بطل الشاشات والممثل البارع في حياة وقائعها تشبه رواية

هناك من الأشخاص من تعدّ حياته خارجة عن المألوف، لما تزخر به من أحداث هامة، وتصلح وقائعها لأن تكتب في رواية أو يتمّ استلهام مواقف منها لتأثيث فيلم أو مسرحية، وأغلب هؤلاء الأشخاص هم من القادة الأفذاذ والزعماء الذين تميزوا وبرزوا على مدى التاريخ البشري. ومصر وإن عرفت بفراعنتها القدامى الذين حيكت حولهم الحكايات والأساطير، فقد عرفت أيضا بقادتها المميزين وخاصة في ما بعد عصر النهضة، إبان القرن العشرين، أمثال سعد زغلول وجمال عبدالناصر وأنور السادات، وهذا الأخير كان مؤخرا موضوع منجز إبداعي للمؤلف الفرنسي روبير سوليه وسمه بـ”السادات”.
السبت 2016/01/09
أنور السادات شخصية أشبه بأبطال الروايات

يؤرّخ الصحفيّ والروائيّ الفرنسيّ روبير سوليه في كتابه “السادات” سيرة حياة الرئيس المصريّ الأسبق أنور السادات (1918- 1981)، بطريقة حكائيّة توثيقيّة، معتمدا على الروايات المتقاطعة عنه في مواقف مختلفة، سواء كان ما ذكره السادات نفسه في كتبه وسيرته وخطاباته، أو ما ذكره المحيطون به والمشتغلون معه في مذكّراتهم وسيرهم عنه.

يكشف سوليه في كتابه، الصادر سنة 2015 عن دار نوفل ببيروت، بترجمة أدونيس سالم، عن جوانب شخصية السادات المتناقضة، وتحوّله من فلّاح بسيط في الريف إلى رئيس أكبر دولة عربيّة، وعن سياساته المتخبّطة، وانتقاله من معسكر إلى آخر، وصولا إلى زيارته لإسرائيل وتوقيعه معاهدة كامب ديفيد، وانتهاء بلحظة اغتياله، وكيف أنّه تسلّل من الظلّ إلى الواجهة ليلعب دورا كبيرا في بلده وفي العالم العربيّ.

شخصية متناقضة

يذكر سوليه أنّ حياة السادات أشبه برواية. ويقول إنّ المراهق المتحدّر من عائلة فلّاحين، والذي حلم بأن يصبح ممثّلا، انتهى به المطاف إلى أكبر مسارح العالم، وقد كان ضابطا شابّا حين خطّط مع جواسيس نازيّين في خضمّ معارك الحرب العالمية الثانية لمحاربة المحتلّ البريطانيّ، فطرد من الجيش، وسجن، ثمّ فرّ وعاش حياة التخفّي وشارك في عمليات اغتيال، ليعود بعدها إلى السجن، ثمّ إلى الجيش. وهو الذي أذاع عبر أثير راديو القاهرة في 23 يوليو 1952 بلاغ استيلاء الضبّاط الأحرار على السلطة.

يتحدّث سوليه -الذي ولد في مصر سنة 1946- عن تفاصيل كثيرة في حياة السادات الشخصية، ابتداء من طفولته الفقيرة، وزواجه الأوّل في القرية وإنجابه بناته وطلاقه، وتعرّفه إلى زوجته الثانية جيهان التي أصبحت السيّدة الأولى في مصر، ودورها في مراحل حياته. ويؤكد أن تناقضات تلك الشخصية أكبر بكثير من أن تسمح بتقديم إجابة حاسمة.

يقول صاحب رواية “مزاج” إن السادات الذي استلم عددا من المناصب الشكلية في الدولة قبل أن يتولّى منصب نائب الرئيس، لم يكتف بأنه لم يعارض عبدالناصر قط، بل كان دائما على اتفاق معه، واعتاد التعبير عن ذلك بأن يهتف بكلمة “صح”، كلّما عبّر عبدالناصر عن رأي، ويضيف: كان عبدالناصر يتسلّى بذلك، حتّى أنّ البعض سمعه يلقّب السادات بشيء من الاحتقار بـ“البكباشي صح”.

الكتاب في أكثر من فصل منه، يؤكد على أن شخصية السادات كانت متناقضة تماما، وأنه كان أشبه بممثل بارع

يروي سوليه أنّ السادات الذي استمرّ في ظلّ صديقه جمال عبدالناصر سنوات، شرع بعد استلامه السلطة في عملية محو كل أثر للناصرية. ويجد أنه في عهده نقلت مصر البندقية من كتف إلى كتف بطريقة لافتة للأنظار، متخلية عن التعاون الوثيق مع الاتّحاد السوفييتي لأجل تحالف مع الولايات المتّحدة، وعن الاشتراكية لأجل الليبرالية وفوق ذلك، ارتبطت بمعاهدة سلام مع إسرائيل أدّت إلى نبذ مصر من العالم العربيّ.

