكامن القوة لدى لاعبيه.

بعد 22 عاما من العمل بين مدرب ونادي ارتبطا إلى حد “الالتصاق”، لم يكن من السهل تناسي كل ما حقّقه فينغر، ليس من السهل أيضا هدم كل الجدران وتحطيم كل “التماثيل” التي شيدها أرسين، من الصعب أن تنتهي حقبة فينغر هكذا بكل سهولة حتى وإن رحل ولم يعد له أي وجود.

ربما لم يكن فينغر ذلك المدرب المحظوظ الذي يخطف كل كأس تعترضه، لم يكن يحمل عصا سحرية يضرب بها كل منافسيه فيتجاوزهم بسهولة ويسبقهم نحو منصة التتويج.

ربما كان مدربا منكود الحظ، ربما رافقته لعنة في أغلب التحديات الصعبة، لكنه كان صاحب تأثير ونفوذ، كان حريصا للغاية على تقديم كل ما لديه لـ”المدفعجية”، كان شغله الشاغل وهاجسه الأكبر منح الثقة للاعبين الشبان والمساهمة في بروزهم.

هذا الأمر جعله دوما “أيقونة” لا تنسى في فريق شمال لندن، كان يستحوذ على قلوب عشاق النادي، فصبروا معه، ضحوا كثيرا وكان عزاؤهم الوحيد في أغلب مواسم السقوط هو وجود ثلة من اللاعبين الشباب المتقدين حماسا، تألقوا وقدّموا أداء جيدا بفضل توصيات فينغر وثقته الكبيرة في قدراتهم.

لكن كل حكاية تكتب فصول نهايتها متى أزفت الساعة ومتى سقط البطل، هكذا كان مصير فينغر الذي سقط في فخ التكرار وظل يراوح مكانه تماما مثل ذلك الجمل الذي يدور في حلقة مفرغة.

رغم قيمة هذا الرجل ومكانته صلب الفريق، رغم أهمية وجوده رياضيا وفنيا وإداريا، إلاّ أن اللحظات الأخيرة من فصول هذه القصة دفعته إلى المغادرة تاركا إرثا كبيرا وبصمة راسخة في تاريخ هذا النادي.

جاء موعد الرحيل، ثم دقت ساعة العمل أمام المدرب الجديد، الذي بدت خطواته الأولى مترنحة في الدوري الممتاز، خسر المباراة الأولى ثم انحنى في اللقاء الثاني، لكنه عاد في الثالثة وحقّق الفوز، وكان الاختبار الرابع موفقا أيضا، ليتنفس المدرب الإسباني الصعداء وينجح ولو نسبيا في بعث بعض الرسائل المطمئنة.

رسائل مفادها أنه قادر على كسب التحدي.. قادر على النجاح والانطلاق بسلام في مرحلة ما بعد فينغر، هذه المرحلة التي يتوجب أن تعد بالكثير وتكون حبلى بالتتويجات بعد أن غابت في المواسم الأخيرة.

يتعين على إيمري أن يحاول ملء الفراغ وإعادة ترتيب البيت، ويتوجب عليه أن يسعد هذه الجماهير ويحقّق نتائج أفضل ممّا حقّق فينغر.

على إيمري أن يثبت أنه قادر على تحقيق نتائج أفضل ويقود الفريق لتخطي حاجز النحس الذي ارتبط به لفترة طويلة، عليه أن يؤكد أنه مدرب موهوب يتقد حماسا وذكاء ويملك كل المقوّمات التي تجعل منه المدرب الأجدر بكتابة فصول جديدة في تاريخ النادي.

لكن قبل كل شيء، ربما ينبغي عليه أن يعي جيدا بأن طيف فينغر سيظل يحوم حول المكان لسنوات، يجب أن يعرف أن ثقافة الأرسنال ستظل مرتبطة بما أسّسه المدرب السابق.

ربما لهذا السبب لم يشأ إيمري أن يكون التغيير جذريا منذ البداية، فاختار التريث قليلا، اختار أن يواصل ولو مؤقتا السير على خطى سلفه، فواصل منح الثقة للاعبين الشبان كما فعل فينغر دائما، ولم يغير كثيرا في أسلوب لعب الفريق.

لقد أدرك أن أولى الخطوات نحو النجاح تكمن في عدم مسح آثار بصمة سلفه، فجينات فينغر زُرعت في الأرسنال، وأرسنال لا يمكنه البتة تقبل فكرة التغيير الشامل منذ الوهلة الأولى.

23