بطر الكتابة والبلاد

السبت 2014/03/15

سأكتبُ الليلة دون بوصلة. وحدة النصّ خرافة اخترعها النقّاد الكسالى. قدّامي قفص يلوبُ ببطنه بلبلان كناريّان مأخوذ لونهما من جَزَر يافع . كلما كرعت كأسا سمينةً، زادت رغبتي بفك باب المحبس وتطييرهما. التوصيف الفائت ذكّرني بفلم “العصفور” وهو عصارة من عصارات مخّ العبقريّ يوسف شاهين. هذا الشريط كان انعرض من على شاشة سينما النصر بشارع عبدالمحسن السعدون، من أعمال وأطيان بغداد العباسية المريضة عند مفتتح سبعينات القرن الفائت. لصوص المواسم كانوا سرقوا تمثال السعدون المدهش، بعد أيام قليلات على ميقات دخلة الوحوش الأميركان، بلاد ما بين القهرين. الأيام لم تكن جميلة، لكن مرارتها كانت تشبه مرارة فنجان قهوة عزيز مشفوط بمؤخرة المقهى البرازيلية بشارع الرشيد. فوق مائدتي المنهكة وفي تمام سرّتها، يلبط صحن لبن مخلوط بخيار قويّ مقشّر، صحبة حبّة ثوم سمينة مهروسة تحت صفحة سكّينٍ ثقيلة. أهل العراق يسمّون هذا الصحن الخرافيّ الطيّب “جاجيك” وشخصيا لم أكن مكترثا بالتفتيش والتمحيص في أصل وفصل تلك التسمية الرنّانة.

جرّبتُ غير مرة ومرة، رش صحن الجاجيك بكمشة نعناع يابس مطحون، إلّا أنني لم أستسغْ هذا الاجتهاد الاستطعامي الفائض. محوت الآن من على سطح ذاكرتي، مسألة إطلاق العصفورين الجزريين. قدّمتُ لهما نصف بيضة مسلوقة، وما تيسّر من قشور الخيار الطرية وعلى مطالع تحفة أُم كلثوم السنباطية “رق الحبيب” شرع الذَكر بعزف مقاماته الأربعة، واستدارت أُنثاه المذهلة صوب الجدار. رفعت كأسي بعافية البلبلين وتمنيت لهما ليلة ميسّرة وهانئة، محمولة على أجنحة فراشات ملونات وأحلام سعيدة تخلو تماما من ثقل الأناشيد الوطنية. أُصيب طقس الليلة بعكرة مزاج مباغتة. ريحٌ شمالية تضربُ ريحا جنوبية، ورشقات مطر عنيفة وهطلات بَرَد أو حب عزيز أو حالوب كما تسميه ناسُ العراق المتبغددة حتى وإن كانت تطل على مشوى أجساد عظيم. ألحالوب فتق مخّي على وجه رجل رافدينيّ عجيب كنيته المعلنة المواربة هي أبو حالوب، وقد أدركته ستّ مرات منزرعا على كرسيٍّ أزليٍّ من مطالع مقهى الروضة الحلوة بدمشق الشام قبل خرابها.

أبو حالوب لم يبدّل كرسيه، وطيور الشتات ما انفكّت تسأله عن محبّين مرّوا من هنا، فيجيبهم بما تشتهي الأنفس وتطيب وتطمئنّ.

أشتهي اللحظة أن أُذيّل مكتوبي هذا، ببيت شعر بديعٍ، خلَقَهُ مخيال الشاعر المظلوم المتيّم أحمد بن محمد الأفريقيّ، وقد سمعتهُ أول مرة، سائحا مرتّلاً مدوزنا من فم أبي عليّ الطهور عبدالوهاب البياتي، عند أوشال ليلة من ليالي ربة عمّون الحميمة:

فرّوا إلى الراح من هَمٍّ يلمُّ بهم

فما درَتْ نُوَبُ الأيّام أينَ هُمُ

24