بطالة الزوج تهدد الاستقرار الأسري

عادة ما يقضي الرجال ساعات طويلة في العمل المرهق ليتمكنوا من توفير متطلبات المعيشة لأسرهم، لكن إذا فقد الرجل عمله وأصبح في تعداد العاطلين عن العمل كيف تستمر الحياة الأسرية مع ارتفاع النفقات وزيادة متطلبات المعيشة؟ وحتى إذا كانت الزوجة تعمل هي الأخرى أو يتوافر مصدر آخر للدخل كيف يتعايش الرجل مع جلوسه عاطلاً دون عمل في البيت؟ وهل يؤثر ذلك في العلاقة بين الزوجين؟
الأحد 2017/12/03
بقاء الزوج دون عمل يؤثر سلبا على العائلة

القاهرة - تهدد مشكلة بطالة الزوج استقرار الكثير من الأسر واستمرار العلاقة الزوجية، حيث توصّلت دراسة أميركية إلى أن إمكانيات النساء الاقتصادية المشرقة خلال الـ40 عاماً الماضية قد لا تكون سبباً وراء ارتفاع معدلات الطلاق كما كان يعتقد سابقاً، بل إن الأمر يتعلق بكيفية تقسيم وتوزيع الأعمال المنزلية، بالإضافة إلى بطالة الأزواج.

وقامت عالمة الاجتماع في جامعة هارفارد أليكسندر كايلولد بدراسة أكثر من 3150 زوجاً خلال فترتين مختلفتين، ومن بينهم 842 زوجاً تطلقوا أو انفصلوا بشكل دائم، وفي كلتا المجموعتين اكتشفت كايلولد أن الأهم من المال هو كيفية تقسيم الزوجين لأوقاتهما ما بين العمل والمنزل.

كما بينت كايلولد أن هناك دليلاً يشير إلى أن الأسر الحديثة التي تقسم الأعمال المنزلية بالتساوي بين الزوجين هي الأقل عرضة للطلاق، وبالرغم من هذه التغيرات إلا أنه يبدو أن هناك بعضاً من مخاطر الطلاق، خصوصاً فيما يتعلق بوظيفة الأزواج.

سهى عبدالسلام، إحدى الزوجات اللاتي عشن مع زوج عاطل عن العمل تحدثت عن تأثير ذلك على علاقتها بزوجها واستقرار أسرتها قائلة “كنت أعاني أقسى المعاناة بسبب البطالة التي يعيشها زوجي لأن وجوده في المنزل طوال الليل والنهار يثير الكثير من المشاكل والخلافات بيننا، حيث أصبح البيت ملتقى للقاء أصدقائه العاطلين أمثاله، وما يزيد هذه المعاناة أنه حينما أعود من عملي أجد المنزل في حالة سيئة، وحين أسأله عن السبب يبادر بالهجوم قائلا: هل تريدين أن أقوم بتنظيف المنزل أم أقوم بتجهيز الطعام؟”.

الزوج الذي اعتاد على العمل والتكفل بأعباء الأسرة، إذا ما اضطرته الظروف لأن يصبح عاطلا، يشعر دائماً أن مكانته صارت أقل شأناً من الزوجة

وأضافت “أنا لا أريد منه أن يفعل أيّ شيء سوى أن يحافظ على نظام البيت، ولكنّ بقاءه داخل المنزل وانتظاره لي حتى العودة من العمل جعلاه كثير الغضب وسريع الانفعال، مما أدى إلى تصاعد الخلافات بيننا، حتى أتى اليوم الذي انزلقت فيه قدمه وهو يصعد السلم وكسرت ساقه، وقيامي برعايته في هذا الوقت، جعله مدركاً لضرورة بحثه عن عمل بعد ذلك بشكل أكثر جدية”.

أما حنان فهي طبيبة، دفعت الظروف زوجها إلى أن ينضم إلى هذه الفئة من الرجال بعد أن كان موظفاً بإحدى الشركات الأجنبية التي انتهت أعمالها في البلاد، فأصبح زوجها بلا عمل ويقضي معظم الوقت داخل البيت.

تقول حنان “بسبب هذه الأزمة تحولت الحياة إلى كابوس، وعرفت الخلافات طريقها إلينا، وصار زوجي عصبياً يثور لأتفه الأسباب وأصبح كثير الأسئلة عند ذهابي إلى العمل ‘إلي أين، ومتى ستعودين. كما أصبح متقلب المزاج، ورغم عصبيته كنت ألتمس له الأعذار، ولكن أتساءل إلى متى تستمر هذه المأساة؟”.

