بطاطس المياه المالحة بهولندا تواجه الجوع في العالم

حقل صغير في جزيرة تكسل شمال هولندا يشهد باستمرار هبوب رياح عنيفة مصدرها بحر وادن قد يقدّم حلاّ لمشكلة الجوع في العالم، عبر التغلّب على ظاهرة التملّح التي تهدّد المحاصيل الزراعية. فقد نجح في جمع محاصيل من البطاطس تنمو في المياه المالحة، وهو ما ينسف النظريات الزراعية الحالية التي تؤكّد أنّ الزراعات لا تنمو في المياه المالحة.
السبت 2015/05/02
الحقل التجريبي في هولندا أثبت إمكانية التغلب على ملوحة مياه الري

دن هورن (هولندا)- ينكبّ المزارع الهولندي، مارك فان ريسيلبيرغي، وفريقه من الباحثين، على زراعة حوالي ثلاثين نوعا من البطاطس في حقله بجزيرة تكسل شمال هولندا، تثمينا لمشروع كبير تدعمه جامعة أمستردام. ويرى ريسيلبيرغي أنّ هذا المشروع يمكن أن يشكل حلا لمشكلة تملّح الأراضي التي تهدد الأمن الغذائي للملايين من الأشخاص في العالم.

ويقول هذا المزارع، البالغ 60 عاما، “إننا نوزّع سبعة تركيزات من المياه على حقل تجريبي، من المياه العذبة إلى مياه البحر”، مضيفا “نتخلّى عن المحاصيل غير الصالحة ونحلل ما يعيش منها”.

البطاطس ليست وحدها التي يختبر زراعتها في هذا المشروع، إذ أن مارك وفريقه يدرسون بدعم جامعي إمكانيّة زرع الجزر والفراولة والبصل وأنواع أخرى من الخضار والفواكه في المياه المالحة.

وفي هذه “المزرعة للبطاطا المملحة”، بدأت التجارب مطلع العام 2006 مع فكرة رئيسية عامة للمشروع تكمن في مساعدة الأشخاص الذين يعانون سوء التغذية في العالم.

وفي هذا المكان، يعمد أعضاء فريق العمل، المؤلف من باحثين ومزارعين وعمّال زراعيين، إلى إجراء تجارب من دون مختبر ولا كائنات معدّلة وراثيا على كل النباتات المتوافرة لديهم لمعرفة ما إذا كانت ستعيش في بيئة شديدة الملوحة.

10 بالمئة من المحاصيل الزراعية في العالم تهددها ظاهرة التملح، حسب منظمة "فاو"

وثمة ما يقارب خمسة آلاف نوع مختلف من البطاطس، رابع أكثر النباتات زراعة في العالم، حسب منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة (فاو). ويؤكد فان ريسيلبيرغي “أننا نختبر فقط أنواعا لم تحصل في السابق أي تجارب عليها.. لا نسعى إلى معرفة لماذا تموت أو تعيش”، مضيفا “نلاحظ أن أنواعا عاشت قبل مئات أو آلاف السنوات قرب البحر تتجاوب مع الملح بشكل أفضل من غيرها”.

وفي حين تُجرى بحوث عدة لزيادة إنتاج بعض أنواع النباتات، يجري فريق تكسل رهانا معاكسا: النجاح في زراعة نباتات على أراض كانت تعتبر غير مواتية أو غير صالحة بتاتا للاستخدام.

ويقول هذا المزارع الستيني “في هولندا، نعرف كل شيء عن المياه ونعرف أمورا كثيرة عن الزراعة، لكننا خائفون جدا من البحر لأننا حتى عشر سنوات خلت، لم نكن قد تحلّينا بالشجاعة المطلوبة لتجربة زرع نباتات بالاستعانة بمياه البحر”.

وظاهرة تملح الأرض هي تراكم للأملاح ناجم عن نقص أو سوء في ري الأراضي الزراعية. وتؤدي هذه الظاهرة إلى تقليص المساحات الزراعية في العالم بواقع ألفي هكتار يوميا، حسب معهد جامعة الأمم المتحدة للمياه والبيئة والصحة.

وأكثر المناطق المعنية بهذه الظاهرة هي أحواض النهر الأصفر في الصين والفرات في سوريا والعراق والسند في باكستان. وقد أرسل فريق تكسل إلى هذه المناطق الآلاف من نبتات البطاطس، في مشروع “تكلّل بالنجاح”، حسب تأكيد هذا الفريق الذي يعتزم توسيع نطاق عمله العام المقبل.

وقد تكون البطاطس المالحة نقطة تحوّل في حياة الآلاف من المزارعين بالمنطقة، كما أنها قد تساعد على المدى البعيد آلاف الأشخاص الذين يعيشون في مناطق شديدة الملوحة، حسب الفريق.

فريق تكسل يؤكد أن البطاطس المزروعة في المياه المالحة حلوة المذاق، إذ أنّ النبتة تنتج كميات أكبر من السكر للتكيّف مع ملوحة البيئة

وقد زرعت البطاطس بداية في البيرو، ومن ثمّة جرى إدخالها إلى القارة الأوروبية على أيدي المستعمرين الأسبان في القرن السادس عشر، لتلقى رواجا كبيرا في أوروبا خصوصا لمساعدة السكان على الصمود بوجه المجاعات المزمنة في تلك الحقبة.

وقد عاشت بلدان عدة تبعية اقتصادية لهذا الصنف من الزراعات لدرجة أن أكثر من مليون شخص توفوا في شمال غرب أوروبا في أواسط القرن التاسع عشر، بعد كارثة أتت على كامل محاصيل البطاطس في أيرلندا بالخصوص.

وتقدر اليوم منظمة “فاو” عدد الأشخاص الذين يعانون سوء تغذية في العالم بحوالي 800 مليون شخص، كما أن ظاهرة التملّح تهدد 10 بالمئة من المحاصيل الزراعية العالمية.

وعلى مستوى مذاق هذا المنتج الجديد، يؤكد فريق تكسل أن البطاطس المزروعة في المياه المالحة حلوة المذاق، إذ أنّ النبتة تنتج كميات أكبر من السكر للتكيّف مع ملوحة البيئة التي تزرع فيها.

ولا تحمل هذه النباتات كذلك أيّ خطر في زيادة استهلاك الأشخاص للملح لأنّ الملح يبقى محفوظا داخل أوراقها. وجدير بالذكر أنّ بلدان عدة طلبت التعاون مع هذا الفريق للاستفادة من هذا المشروع، من بينها مصر وبنغلادش والهند.
20