بطل مسرحي يحاول كل يوم خميس استرداد ذاته المُغيّبة

"خارج المجموع" عمل مسرحي يناقش إشكاليات القولبة المجتمعية.
الأربعاء 2021/03/31
الآخرون يحاولون السيطرة على كل مختلف

لقد فرضت المجتمعات على تعاقبها وتطورها إيجابا وسلبا على الأفراد الذوبان فيها والانسياق إلى توجهاتها الدينية والفكرية وحتى الذوقية والوجودية في نوع من التماهي لا تقبل هذه المجتمعات أن يشذ الفرد عنه. ولئن خففت المجتمعات الأوروبية بفعل الحداثة من الأمر وأعادت للفرد اعتباره فإن المجتمعات العربية لا تزال غارقة في هذه الظواهر، وهذا ما يعالجه العرض المسرحي المصري "خارج المجموع".

يستشكل العرض المسرحي المصري “خارج المجموع” مسألة المعايير التي يضعها المجتمع وتُفرض على الإنسان وتقتل أناه الخاصة وذاتيته المُتفردة، ما يجعل كل فرد في اضطرار دائم للخضوع لها بوعي أو دون وعي، لأن كل محاولة للخروج عن النسق المُعتاد ستكون مروقا يحاربه الجميع ويستهجنه، ويُحدد سلفا بعدم قيمته أو أهميته.

من منظور يُشبه الحياة الإنسانية لكل فرد برحلة ذات بداية ونهاية مُحددتين سلفًا، يصبح أهم ما في هذه الرحلة أن يصير المرء ذاته، أن تكون رحلته تلك تعبيرًا عن شخصيته غير المُنقادة أو المُقيّدة بقواعد موضوعة سلفًا ومفروضة جبرًا. من هنا تكتسب الرحلة، طالت أم قصرت، مُتعتها وخصوصيتها، لكن الوصول إلى ذلك يُمسي أحيانا مُجرد أمل تُبدده قيم المجتمع ومُحدداته القاسية.

يقدم العرض المسرحي الذي أنتجته فرقة “مسرح الإسكندرية” هذه المضامين بصورة فنية من خلال أُمسية في حياة خمس شخصيات هم: المُهندس رمزي الذي يقوم بدور البطولة، و”مستر” حازم الشاب الثري والمغرور، وحسن الشاب الفقير الحاصل على تعليم متوسط، وصديقه “حمو” الذي لم ينل أي قسط من التعليم، وزينب النادلة في مطعم فاخر تدور الأحداث داخله.

الغائب الحاضر

هناك ميل مشترك لدى الجميع للحكم سلبا على الآخر المُختلف عنهم أو غير المفهوم بالنسبة إليهم
هناك ميل مشترك لدى الجميع للحكم سلبا على الآخر المُختلف عنهم أو غير المفهوم بالنسبة إليهم

ثمة شخص مُتخيّل وغائب ترتبط به فكرة العرض المسرحي وترتكز عليه هو “رضا” الذي يتخيّله البطل جالسًا أمامه ويُوجّه إليه الحديث ويُشاركه الطعام والشراب، وتُمثل تلك الشخصية نقطة ارتكاز لكل ما يُغيّبه المجتمع في ذات كل إنسان، ليجعله مُلتزمًا بهيئة وسلوك ومسيرة قد لا يختارها، بينما يحتفظ في داخله بشخص يتوق للتحرر من أسر التقليد والقدوم إلى حيز الوجود الحقيقي، لكن لا يُقيّض له تحقيق ذلك.

في يوم الخميس من كل أسبوع يختار البطل في عرض “خارج المجموع” الاستئناس بذاته المُغيّبة في مكان عام ومُكتظ عبر استعادة ما أراد أن يكونه والتحرُر من الصورة المثالية المرسومة له مُتجاهلًا النظرات المُستهجنة والتعليقات المُعترضة.

الفكرة الرئيسة في العرض الذي ألّفه وأخرجه أحمد عبدالجواد لم تجد ما يدعمها بوضوح لدى الشخصيات الأخرى في العمل أو يمد خيوطها حتى لدى ذلك البطل، فالقصة التي قُدّمت حول الشخصيات الأخرى بدت دون عُقدة قوية وأسمهت في تهلهل الفكرة التي كان يمكن تقديمها بشكل أكثر تماسكًا وتأثيرًا لا يتجاوز تقديم شخصية “المهندس رمزي” تلك الحدود ليتشتت العرض بعد ذلك في قصص أخرى لم تتم بلورتها بالشكل الملائم.

