بطل من هذا الزمان: المثقف التونسي منشقا ومتذبذبا ومندهشا

يقول المفكر الأميركي نعوم تشومسكي ردا على سؤال ما هي مهمة المثقفين “أن يقولوا الصدق ويفضحوا الأكاذيب”، مهمة خطيرة وكبيرة تلك التي ينيطها تشومسكي بالمثقفين، ولكن الواقع المتقلب اليوم هل مازال ينتج مثقفين حقيقيين وعضويين بالمعنى القرامشي؟ وماذا أيضا عن الواقع التونسي اليوم الذي تسيطر عليه السياسة بعد تجربة أربع سنوات من الثورة، وماذا عن علاقة رجل السياسة، الذي يحتكر كامل المشهد الاعلامي، بالمبدعين والمثقفين الذين مازالوا يعيشون حالة من التذبذب والدهشة؟ أسئلة كثيرة وواقع متداخل ومحفز على التساؤل دفعنا إلى طرح هذه الإشكالية الكبرى المتفرعة على جملة من السياسيين والمثقفين التونسيين “هل انتهى زمن المثقف العضوي بالمفهوم الغرامشي وأصبحنا نعيش زمن المثقف المدجن “العظمي” الذي يرضى بعظمة صغيرة من السلطة في شكل منصب صغير مقابل صمته؟ المثقف والسلطة أيّ علاقة اليوم في الواقع التونسي خاصة مع سيطرة الطبقة السياسية على المشهد؟ ولماذا بقيت هذه العلاقة في تجاذب وتنافر وصراع على مرّ التاريخ ولم ترق إلى مستوى التكامل.
الأحد 2015/11/29
المثقفون في تونس، أي واقع

الطاهر هميلة: المثقف الحقيقي نقدي بالضرورة

قضية المثقف قضية معقدة جدا وقد عالجها مالك بن نبي معالجة دقيقة، بالنسبة إلى قرامشي كان عقائديا ماركسيا وكان يرى في المثقفين الذين يتعاملون مع السلطة وكان يسمّيهم “الكلاب”، وأن المثقف من حيث المبدأ يجب أن يكون ناقدا أو لا يكون والمثقف لا بد أن يخضع لصرامة النقد فهذا هو المفكر الذي يراقب الأحداث ثم يقف منها الموقف الذي يراه صوابا.

ولكن في الجانب الآخر كان مالك بن نبي يسميهم المتثاقفون الذين يستعملون وجه الثقافة وبريقها لمآرب شخصية، وفكرهم عادة يكون فكرا تبريريا في الدفاع لمن يلتزمون في الدفاع عنه مقابل المناصب والعظمة وهؤلاء هم الانتهازيون لأنهم سرعان ما يتغيرون ويبدلون مواقفهم. ونظرا لأن الظرف اليوم يقوم على النفعية البراغماتية فإنك تجد فيضا من المثقفين الذين يعملون لمصلحة أهدافهم الخاصة وهؤلاء هم المتثاقفون بامتياز.

أما المثقف الحقيقي فإنه يلتزم دوما بالحراك على قاعدة النجاح مطلوب منك والفشل محسوب عليك وهو الذي يحمّل المسؤولية لأصحابها ولا يبحث أبدا عن مبررات لا تقاضيهم، ولذلك نقول إن المسألة الثقافية اليوم يغلب عليها الإيهام والغموض لأن النفعية هي المعيار. ومن حيث الواقع التونسي يجب علينا أن نبحث عن المثقفين بالمعنى الحقيقي، هل لدينا مثقف نقدي حقيقي وشخصيا لا أرى مثقف ناقد حقيقي يخضع لمنطق الصرامة في التقييم، بل أرى أناسا يزعمون التثاقف ولكنهم يمارسون السياسة بروح أيديولوجية أو براغماتية وانتماءات عقائدية ولقد رأينا هذا جيدا في بعض الوزراء في تونس الذين تقلدوا الوزارة بعنوان الحيادية. فمثلا وزير العدل السابق الذي كان بالأمس محايدا هواليوم رئيس قائمة انتخابية لحزب النهضة.

ونرى شخصا آخر هو رئيس قائمة لحزب حاكم في تونس ويرشح نفسه لمنصب رئيس الجمهورية على أساس أنه مستقل.

ولذا أقول المسألة الثقافية مازالت غامضة وأعتقد أن الثورة في تونس لم تقع إلا في نصفها السياسي والاجتماعي، أما النصف الثاني الثقافي فلم يقع بعد ولذلك فهي مبتورة ونصف ثورة ولذلك هي عادة ما تكون مقبرة للأحلام والتطلعات. وقد قال ابن خلدون “اعلم أن السيف والقلم كلاهما آلة يستعملها الأمير في أمره” وكمثال على ذلك عبدالله بن المقفع مع الأمير مروان الثالث، فابن المقفع مثقف خدم السلطان بينما الجاحظ هو مثقف خدم الثقافة ولم يخدم السلطان.

