بطريرك الموارنة في القدس: سجالات التطبيع

الجمعة 2014/05/09

نقل لي صديقٌ قبل سنوات أنه التقى في باريس مجموعة من الفنانين والمسرحيين من عرب 48، وأنهم في تجوالهم السياحي في العاصمة الفرنسية صدف أن مروا من أمام متجر فاكهة ولفتهم وجود الليمون الممهور بختم يافا معروضا في الواجهة. تفاخر الصديق أمام أصدقائه بأن العرب هنا يقاطعون هذا الليمون، تفاجأ الأصدقاء تبرماً وأخبروه أنه “ليمون البلاد”: فكيف تقاطعوه؟

تختصرُ القصة إشكالية العلاقة بين العرب في الخارج وعرب الداخل في إسرائيل أرضا وتراثا وثقافة واقتصادا. وتختصرُ القصة هذا الضباب الذي يخيّم على السلوك العربي العام إزاء التعاطي مع فلسطين والفلسطينيين تحت الاحتلال. فلئن أصبح ليمون يافا منبوذا، فإن فلسطينيي تلك المناطق أضافوا إلى معاناتهم من الاحتلال معاناةَ القطيعة التي قابلهم بها العرب في الخارج.

في ذلك أن برودةً وارتباكاً صاحبا الكيفية التي تعامل بها النظام العربي مع النواب العرب في الكنيست الإسرائيلي، فيما تعطلت لزمن طويل إمكانات استقبالهم الرسمي بحكم حملهم للجنسية الاسرائيلية وانتمائهم إلى المؤسسة التشريعية الإسرائيلية. وإذا ما اجتهد السياسيون العرب في إسرائيل في شرح أسباب اندماجهم في النظام السياسي الإسرائيلي، لاسيما الكنيست، لجهة استخدام تلك المنابر للدفاع عن حقوق العرب، فإن مقاربة الأمر بقيت عصيّة لم تتحسن إلا بعد “مدريد” و”أوسلو” وما شابههما.

وبينما عملت إسرائيل بمثابرة لا تكلّ لاختراق البيئة العربية المحيطة، فإن النظامَ العربي ارتأى اللجوء إلى المقاطعة مع إسرائيل، ومقاطعة كل من يتواصل معها في العالم. غدت المقاطعة والتشدد في تطبيقها والردح ضد من يتهاون بها هدفاً بحدّ ذاته بغضّ النظر عن نجاعة ذلك وفعاليته في تحرير الأرض أو تخفيف معاناة الفلسطينيين.

على أنه منذ اتفاقيات “كامب دايفيد” ومقاربات “مدريد” وسياقات “أوسلو” ارتخت قبضة المقاطعة، وغدت اللقاءات العربية- الإسرائيلية التفاوضية تارة، والتعاونية تارة ثانية، والإعلامية تارة ثالثة، ظواهر طبيعية في اليوميات العربية. تولّت قناة الجزيرة منذ انطلاقتها كسر محرم المقاطعة الإعلامية (لحقتها فضائيات أخرى بعد ذلك)، وقدمت الوجه الإسرائيلي للبيوت العربية بصفته منتجاً إعلاميا عاديا تمّ تمريره “طبيعيا” في سياق احترام “الرأي والرأي الآخر”.

في إطار تلك الأجواء مصحوبةً بوقائع سياسية تكرّست باتفاق كامب دايفيد مع مصر واتفاقية وادي عربة مع الأردن، حققت إسرائيل اختراقات كبرى فأوجدت لها في العالم العربي سفارات هنا ومكاتب تواصل هناك ومراكز تنسيق هنالك. باتت إسرائيل جزءاً من المشهد حين تنعقد مؤتمرات دولية في بعض البلدان العربية، وبات التطبيع أمراً ناجزاً يؤكده الجرد العربي الموسمي ضد الانتهاكات الاسرائيلية، بحيث تقفل مكاتب التواصل (أو تصبح غير علنية) أو يسحب السفراء في سلوك أقرب إلى العتب من القطيعة.

لكن الأمانة تقضي بالتشديد على أن التطبيع بقيَ دبلوماسيا بروتوكولياً لم يتجاوز القشرة الرسمية، وعجز عن تسجيل اختراقات تُذكر في النسيج الاجتماعي والاقتصادي العربي حتى لدى الدول التي تتبادل مع إسرائيل علاقات دبلوماسية. بقي المزاج العربي العام معادٍ لإسرائيل غير مرحب بالوجود الإسرائيلي (الدبلوماسي أو التجاري أو السياحي)، وبقيت مسألة العلاقة مع إسرائيل والاتصال بها استثناء لطالما يمثّل حرجا وضيقا (لاحظ الجدل الذي أثير قبل أشهر حول زيارة قامت بها قبل أعوام وزيرة السياحة التونسية الحالية آمال كربول لإسرائيل، كما الضجيج الذي رافق الإعلان مؤخراً عن السماح بدخول السياح الاسرائيليين إلى تونس).

وإذا ما كانت زياراتُ العرب إلى إسرائيل نادرةً معدومة، فإن سجالات التطبيع طالت الزيارات التي يقوم بها العرب للأراضي الفلسطينية التي تخضع للسلطة الفلسطينية. ففيما تترددُ شخصيات عربية، خصوصا في عالم الفن، للمشاركة في مهرجانات ومناسبات داخل تلك الأراضي الفلسطينية تحت شعار دعم الفلسطينيين، تعتبرُ أوساط أن ذلك تطبيع لخضوع الأمر لحواجز إسرائيل وقوانين الدخول والخروج لديها. والحقّ أن هذا السجال العربي في الخارج لم يحسمه رأي الفلسطينيين في الداخل. يرى بعضهم في قدوم العرب تطبيعا مع فلسطين وشعبها وتأكيدا للتواصل الطبيعي مع العالم العربي، ويرى فريق آخر أن قدوم العرب تطبيعٌ مع المحتل وخضوعٌ لأمره الواقع.

