بطل وهمي يصارع ذاته الممزقة ويعيش وحيدا مع تمثال

 "الساعة الأخيرة" جولة في حياة منفذ هيروشيما وناغازاكي، ومسرحية تتناول آثار مأساة اليابان بعيني مرتكب الجريمة الأميركي.
الجمعة 2018/05/11
الجريمة لا تتوقف عن ملاحقة الطيار

القاهرة – “إنها مأساة إنسانية ليس لها مثيل”.. كانت تلك الكلمات القصيرة، آخر ما لفظ به تيودور فان كيرك، أحد الطيارين الأربعة الذين شاركوا في عملية إلقاء قنابل نووية أميركية في الحرب العالمية الثانية على اليابان.

ومن تلك الكلمات صاغ مؤلف عرض “الساعة الأخيرة” المشهد الأول من نصه التخيلي عن حياة بول تبيتس قائد الطائرة ذاته الذي قاد التفجير، وأسفر عن مقتل ما يقرب من 140 ألف شخص بحسب الإحصائيات الرسمية.

بطولة وهمية

قدم الكاتب معايشة إنسانية تخيلية لحياة القائد الذي عاش حياته في معاناة منذ الطفولة، بدأت مع قسوة الأب ورحيل الأم، التي كانت وفاتها سببا في رغبته في أن يكون طيارا لمشاهدة طيف والدته بين السحب الكثيفة في السماء، حتى أنه أصر على إطلاق اسم والدته “إينولا جاي” على الطائرة “ب – 29” الأميركية التي قادت تنفيذ الجريمة الإنسانية الشهيرة، وهو ما ورد ذكره في المعلومات المتوافرة عن القائد الحقيقي بول تبيتس.

السرد الذي قدمه الكاتب في النص الحائز على جائزة أفضل نص مسرحي بجائزة ساويرس الثقافية للعام الماضي، قصد منه حالة الاضطراب التي كان يعيشها هذا القائد الذي لعب دوره الفنان شريف صبحي، بداية من فقدان الأم وخلل علاقته بالأب مرورا بوحدته التي كان يعيشها، ما جعل حياته أكثر عملية مرتكزا فيها على دراسته للهندسة وتحقيق تفوق رياضي غير مكترث بشيء آخر في الحياة إلى أن تظهر حبيبته كريستين التي يخيل له أن تنفيذ عملية “هيروشيما” ستجعله أكثر بطولة أمام عينيها.

قاعة محدودة المساحة تحيطها إضاءة صفراء خافتة تعبر عن الحالة النفسية المضطربة التي يعيشها البطل في صراعه مع الذات ووحدته التي لازمتها الشيخوخة والمرض بصحبة تمثاله الذي أهدته له القوات الأميركية بعد تنفيذه العملية.

"الساعة الأخيرة" تؤرخ لشخص استهوته البطولة والقيادة كما أوهمه العسكريون الذين تنصلوا منه بعد ارتكاب جريمته

تفوقت الإضاءة التي وضعها طارق عليان ومحمد عشري، في تجسيد حالة الصراع التي يعيشها الأبطال جميعا، فمن إضاءة مركزة على منتصف المسرح، يحتفل القائد بيوم مولده وصراعه مع الوحدة والألم إلى صراع آخر يظهر في خلفية المسرح ممثلا في القوات الاستخباراتية ومحاولة اجتذابها أحد العلماء لتنفيذ مشروع نووي ضخم، بالإضافة إلى صراع الأب والأم في تكوين مسرحي معبر، يظهر فيه الأب على درجة علوية تعبيرا عن قوته، وتقف الأم في الأسفل كدليل على ضعفها في مواجهتها للزوج.

ويحسب للمخرج ناصر عبدالمنعم التوظيف الجيد لمساحة المسرح الصغيرة، ويبدو ذلك في استخدامه لستائر شفافة تعبر عن المراحل الزمنية التي مر بها القائد من الطفولة وحتى شيخوخته، والاستعانة بشاشة سينمائية ضمن هذه الستائر، عرض عليها مقتطفات من حادث التفجير وبعض المعلومات التي عرضت مكتوبة عليها.