كاتب وسياسي

حافظ خليفة: المثقف مهمش

إن حال هوية مثقف اليوم هي وليدة سنوات التهميش التي عاشها النظام التعليمي والرقابة الثقافية إبّان العهد البائد ومن محاولات لتغيير قيم الشعب وأسس الهوية الثقافية للبلاد، فبن علي وعصابته وعيا أن خطر الثورات يكمن في مدى تأثير المثقف في الشارع.

وللأسف فإنّ هبوط وترهل المستوى الذي أصبح عليه المستوى الجامعي خلق لنا فئة من مثقفي رؤوس الأقلام الذين ليس لهم من همّ إلا الارتزاق والعيش تحت الظل، وكلنا نعلم أن أعظم الثورات التي قامت كانت وليدة نضال المثقفين في بناء مفهوم الحرية وشحذ همم الشعب ناهيك وأن العديد من المثقفين قد انصهروا في منظومة الحاكم فأضحوا عصا في يد الجلاد.

ولهذا لم يكن للمثقف دور في ثورة 14 جانفي الذي وجد نفسه وقد تجاوزته الأحداث فأمسى مرة أخرى في حالة تيه أمام هذا الانفجار السياسي الذي لم يستوعبه إلى حد الآن.. كما نراه ضعيفا واهنا أمام مد ثقافة الاستهلاك وأشباه الاشباه الذين أفرزتهم فترة فكر بن علي والذين يتصدرون الآن مصادح الإذاعات والقنوات الخاصة وما يقدمونه من رداءة وقلة ذوق وجهل ومسخ لكل القيم التي طبعت هويتنا التونسية العربية الإسلامية.

مخرج مسرحي

كمال بوعجيلة: عدو الانتهازيين

المثقف العضوي هو العنصر الفاعل داخل مجتمعه

“من عارض السلطان زهد في الدنيا” هذه مقولة قديمة من خلالها يمكن أن نصنف المثقف إلي صنفين.. صنف أول راغب في الدنيا ومباهجها لا مناص له من التمسح على عتبات السلطان “الحكام” والتودد لهم طمعا في مكاسب ومنافع شخصية. وعادة ما يكثر هذا الصنف في المجتمعات المحكومة بالدكتاتوريات كالمجتمعات العربية وهنا يوظف قلمه وكل إمكانياته لمدح هؤلاء الحكام وإبراز مناقبهم وفضائلهم..

وصنف ثان يلتزم بالدفاع عن القيم والمبادئ الإنسانية وقضايا الشعوب العادلة والانتماء والانحياز إلى هذه القضايا كتابة وفعلا وهذا حسب رأيي ما يعني به قرامشي المثقف العضوي وقد تحدث عنه سارتر حين تناول قضية الكتابة والالتزام.
إن المثقف العضوي هو العنصر الفاعل داخل مجتمعه والذي يقف في وجه الساسة الانتهازيين ورجال الدين المحتالين وكل الوسطاء والسماسرة مهما كلفه ذلك، فهو المدافع عن قضايا شعبه بل قضايا شعوب الأرض ومعركة الحرية والمساواة والعدالة هي معركته المستمرة منذ قرون.

كاتب

كمال الرياحي: حقيقي لأنه منشق

على الرغم من أن غرامشي كتب الكثير وقال الكثير مازال العرب يرددون عبارته “المثقف العضوي” كبديهة، وسنفترض جدلا أنهم يفهمون العبارة في سياقها، إلا أن ما يعنينا فعلا هو راهنية المثقف.

حقيقة هوية هشة للمثقف العربي
ما رأيته في تونس مثلا من تهافت “المثقفين” على التحزّب في وقت من المفروض أن البلاد تحررت من نظام كلياني شمولي يؤكد لي أن المثقف التونسي يعاني من مرض متلازمة ستوكهولم أي أنه لا يستطيع أن يعيش إلا داخل واقع التثكين. والغريب أن هذه الظاهرة انطلقت بعد الأيام الأولى للثورة التونسية بظهور لجان حماية الثورة ومجالسها.
وهو نفس الشيء الذي حدث في مصر فقد ظلّ المثقف ألعوبة الأنظمة السياسية حتى في أزمنة أزماتها وضعفها، ويعكس هذا الوضع حقيقة هوية المثقف العربي الهشة الذي لا يمكن أن يكون سيد قراره وسيد نفسه إلا ما ندر من المبدعين والمثقفين الذين ينظر إليهم كخارجين عن الصف.

فالمثقف ما إن ينادى ليتقلد منصبا حتى يركض راميا بمشروعه الإبداعي جانبا متنكرا لمبادئ لطالما دافع عنها ليخلق من حوله التوازنات الضرورية التي يحتاجها في منصبه السياسي الجديد.