في ديناميات ذلك السجال ينشطُ هذه الأيام الضجيجُ المتعلق بالزيارة التي سيقوم بها البطريرك الماروني الكاردينال بشارة الراعي إلى القدس بمناسبة زيارة البابا فرنسيس. والضجيجُ مناسبةٌ لتسعير الجدل حول الخطأ والصواب، حول ما هو سياسي وما هو رعوي، حول النافع والضار، حول ما يجوز وما لا يجوز.

وبغضّ النظر عن مضمون السجال المصاحب للزيارة “الرعوية”، وبغضّ النظر عن حوافزه المبدئية أو تلك المرتبطة بأجندات لبنانية محلية، فإن الزيارةَ تُعدُّ سابقةً لم يتجرأ أن قام بها أي بطريرك سابق (البطريرك المعوشي دخل القدس الشرقية عام 1964 لاستقبال البابا بولس السادس يوم كانت تحت السيادة الأردنية)، كما أنها قد تؤسس لعلاقة جديدة للحجاج المسيحيين، لاسيما الموارنة، مع القدس والأماكن المسيحية المقدسة (رئيس أساقفة حيفا والأراضي المقدسة للموارنة المطران موسى الحجّ يبشّر بأنّ الزيارة “ستشجع المؤمنين على القيام بواجباتهم الروحية والرعوية والمدنية من خلال فتح الأراضي المقدسة أمام موارنة لبنان والمسيحيين في المنطقة”). ولاشك أن تلك السابقة ستلتصق تاريخيا بشخص البطريك الراعي الذي لطالما أثارت مواقفه جدلاً، منذ تلك المتعلقة بالشأن السوري مرورًا بالزيارة (الرعوية أيضاً) المثيرة للجدل إلى سوريا في فبراير من العام الماضي.

تحتدُ الأقلام مستنكرةً للزيارة أو مدافعةً عنها، لكن الحدثَ وردود الفعل حوله يعكسان تراجعَ المحرّم إلى مرتبة ما هو قابل للنقاش ويحتمل وجهات نظر. فحتى معسكر الممانعة يبدو ساكتاً تاركاً لبعض الأقلام القريبة التسلي بأمر ذلك. دمشق مشغولة بأزمتها ولا تعترض على أمر لم يجرؤ خصمها أيام الوصاية البطريرك نصر الله صفير المغامرة فيه (رغم أن الأمر عرض عليه لمرافقة البابا يوحنا بولس الثاني).

ولا تبدو طهران معنية بأمر لا يدخل ضمن مشاغلها الحالية (وهي التي تسعى لتوقيع اتفاق نهائي مع العالم حول برنامجها النووي). أما حزب الله فينأى بنفسه عن خوض جدل لا مكان له في أولوياته الراهنة (إلا من تسريبات خجولة عن إمكان أن تثير الزيارة “أزمة داخلية” في لبنان).

بدا أن البطريرك الراعي أدرك ذلك الانقلاب في خريطة الأولويات عند من قد يعنيهم الأمر. تسلّح الرجل بزيارته إلى دمشق رغم اعتراض المعترضين ليقوم بمغامرته المقدسية رغم اعتراض المعترضين. بدا أن محاربة التكفيريين، حسب روايات طهران ودمشق وحزب الله، ستتناقض مع أي تحفظٍ أو أي اعتراض قد يُفهم منه تخويناً للمسيحيين. وبدا أن زيارة بطريرك الموارنة تحظى برعاية مسيحية لبنانية جامعة لم يعترض عليها مسيحيو الممانعة.

على أن أمر الزيارة يُربك مسلّمات وقد يؤسس لأخرى. لبنان دولة في حالة حرب مع إسرائيل تجرّم مواطنيها في حال زيارتهم إليها. وعلى الرغم من الاستثناء الرعوي الذي صاحب اتفاق الهدنة عام 1949، إلا أن الكنيسة المارونية التزمت المقاطعة العربية ودعمت الثوابت اللبنانية في مسألة الصراع العربي- الإسرائيلي. وعليه فإن سابقةَ الراعي التي يبدو أنها تمر بصمت داخلي وإقليمي، قد تعيد رسم مقاربة بعض اللبنانيين لطبيعة العلاقة مع اسرائيل، لاسيما أن الراعي سيلتقي لبنانيين هناك تلاحقهم بيروت قانونيا بتهمة التعامل مع إسرائيل.

قد نعترض ونتحفظ على خطوة الراعي ولزوميتها ومخاطر استفادة إسرائيل منها، لكن ينبغي الاعتراف أن البطريرك الراعي أجاد قراءة التحوّلات التي طالت المنطقة منذ اندلاع «الربيع» العربي، ويجب الإقرار أن سلوك الراعي يتحدى روايات التطبيع ويحثّ على إعادة الاعتبار للأرض والشعب والأماكن جزءا كاملا من الهمّ العربي العام، من خلال تثبيته جزءا من الهمّ الكنسي العام.

الحدث جلل إذا ما قورن بالتحريم الذي فرضه الأزهر (إثر زيارة مفتي مصر السابق الشيخ علي جمعة إلى المسجد الأقصى عام 2012)، كما بالتحريم الذي فرضه البابا شنودة على الأقباط من الحج إلى كنائس القدس المحتلة.


صحافي وكاتب سياسي لبناني

8