بطالة الشباب العربي بين نهم القطاع الخاص وتراجع أدوار الحكومات

لا يكاد يمر يوم دون طوابير ممتدة من الشباب في العديد من العواصم العربية جاؤوا لاهثين بحثا عن فرصة عمل دون جدوى، حيث أدى تفشي ظاهرة بطالة الشباب إلى دق ناقوس الخطر لأن غالبية سكان المجتمعات العربية هم من فئة الشباب، وما لم تسارع الحكومات إلى اتخاذ إجراءات عاجلة لحل هذه المعضلة، فإن أحدا لا يعرف ماذا يمكن أن يصدر عمن انغلقت في وجوههم أبواب العمل والأمل والحياة.
الاثنين 2017/05/08
السباق محموم على فرص العمل

تعد مصر المثال الأوضح للمعاناة من ظاهرة بطالة الشباب من بقية الدول العربية، لأنها الأكثر سكانا في الوطن العربي والأكثر تأثرا بهذه الظاهرة.

وكمحاولة للحل لجأت الحكومة المصرية مؤخرا إلى ما يسمى بـ”ملتقيات التوظيف”، وهي أماكن مجمعة لشركات القطاع الخاص جاءت تعرض ما لديها من فرص عمل شاغرة للشباب، إلا أن هذه الملتقيات لم تنجح في حل أي شيء ليظل الأمر على ما هو عليه.

وتزايد اللجوء إلى ملتقيات التوظيف منذ بداية العام الماضي بعد أن تفاقمت مشكلة البطالة داخل مصر ووصلت نسبتها إلى 12 بالمئة، بحسب أرقام جهاز الإحصاء المصري، في وقت تعاني فيه الشركات والمصانع غير الحكومية من قلة العمالة، وهو أمر ارتبط بثقافة مصرية قديمة لا تحبذ العمل لدى القطاع الخاص وتفضل العمل الحكومي بسبب وعدم وجود رقابة تحمي حقوق العاملين فيه.

وبحسب وزارة القوى العاملة، فإنه خلال الفترة من مايو 2016 وحتى مارس 2017 عقد القطاع الخاص بالتعاون مع الوزارة ثمانية ملتقيات لتوظيف الشباب وبلغ عدد الفرص المقدمة خلالها 82 ألف فرصة من 568 شركة مصرية ودولية خاصة، وبلغ إقبال الشباب على تلك الوظائف 65 بالمئة تقريبا.

كان لافتا في هذه الملتقيات أمران متناقضان، إذ أنه رغم الإقبال الشديد عليها من جانب الشباب (حتى وصل الأمر إلى حدوث إصابات بينهم نتيجة التدافع على التقديم)، فإن الوظائف المطروحة في المقابل لم تكن تتناسب مع الشهادات العلمية للمتقدمين ولا توفر المقابل المادي الذي يلبي طموحات الشباب للعمل في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة، وبالتالي ظلت الأزمة مستمرة.

ومنذ سنوات طويلة وملتقيات التوظيف يتم تنظيمها لكن بصورة مركزية بالقاهرة، وبالتالي فإن المشاركين كانوا يأتون من المحافظات المختلفة وتتم غالبا برعاية من منظمات اقتصادية أجنبية تعمل داخل مصر، وعلى سبيل المثال فإن السفارة الأميركية بالقاهرة تعقد منذ ثلاث سنوات أحد أهم ملتقيات التوظيف التي تتم داخل مصر وتشهد إقبالا كبيرا من الشباب.

رغم إقبال الشباب على الملتقيات، فإن الوظائف المطروحة لم تتناسب مع الشهادات العلمية للمتقدمين

وقالت السفارة الأميركية في شهر فبراير الماضي، إنها نجحت في جذب أكثر من 11 ألفا من الباحثين عن فرص العمل من خلال 72 شركة محلية ودولية عرضت أكثر من 5 آلاف فرصة عمل، فضلا عن الآلاف من فرص التدريب للمصريين المؤهلين.

وقررت الحكومة المصرية منذ العام الماضي إقامة تلك الملتقيات بشكل محلي على مستوى المحافظات المختلفة، وخلال الشهرين الماضيين شهدت محافظات مصرية تنظيم عدد من هذه الملتقيات إلا أن سوء التنظيم وعدم التزام الشركات بالمشاركة وضعف فرص العمل المطروحة، تسببت في مشكلات عدة تهدد إقامتها مستقبلا.

وتسبب تدافع المتقدمين في محافظة الأقصر (جنوب مصر) في إصابة أربعة شبان وهو الأمر ذاته الذي تكرر في محافظة كفر الشيخ (شمال)، وفي محافظة الجيزة (جنوب القاهرة)، كما أعلنت 150 شركة مشاركتها في الملتقى الذي نظمته المحافظة الشهر الماضي، لكن لم تحضر إلا 50 شركة فقط، ما أدى إلى عزوف الشباب عن المشاركة، فيما ارتبطت الوظائف المطلوبة بالأعمال الإدارية البسيطة والأمن الإداري لدى شركات الحراسات الأمنية والفنادق والسفارات، بالإضافة إلى وظائف ترتبط بالتعامل مع العملاء.