لقد فوّت الكثير من المثقفين والمبدعين التونسيين فرصة أن يكونوا أحرارا واختاروا كأسلافهم من العبيد في عهد الباي الذي حررهم أن يعودوا بالقوة إلى العبودية.
المثقف في تونس منتم بالضرورة أيديولوجيا ومن ثمة فهو خاضع للانتماء سياسيا وغير قادر على نقد أيديولوجيته أو ممارستها ويكفي أن نذكّر ببعض المثقفين الذين أرادوا أن يكونوا أنفسهم وما تعرضوا إليه فها هو الشاعر كمال بوعجيلة يعنف في فرنسا من اليساريين لأنه انتقدهم وهو اليساري العريق وها هي ألفة يوسف تنسحب من حزب نداء تونس لتطالها شتائم واحتجاجات من زملائها من المثقفين في الحزب وغيرهما الكثير.

ليس هناك سلطة في العالم يمكن أن تتصالح مع المبدعين ولا أن تتناغم إلا بمنطق الهيمنة فالمبدع الحقيقي منشقّ دائما وهي لا يمكن أن تأتمنه حتى إذا ما أعلن انتماءه لها.

كاتب روائي

منصف المزغني: المثقف العضوي لا يوجد إلا في خيال غرامشي

السياسي في تونس احتل المشهد الإعلامي احتلالا كاملا

المثقف العضوي هي تسمية مثالية يرنو إليها الانسان الذي جعل من التفكير والخيال والإبداع مهنة فهو لا يُحسن غيرها وهي عنده وجود وأسلوب حياة قوامه التأمل والتفكير.

فلا يمكن أن نحمّل وزر هذه التسمية إلاّ للمثقف الحزبي المنتمي إلى تنظيم محدد في معالمه الأيديولوجية ومراجعه، وهذا الصنف لم يوجد إلا حلما في خيال أنطونيو غرامشي.

إن المثقف هو المنتمي إلى مجال الفكر والبحث، ومجاله التأمل في المجريات من حوله، وقول ما يحلو من جهة البحث والاستقصاء، بل يمكن القول إن مثل هذا المثقف نادر ندرة المثقف العضوي.

ولكم رأينا وسمعنا مثقفين موهوبين في التبرير لأعمال السياسي، كما أن السياسي سعى إلى شراء ذمة أكثر المثقفين بهدف الحصول على صكّ غفران وصمت مقابل صكّ مالي أو عطايا أو مسؤوليات ومناصب.

ليس دور المثقف في الواقع أن يقول ما يعجب السياسي الذي يشتغل على الواقع الحيّ اليوميّ المتحرك والمتقلب مما يستدعي تبريرا يوميا وخطّا تحريريا يلتزم باستخدام الكذب، بل إن الكذب هو أساس في لسان السياسي، ولقد سبق للفرنسي جان بول سارتر أن قال في مسرحيته “الأيدي الوسخة” على لسان أحد أبطاله “لكي تشتغل بالسياسة لا بد أن تكون يداك وسختين”.

أظنّ أن اختيار الثقافة والفن والفكر إجمالا يحتّم القيام بمسافة من السياسة خاصة في العالم الثالث (عشر) الذي يتميز لا بانقلاب رجل السياسة على زميلة رجل السياسة، ولكن على المثقف الذي لا بدّ للمجتمع المدني ومؤسساته أن تحفظ له حقوق حياة كريمة مقابل إنتاج أفكار وفنون، بصرف النظر عن وجهتها السياسية. لقد احتل السياسي في تونس المشهد الإعلامي احتلالا كاملا، ونحن نحلم أن نعيش في تونس مرحلة استقرار قادمة، بعد الانتخابات الأخيرة، فقد سبق للمثقف والفنان أن عاشا رعباً في عهد الثورة ومحاولات ترويض، وباءت كلها بالفشل، وهذا الاحتلال السياسي يعكس اختلالا في المشهد، فلا بد أن يعود السياسي إلى مقرّه الحزبي ويشتغل على اليومي في حياة الناس، ويعمل على كسب الأنصار، أما المفكر أوالفنان فواجبه يملي أن يعود إلى مكتبته ومرسمه وأدوات التحليل والتأمل وإنتاج الأفكار الإبداعية الخلاقة.

ولا مناص للمثقف من أن ينتهي من الطمع في ما لا طمع فيه، وما لا جدوى منه إلا وهو العمل في الميدان الحزبي والسياسي الضيق لأن المثقف يتحرك في الحقيقة في مكان أكبر من السياسي.

والمثقف قد يتكامل مع السياسي في اللحظة التي يكون فيها الوطن متعرضا للخطر الخارجي، وما سوى هذه اللحظة، فإن التكامل بين السياسي والمثقف يستوجب أن يلزم كل واحد منهما حدوده.

شاعر وكاتب

15