يشير سوليه إلى أنّ حرب أكتوبر سمحت للسادات بإسكات منتقديه ووضع نفسه في دائرة الضوء، فتخلّص من ظلّ سلفه الذي بات من الممكن أخيرا نزع صوره. وأنّه بات سيّد مصر بلا منازع. ويستشهد برأي للأديب الراحل نجيب محفوظ الذي قال حين أصبح السادات رئيسا لمصر “لم أتصوّر أبدا أن يكون هو خليفة عبدالناصر، ولمّا حدث ذلك بالفعل اعتبرتُ المسألة غاية في السخرية والسخف”. ويذكر أنّه خلال جنازة عبدالناصر أسرّ السادات في أذن الممثّل الرسميّ للولايات المتّحدة الأميركية، إليوت ريتشاردسون “جرّبوني تجدوا رجلا آخر”.

كما يعتمد على رأي محفوظ في سياسة الانفتاح التي انتهجها السادات، “الانفتاح تحوّل إلى أسلوب خاطئ للحياة، وأصبح شاغل الناس هو جمع المال بأي طريقة وفي أسرع وقت دون النظر إلى أي قيمة أو مبدأ أخلاقيّ. فظهرت طبقة جديدة من أصحاب الملايين تنظر إلى الثقافة الحرّة نظرة عدائية، لدرجة أنّ أكبر مكتبتين في القاهرة تحوّلتا إلى محلّين لبيع الأحذية”.

طابع إمبراطوري

يؤكّد سوليه في أكثر من فصل أنّ شخصية السادات كانت متناقضة تماما. فقد شعر دائما بالحاجة إلى أن ينعزل ويفكّر وحيدا، إلّا أنّه كان أيضا يحبّ أن يلقي خطابا لساعات على منبر، أو يستسلم، مثلما يفعل الممثّلون البارعون، لعدسة كاميرا تفاجئه في كلّ الوضعيات الممكنة. ويلفت إلى اتّسام فترة رئاسته بأنّها ذات طابع إمبراطوريّ. وإلى أنّه راح يتماهى مع مصر ولا يفرّق بينها وبين شخصه حين يتكلّم، لدرجة أن تصوّر نفسه فرعونا معاصرا.

الفرنسي روبير سوليه يروي في كتاب مشوق سيرة السادات

يعتقد سوليه أنّ السادات الذي مُنح جائزة نوبل مناصفة مع مناحيم بيغين 1978 راح كفيلسوف، أو حتى كمرشد روحي، يكتب سلسلة من النصوص نشرت بعد موته بعنوان “وصيتي”، وقد عبّر فيها عن نفسه، مستفيدا من خبرته السابقة كحاكم، ومعتقل سابق، وفارّ سابق من وجه العدالة، و“فلّاح” بأسلوب غير معتاد من رئيس دولة.

يلفت إلى أن السادات قام من جديد -وكما تصرّف حين طرد الخبراء السوفييت- بخطوة من جانب واحد، من دون أن يطلب شيئا في المقابل؛ قد يظنّ أنّ رحلته إلى القدس ستسمح بكسر حاجز نفسيّ يحول دون قيام أي سلام في المنطقة، فراهن على الطابع الاستعراضيّ لمبادرته لإنهاء حرب عمرها ثلاثون عاما. كان كفلّاح من مصر العليا يرغب في وضع حدّ لتاريخ ثأر لا تنتهي فصوله، فيذهب إلى عدوّه باسطا قماش عمامته على ذراعه، وهو قماش بحجم كفن، فإذا ما أوصد في وجهه الباب، لا يبقى أمامه إلّا أن ينتحر. أمّا إذا فتح، فيمكنه أن يحلّ فورا خلافا قديما جدّا.

وفي إشارة إلى مشقة ما كان يقوم به السادات، يلفت سوليه إلى أنه للتخفيف من مسؤولية السادات يمكن التذكير بأنه ورث بلدا مفلسا ومذلولا، تسيطر عليه بيروقراطية تمتد إلى كل مفاصله وتشلّ حركته، على خلفية من الرعب البوليسي. ولم تكن لديه ثقافة تشرشل أو ديغول، فقد تابع دراسات ثانوية كيفما اتّفق، ولم يحظَ بدعم عائليّ حقيقيّ، فانتسب إلى الكلية الحربية في سنّ الثامنة عشرة، ثمّ دخل السجن بعدها، وأطلق سراحه ليعمل في بعض الأعمال، قبل أن يعود إلى الجيش. وقد حاول سدّ تلك الثغرات إلى حدّ ما بالقراءات واللقاءات والحدس.

يصف سوليه حادثة اغتيال السادات بأنها منحت الممثّل الذي أراد السادات أن يكونه، نجم التلفزيونات الغربية، فرصة الظهور في مشهد أخير، مأساوي، منقول مباشرة على الهواء. وكأنّما تلك اللحظة الأخيرة في حياته والتي تشبه إلى حدّ كبير الروايات، قد صُمّمت خصّيصا للشاشة الصغيرة.

ثمّ يتساءل الكاتب إن كان يجب أن نرى في السادات رجل دولة عظيما، صاحب شجاعة ورؤية سديدة، قد سمح لمصر بتحقيق السلام مع إسرائيل واسترجاع سيناء؟ أم سياسيا ماكرا قاد بلاده إلى طريق مسدود، وفتح الباب أمام التطرف الإسلامي؟ ويخلص في الختام إلى أن تناقضات تلك الشخصية أكبر بكثير من أن تسمح باستنتاج إجابة حاسمة.

17