بداية التأزم

صور النصف الثاني من أحداث هذا العرض ببراعة حالة التأزم النفسي التي عاشها البطل بعد تنفيذ جريمته، ويتجلى ذلك في واحد من أهم مشاهد العرض يجمع بين قائد الطائرة وعدم تصديقه لفعله الوحشي الذي ارتكبه خلال تجوله بإحدى المدن اليابانية الصغيرة ليلاقي فتاة يابانية ضريرة لعبت دورها الفنانة سامية عاطف. وتعتقد في البداية أن هذا القائد هو ملاك أرسل إليها ليعيد إليها بصرها.

هنا يزيد صراع القائد، ويقرر مصارحتها بعد وصلة من المدح تثنيها عليه تصفه فيها بالملاك ليقاطعها مصارحا إياها بأنه القائد الذي دمر دولتها، فتنهار الفتاة بكاء وتلقنه درسا قاسيا بأن اليابان سوف تصبح ذات يوم من أقوى الدول وأهمها بعقول أبنائها الأكفاء.

ورغم الأداء المباشر في هذا المشهد إلى حد كبير، إلا أن وجوده كان ضروريا لإبراز حالة التأزم الكبيرة والصراع الذي عاشه البطل بعد تنفيذ جريمته، والتي لا يصدق أنه ارتكبها بالفعل من شدة قسوتها ويأتي حديثه مع الفتاة اليابانية درسا قويا له.

وتستكمل حالة التأزم بعد أن يعود القائد إلى منزله، ويفاجأ برحيل زوجته كريستين التي لم تتحمل بشاعة الحدث وجريمته، ما يجعل البطل تنتهي حياته في الساعة الأخيرة في مشهد مأساوي يصاب فيه بنوبة صدرية تسقطه على الأرض لا يستطيع فيها الوصول إلى علبة الدواء الخاص به، بعد محاولته الزحف على الأرض.

معايشة إنسانية تخيلية لحياة القائد الذي عاش حياته في معاناة منذ الطفولة، بدأت مع قسوة الأب ورحيل الأم

مسرحية “الساعة الأخيرة” نص يرصد معايشة إنسانية خاصة لشخص استهوته البطولة والقيادة كما أوهمه القادة الأميركيون الذين تنصلوا منه بعد ارتكاب جريمته مكتفين بما قدمه لهم. وهذا رسالة أخرى يحملها العرض نحو الأوهام التي يزرعها القادة في نفوس جنودهم من أجل تقديم مستقبل أفضل لدولتهم.

ويضع الفنان شريف صبحي الذي جسد دور القائد علامة جديدة في مشواره الفني، فرغم ما يمتلكه من موهبة تمثيلية، خصوصا على الصعيد المسرحي وتقديم شخصيات شديدة التعقيد، إلا أنه لم ينل الشهرة التي تواكبها.

ونجح صبحي من خلال العمل في تقديم قراءة روحانية تعمق فيها في قلب وعقل هذا الطيار الأميركي ليلتحم مع شخصيته التي راعى فيها تفاصيل الحركة والأداء في مراحل عمرية متفاوتة مجتهدا في تقديم ذلك، مع أنه كان من الأفضل أن تتم الاستعانة بشاب يقدم حياته في مرحلة الشباب لأن الفنان يظهر بشعره الأبيض الكثيف في هذه المرحلة. ويحسب للفنانة سامية عاطف التفوق في أداء شخصية الأم والفتاة اليابانية، كل منهما بإحساس مختلف عن الآخر، خصوصا في شخصية اليابانية التي تماشت فيها حركتها البطيئة في السير وحركة اليدين لتعبر عن وهنها مع حركة ثابتة وقوية للعينين تدل على إعاقتها البصرية.

واستفاد العرض من الموسيقى التي وضعها أحمد حامد وبساطة الديكور للمهندس محمد هاشم التي استغل فيها مساحة المسرح الصغير، ولم يكترث بوضع الكثير من التفاصيل والقطع التي تعيق حركة الممثلين.

14