رغم أن رسم الشخصيات كان مقبولًا، وعززّته الملابس والأداء الجيّد للممثلين، فإن العمل عانى من خلل في حبكته

أراد مؤلف العمل أن يمد خيط الفكرة على سائر الشخصيات بتفاصيل مختلفة، فقدّم شخصيّة حسن الذي يُحب النادلة زينب بصدق، مع ذلك يُخضع عقله لما فرضه المجتمع من قواعد حول الرجولة الحقة، بما تعنيه من ضرورة توافر الممكنات المادية لدى الرجل كي يكون حاكمًا لزوجته ومُسيطرًا عليها.

في الآن ذاته تفوق حسن الذي نال تعليمًا متوسطًا في الرسم وأتقنه، إلا أن المجتمع لا يعترف بنبوغه لأن الرسم “خارج المجموع” في الدراسة، أي لا تُضاف درجاته إلى مجموع الدرجات في المراحل الدراسية المختلفة، ومن ثم يحدد بكونه بلا قيمة.

الشخصية الثالثة التي قدّمها العرض “مستر حازم” كنموذج مُمتثل ومتماهِ تماما مع معايير المُجتمع، فهو شديد الثراء وتلقى تعليمًا جيدًا بما حازه من درجات تُضاف للمجموع، وتتحدد نظرته للناس بمعيار مظهره، وما يدل عليه ذلك المظهر من مستوى اجتماعي ومادي، ويشرع في التعامل مع الصديقين الفقيرين حسن وحمو بتعال وعجرفة تُنحي عنهما كل ميزة وتخصُهما بكل المثالب.

مع ما يخص كل شخصيّة نجد الميل المشترك لدى الجميع إلى الحُكم على الآخر المُختلف عنه أو غير المفهوم بالنسبة إليه وتصنيفه والسُخرية منه، فجميعهم اشترك في السُخرية من المُهندس رمزي الذي يتحدث إلى الفراغ، وتباروا لمعرفة ما يُخفيه عن نفسه.

حبكة فنية ضعيفة

Thumbnail

رغم أن ذلك الرسم للشخصيات كان مقبولًا بدرجة ما، وعززّته في العرض المسرحي الملابس المُعبّرة عن المستوى المادي لكل شخصيّة، والأداء الجيّد والكوميدي للممثلين، فإن خللًا في حبكة العمل المسرحي جعله فاقدًا لأثر فني أو تأثير عميق يُلامس المشاهد ويجعله مُتماهيا مع أزمات الشخصيات، إذ بدت التحوُلات في مواقف الشخصيات فجائية وبإيقاع سريع غير مُقنع.

المشهد الأكثر وضوحًا في تلك النقطة هو افتعال التأثُر بانتهاء قصة الحب بين حسن وزينب لكونه احتكم في تفكيره لما هو سائد من معايير. بدا الافتعال من خلال ما أنشده بطل العرض وهو المُخرج والمؤلف في الآن ذاته من أبيات في قصيدة الأطلال “وإذا النور نذيُر طالع، وإذا الفجر مطلٌ كالحريق، وإذا الدُنيا كما نعرفها، وإذا الأحباب كلٌ في طريق”، ليجعل من قصة الحب التي لم تتشكل، والواهية في الحبكة المسرحية ذروة العمل، بما لا يتناسب مع منطقية ذلك الخيار.

ولأن عُقدة المسرحية جاءت غير مُقنعة، فإن نهايتها كانت على القدر نفسه من المفاجأة والضعف، إذ اقتصرت على خروج الشخصيات تباعًا من المطعم دون سابق مُبرر قوي أو منح الفرصة الكافية لاختمار عُقدة العمل وفكرته الرئيسية، ما أفصح عن خلل في كتابة العمل جعله ينحرف عن مسار الإقناع والتأثير.

يأتي العرض المسرحي “خارج المجموع” في إطار مُبادرة “المؤلف مصري” التي قادتها وزارة الثقافة المصرية في أواخر العام الماضي، وأشرفت عليها فرقة مسرح الإسكندرية بقيادة المُخرج محمد مرسي، وهدفت إلى إنتاج عشرة عروض قصيرة وتصويرها بشكل احترافي للعرض “أونلاين” على قناة وزارة الثقافة المصرية على يوتيوب في الشهور الأخيرة من العام الماضي، وقُدِّم العرض للمرة الأولى في الإسكندرية ويتكرر عرضه حاليا على مسرح الطليعة في القاهرة.

ومع كل ما تمثله المُبادرة من جهود طيبة تستهدف إثراء الساحة الفنية بعروض جديدة وتشجيع الشباب على الكتابة المسرحيّة التي تُعاني ضعفًا بالفعل، فإن ثمة حاجة ماسّة لبذل مزيد من الجهد من قِبل مُحترفي الكتابة للمسرح لتطوير الأفكارالتي يُقدمها الشباب، بما يمكّن من تعزيز جودة الكتابات والعروض المسرحيّة. ويذكر أن العرض يقوم ببطولته كل من محمد الكوتي وإسلام وسوف وسارة فؤاد وأحمد عبدالجواد وإسلام عوض.

Thumbnail
15