بصير محمود يجعل من التنافر أسلوب حياة وفنا

الفنان بصير محمود يعرض أعماله الفنية تحت عنوان "عيون شوهدت حديثا" بأسلوب جديد للسرد أسسه على قواعد حياتية مبتكرة اعتمدت على محطات ثابتة وواضحة الحدود.
الجمعة 2018/10/05
استخفاف بفكرة الثبات والاستقرار

قدم الفنان الباكستاني المتعدد الوسائط بصير محمود مجموعة من الأعمال الفنية تحت عنوان “عيون شوهدت حديثا”، قوامها بعض الصور الفوتوغرافية الجديدة وأخرى قديمة، أنجزها في السنوات الخمس الأخيرة، وشريط فيديو احتل جزءا كبيرا من صالة “ليتيسيا” بالعاصمة اللبنانية بيروت.

بيروت- بدأ الفنان الباكستاني بصير محمود مسيرته الفنية بالرسم لينتقل إلى الفيديو آرت والتجهيز الفني وفن الفوتوغرافيا، حيث وجد فيها ما يُناسب توجهه الفني دون أن يتخلى كليّا عن فن الرسم.

ويعرض الفنان الباكستاني المولود في مدينة “لاهور” سنة 1985، أعماله الفنية في قاعة “ليتيسيا” البيروتية تحت عنوان “عيون شوهدت حديثا”، حيث قدم خصيصا من أمستردام ليحضر حفل الافتتاح.

وأقام الفنان الباكستاني من خلال الأعمال المعروضة وبهدوء لا يشي باختلال السياق الزمني والفكري واختلاف المناطق التي استمد منها مواضيعه، أسلوبا جديدا للسرد أسّسه على قواعد حياتية مبتكرة اعتمدت بشكل أساسي ليس على محطات ثابتة وواضحة الحدود، بقدر اعتمادها على الحلقات المفقودة التي تربط وتفكك ما بينها في آن واحد، فبدت أعماله المعروضة حاليا في الصالة وتلك التي قدمها سابقا، وحدات وعيّنات ونتفا من حياة بشرية معاصرة هي كلية التجربة المعيشة، تجربة غير درامية بالرغم من تفكّكها.

والمفارقة أن أعماله المعروضة- المُفككة، وليس بالضرورة عن سابق إصرار وتصميم، من الصعب استيعابها إلاّ عبر النظر إليها ككل واحد يجمع تفككها. فقد غابت التراتبية وغلبت المشاهد الوامضة بأسلوب سينمائي يعرف كيف يستخدم خزعبلاته، ليفرض ذاته كنص متماسك، عليك أن تقتنع به أو أن تغادر قراءته واستقراءه من دون أي ندم.

“عيون شوهدت حديثا” هو عنوان يشي بهذا التنافر والاستخفاف بفكرة الثبات والاستقرار، فالعين التي ترى هي التي تُرى، وقد شُوهدت “حديثا”، ممّا يترتب عن ذلك الإشارة إلى السرعة في الحكم على المشاهد المعيشة من ناحية، والتساؤل حول ماهية ونوعية تلك الحاسة التي تَرى العين كمشاهد متقطعة ومتجزئة من ناحية أخرى، ولكن وفق منظومة جديدة لفعل النظر ولوساطة العين في الربط ما بين المشاهد وبين ما تشير إليه.

كما أن هذه “العين التي شُوهدت حديثا” توحي بأنها موضوع قائم بذاته للرصد والملاحقة، لشدة تحركها وانتقالها السريع ما بين مختلف فضاءات الوجود زمنيا ومكانيا.

ومن الناحية المذكورة آنفا، ليس من السهل أبدا، النظر إلى أعمال الفنان ومحاولة استقراء ما يقدمه خلف صور ظاهرها البساطة والهدوء، ليس من السهل استيعاب ما يريد أن يعبر عنه  في صالة “ليتيسيا” لا سيما خارج معرفة ما قدمه سابقا من أعمال فنية، لأنها تقدم صيغة جديدة في الرؤية والتعامل مع عناصر العالم بشرا ومناطق وأشياء.

ويُمكن استيعاب نظرة الفنان إلى الفن والحياة بشكل أكبر، حينما ندرك أن خاصية التنقل وعدم الاستقرار والترحال بين الحضارات والبلدان ومُغادرة الأهل والأصحاب التي وصمت حياته، نسجت جزءا كبيرا من نظرته إلى العالم الخارجي.

ومن الأعمال المعروضة نذكر  فيديو “رسالة إلى البحر”، وصورة “المياه المقدسة من مكّة المُكرمة”، وصورة “كل الأشياء الجديدة”، وأيضا “لا مكان للصيادين” و”المساواة للجميع” التي تحيل إلى توزيع الموارد الغذائية وغيرها  بالتساوي (أو عدمه) بين الجميع.. أعمال ترصد أيضا مظاهر العالم والعمل المضني الذي تقوم به فئة كبيرة من البشر لقاء أجر زهيد.

ويلفت الفنان بصير محمود النظر إلى مهنة الصيد التي تواجه شتى المصاعب ليقرّر “الصياد” في شريط الفيديو أن يدخل عمق البحر ليبعث بقاربه، كرسالة، إلى أفق البحر، رسالة رجاء، أو وداع؟ كمشاهدين نحن مدعوون إلى الأخذ بمضمون العمل بالشكل الذي نريده أو نفهمه.

المفارقة أن أعمال محمود المعروضة- المفككة، من الصعب استيعابها إلا عبر النظر إليها ككل واحد يجمع تفككها

أما أسلوب الومض الذي اعتمده محمود في إلقاء الضوء على تلك المشاهد، سواء من ناحية اختزال الأشكال المصورة أو من ناحية التقشف اللوني والهدوء في تجسيد الحركة، لا سيما من فنان قادم من باكستان التي تعج بالألوان والتفاصيل والصخب، يدل على رغبة الفنان إراديا أو لاإراديا في التعبير عن الهشاشة وسرعة عبور المشاهد الحياتية وزعزعة البنى الاقتصادية والاجتماعية والعاطفية على السواء التي تحكم نمط العيش المعاصر.

وحول معرضه يقول الفنان بصير محمود “أنا مهتم باكتشاف موقفي كفنان من خلال تبني أدوار متعددة، من ضمنها مؤلف يكتب روايات، ومُبتكر يصنع صدامات بين الناس، ثم يرتجل سيناريوهات بهدف ابتكار قصص أصيلة ومميزة، ومُراقب ينقل الأحداث التي تحصل ضمن المواقف اليومية أو خارجها، ويشاهدها عن قرب من الداخل والخارج..”.

أما حول أهمية إقامة هذا المعرض في مدينة بيروت، فتقول مُنسقة المعرض لورين ويتمور، إن الكثير من أعمال بصير محمود “ذات صلة بالسياق في بيروت، بدءا بتصوير تلك العلاقة المترابطة والمتداخلة بين البشر والبحر، وصولا إلى اكتشاف الوضع الاجتماعي لما يُسمّى العمال الذين لا يتمتعون بأي مهارات”.

وتحتضن أعمال بصير محمود سلسلة واسعة من المضامين والمواضيع، وذلك يتضح عبر الطريقة التي يسمح لنا من خلالها بتجاوز ذاك الفرق بين طريقة رؤية الفنان للعالم، ورؤية الناس العاديين.

17