وتواجه مشكلة استيعاب الشباب العربي بصفة عامة في أسواق العمل الكثير من المعضلات، أهمها عدم وجود آليات واضحة ومدروسة بعناية للتدريب على الوظائف التي توفرها الشركات، سواء التابعة للقطاع الخاص أو تلك المملوكة للدولة، وبالتالي يجد الشاب نفسه في وظيفة لا يعرف عنها شيئا ولا يدرك ما المطلوب منه فيها بالضبط، وتكون النتيجة هروبه منها عند أول فرصة سانحة للهروب.

كما أن الشركات الراغبة في توظيف الشباب تركز عادة على الجانب التسويقي فقط، بمعنى أنها تريد منهم أن يقوموا فقط بتسويق منتجاتها وليس إشراكهم في صميم العملية الإنتاجية الحقيقية، بما يؤدي إلى عدم تعلمهم شيئا أو لا تتطور مهاراتهم، ما يدفعهم إلى الإيمان بأنهم مجرد “كمالة عدد” وليست لهم قيمة حقيقية.

وأكد أحمد سمير، أحد هؤلاء الشباب المصريين الذين حاولوا الحصول على فرصة عمل من خلال ملتقيات التوظيف، أن هناك العديد من المشكلات تواجه المتقدمين، فبالإضافة إلى عدم التنظيم الجيد والتركيز على العامل التسويقي لتلك الشركات، فإن فرص العمل المعلن عنها تختلف بشكل كلي عن العمل الحقيقي الذي يصطدم به الشاب بعد قبوله في الوظيفة، كما أن المقابل المادي الشهري لا يتجاوز في غالبية الفرص 1200 جنيه فقط (66 دولارا تقريبا)، وهو مبلغ لا يكفي حتى لوسائل المواصلات التي سوف يستقلها الشاب للوصول إلى مقر العمل.

وأضاف في تصريحات لـ“العرب”، أن المشاركة في تلك الملتقيات تنحصر فقط في تقديم البيانات الشخصية للمتقدم دون أن يكون هناك تعريف بالوظائف المطلوبة والشهادات المتخصصة للتقديم فيها، وبالتالي فإن الكثير من الشباب يعزف عن هذه الفرص حتى بعد أن يتم اختياره لشغلها، إذ أن أغلبها يكون من قبل شركات الأمن الخاصة والأعمال الإدارية داخل المطاعم والمصانع الصغيرة، دون أن تكون هناك حرف يستطيع أي شاب أن يتعلم منها.

فرص العمل المعلن عنها لا تتوافق مع انتشار البطالة لدى الحاصلين على شهادات جامعية عليا، إذ أن أغلب الشركات تبحث عن خريجين من التعليم الفني والمتوسط

وأوضح صلاح هاشم، أستاذ التنمية والتخطيط بجامعة الفيوم، أن عدم تحقيق ملتقيات التوظيف للنتائج المرجوة منها يرجع إلى عدم وجود تنسيق بين قطاع الأعمال المصري والشركات المشاركة في تلك الملتقيات، وذلك في ظل عدم وجود اتفاقيات جادة بين الحكومة المصرية والقطاع الخاص لتوفير فرص عمل تتناسب مع مخرجات التعليم المصري، كما أن إقامة غالبيتها على مستوى مركزي (في القاهرة) تفاقم أزمة البطالة بالمحافظات وتصعب من مهام الشباب في الحصول على فرص العمل.

وقال لـ“العرب” إن فرص العمل المعلن عنها لا تتوافق مع انتشار البطالة لدى الفئات الحاصلة على شهادات جامعية عليا، إذ أن أغلب الشركات تبحث عن خريجين من التعليم الفني والمتوسط وليس الجامعي.

بحسب البعض من المراقبين فإن السبب الرئيس في فشل القطاع الخاص العربي في جذب الشباب إليه يرجع إلى ممارساته الخاطئة، من حيث غياب الرقابة الحكومية على توفير ضمانات قانونية للعاملين به تحفظ حقوقهم المادية والصحية، ولجوء العديد من الشركات إلى عدم اتخاذ إجراءات تأمينية اجتماعية على العاملين بها، وهو ما يتضح من الأرقام الحكومية التي تشير إلى أن 8 بالمئة من العاملين بالقطاع الخاص المصري هم فقط من يتم التأمين عليهم.

وذهب العديد من المهتمين بحقوق العمال إلى التأكيد على أن عددا كبيرا من الشركات التي تطلب عمالة شبابية يكون هدفها الأساسي الحصول على شباب حديثي التخرج برواتب منخفضة ليحلوا كبدلاء لكوادر قديمة لديها تحصل على أجور مرتفعة، وبالتالي تكون الفرص المطروحة في الكثير من الأحيان “وهمية” ودعائية وغير مجدية للشاب.

وقال مجدي البدوي، نائب رئيس الاتحاد العام لنقابات عمال مصر لـ“العرب”، إنه على الرغم من أن ملتقيات التوظيف هدفها التعامل مع مشكلة البطالة إلا أنها لا تحدث طفرات كبيرة على مستوى توظيف الشباب، ولفت إلى أن المشكلة الرئيسية التي تقف عائقا أمام نجاح تلك التجارب تتعلق بالتغير المستمر في احتياجات سوق العمل العربية وعدم مواكبة النظم التعليمية العربية لتلك المتغيرات.

وهناك مشكلة أخرى تكمن في تحكم رجال الأعمال في أسواق العمل العربية في ظل انكماش أدوار الحكومات ما يخلق العديد من الأزمات بين العمال وأصحاب العمل، إلى جانب عدم توفير الأمان الوظيفي الذي يبحث عنه الشاب عقب انتهاء تعليمه.

12