أما عبدالرحمن أحمد، متزوج، ويعمل فيؤكد أن عمل الرجل هو مصدر قوته، فكيف يظل الرجل في المنزل ينتظر الزوجة وعودتها من العمل؟ ويروي أنه كان يعمل في إحدى البلاد العربية لمدة عشر سنوات، ولكنه عاد ليصطدم بالواقع في بلده، فحتى الآن لم يجد العمل مما جعله يعاني الجلوس في البيت ومعايشة ما سمّاه بالفراغ الكامل.

وما يزيد معاناته هو عدم تفهم الزوجة للمشكلة حيث أصبحت تفتعل المشكلات معه لأتفه الأسباب، وتذكره دائماً بأنه لا يعمل وأنها تتحمل أعباء البيت، على الرغم من أنه يساهم في مصاريف البيت من رصيده بالبنك.

ويقول زوج آخر “نحن أقدر على احتمال الشق الأهم في استمرار الحياة، وهو التكفل بأعباء المعيشة، ولكن ماذا يفعل الزوج إذا لم يجد العمل، فإذا قرأت قصص الأزواج الذين تركوا العمل وتفرغوا للبيت وتربية الأبناء، فستجد ما لا يخطر على بال، وكقاعدة عامة فإن الرجل والمرأة قد يتزوجان بعد قصة حب تبدأ عادة في الجامعة، وقد يلاحظ الرجل أن زوجته شديدة الطموح وأنها مستعدة للتضحية بكل شيء من أجل العمل، ومن ناحية أخرى يكون هو بدون طموح فيرتاح لحياة المنزل، ولكن ليس هذا حال جميع الأزواج ولكنه واقع بالنسبة إلى فئة معينة”.

إجلال حلمي، أستاذة علم الاجتماع بجامعة عين شمس، تقول إن “طبيعة الرجل لا تؤهله للبقاء في المنزل وإذا حدث ذلك نتيجة لظروف معينة قد تطرأ على حياة الزوج، فقد تجده يخجل من ذكر ذلك أمام أصدقائه مثلاً، على أساس أن النساء هن الأولى بالجلوس في البيت دون عمل، وخاصة في حالة حاجة الأطفال وإدارة المنزل.. كما أن طبيعة الرجل الشرقي لا تقبل هذه الفكرة ولا يسمح له كبرياؤه بأن يعتزل الطموح ويقوم بعمل زوجته حتى آخر العمر، مما يجعله يرفض هذا الوضع، ويقوم بالتعبير عن رفضه هذا بشتى الطرق ومنها إثارة المشاكل مع الزوجة”.

الزوج الذي اعتاد على العمل والتكفل بأعباء الأسرة، إذا ما اضطرته الظروف بأن يصبح بدون عمل لسبب أو لآخر، يشعر دائماً أن مكانته أصبحت أقل شأناً من الزوجة

وتوصي حلمي المرأة بأن تتعامل مع الزوج في هذه الحالة بحذر شديد، حتى لا تكون سبباً من أسباب زيادة الاكتئاب والانطواء الذي يصاب به الزوج عند فقدانه للعمل، وأن تقوم بتحفيزه بألاّ يستسلم للواقع، وأن تظهر له دائماً ولكن بشكل غير مباشر وحساس أن العمل مهم جداً بالنسبة إلى قتل الفراغ، وأن تقوم المرأة بمشاركة الرجل في حلّ مشكلاته، وأن تمتنع عن سرد حكاياتها التي تحدث لها في العمل أمامه.

ويجب ألاّ تشعره بأنه لا يعمل وهي التي تعمل وتتحمل كل الأعمال والأعباء المالية، وعليها أيضاً أن تضفي على البيت روح الدعابة ولا تشعره أن أمور البيت قد تغيرت بسبب عدم العمل لأن ديناميكية الرجل تعتمد على العمل كإثبات للرجولة.

أما يسري عبدالمحسن، أستاذ الطب النفسي بجامعة القاهرة، فيؤكد أن الزوج الذي اعتاد على العمل والتكفل بأعباء الأسرة، إذا ما اضطرته الظروف بأن يصبح بدون عمل لسبب أو لآخر، يشعر دائماً أن مكانته أصبحت أقل شأناً من الزوجة، وتظهر على هذا الزوج علامات الاكتئاب ويصبح ضعيف الثقة بالنفس، بل ويفقد توازنه ويعبر عن ذلك بتصرفات عدوانية تجاه الزوجة، كنوع من إثبات الذات واستمرار السيطرة، فيصبح الزوج سريع الانفعال والغضب، مما قد ينعكس أيضاً على الأبناء وليس الزوجة فقط حيث يشغل نفسه بالنهي والأمر في العديد من الأشياء، والحل في هذه الحالة هو أن تدرك الزوجة بذكائها كل الأبعاد النفسية والسيكولوجية لزوجها وأن تقوم بمساعدته على تخطي هذه الأزمة، وأن تلفت نظره بشكل غير مباشر إلى أساس المشكلة.

21