بطل "يوم الدين": الفيلم أكد أن الشهرة بالعمل وليست بالوسامة

راضي جمال: أثبتنا أن الجدية تصنع النجاح وألقينا الضوء على عنصرية المجتمع مع مرضى الجذام.
الخميس 2018/10/04
نحو بناء جسر من التفاهم والتقبل والحب

لم يكن فيلم “يوم الدين” مجرد سرد لآلام ومعاناة مرضى الجذام في مصر مع مرضهم الصعب والمعقد، لكنه عمل كشف أيضا نظرة المجتمع العنصرية حيال أصحاب الأمراض المزمنة. وفتح راضي جمال، المريض أصلا بالجذام وقام ببطولة الفيلم، قلبه وعقله لـ”العرب”، متحدثا عن جراحه المعنوية، ومؤكدا أن الفيلم نافذة مشتركة بين مرضى الجذام والمجتمع ليتعرف كل واحد على الآخر ويسهما في بناء جسر من التفاهم والتقبل والحب.

القاهرة - نجح الفيلم المصري “يوم الدين” في أن يعيد السينما المصرية إلى المحافل الدولية بعد فترة انقطاع، ورغم عدم حصوله على جائزة رسمية في مهرجان كان السينمائي الأخير، إلاّ أن البعض رأى أنه يكفي ما حصده من مكتسبات، بداية من مشاركته في المسابقة الرسمية، ووقوف الجمهور هناك عقب عرض الفيلم لأكثر من 12 دقيقة لتحيته، ثم حصوله على جائزة “François Chalais” التي تقدم على هامش فعاليات كان السينمائي.

وقبل أيام توج الفيلم في مهرجان الجونة السينمائي في عرضه الأول عربيا، وحصل على جائزة تحمل شعار المهرجان وهي “سينما من أجل الإنسانية” والتي يمنحها الجمهور، وجائزة نجمة الجونة لأفضل فيلم عربي.

من حال إلى حال

ربما تقتصر النظرة لدى البعض حول فيلم “يوم الدين” على أنه عمل يتناول قصة مرضى الجذام وطبيعة حياتهم، لكن مخرج العمل أبوبكر شوقي قرّر أن يذهب بفيلمه إلى ما هو أبعد، وفضّل فضح تناقضات المجتمع وعنصرية أفراده، والتي طالت المرضى ليجعلوا من مريض الجذام شخصا منبوذا ويظل قابعا في مكان ما بعيدا عن البشر العاديين.

تغيّر حال بطل العمل راضي جمال، بعد أن عرض الفيلم أمام قطاع واسع من الجمهور والنقاد، فالفلاح البسيط الذي أصيب بمرض الجذام وعانى منه ومن تجاهل وقسوة ونفور المجتمع، أصبح اليوم ملء السمع والبصر.

يحكي جمال في حوار مع “العرب” عن تجربته، قائلا “رحّبت بالمشاركة، ثم بدأت في التحضير للعمل من خلال جلسات جمعتني بالمخرج أبوبكر شوقي في منزله ومكتبه لمدة شهرين، تدربت فيهما على الوقوف أمام الكاميرا وقيادة العربة ‘الكارو’ (عربة يجرها حصان أو حمار)، وتوطدت علاقتي بشوقي ودينا إمام منتجة الفيلم لتصبح علاقة عمل وصداقة”.

لم تمض الأمور بسهولة، وكانت هناك صعوبات تتمثل في عدم تعلم راضي للقراءة والكتابة، لكن كل هذا تذلل أمام رغبته في تغيير الفكرة المتوارثة عن مرض الجذام، واعتبار البعض أنه معد مثل الإيدز.

كانت عملية طرح تفاصيل معاملة مريض الجذام والصعوبات التي يواجهها، رغبة ملحة من الطرفين، فالمخرج شوقي تنبه جيّدا إلى عدم الفائدة من الغرق في تفاصيل الألم والحزن التي تصاحب مرضا بهذه القسوة، وقدم في الوقت نفسه كيفية تعامل المجتمع بكل فئاته مع المرضى، مدللا على ذلك بفئة الشحاذين والذي تجسد في قيام أحدهم بنهره ومنعه من دخول الشارع الذي يتسوّل فيه خشية من أن يسحب جمال أو “بشاي” البساط منه.

وعندما قرّر بشاي هو وصديقه النوبي “أوباما المصري” السباحة في نهر النيل قبل أن تنهره السيدات اللائي يغسلن الأطباق في نفس المياه، خوفا من أن ينقل مرضه إلى أبنائهنّ صارخات في وجهه “تلوث المياه اللي بنشرب منها”.

راضي جمال يتمنى أن يساهم الفيلم في توعية الجمهور بمرضى الجذام، حتى لا يخاف منهم الناس في الشارع أو ينبذونهم
راضي جمال يتمنى أن يساهم الفيلم في توعية الجمهور بمرضى الجذام، حتى لا يخاف منهم الناس في الشارع أو ينبذونهم

ويقول جمال لـ”العرب”، إحدى أهم إيجابيات الفيلم أنه كسر الحاجز النفسي لمرض الجذام، بعد أن كان يواجه مع أصدقائه من أصحاب نفس المرض حواجز تمنعهم من الاختلاط بالمجتمع، بسبب ثبات الفكر الخاطئ حول خطورة المرض ونقله لهم بالعدوى.

ويتمنى أن يساهم الفيلم في توعية قطاع كبير من الجمهور بالمرض حتى لا يخاف منهم الناس في الشارع أو ينبذونهم، وألاّ يظل المرضى في “مستعمرة الجذام” (مكان خاص لإقامة مرضى الجذام) حتى يلقون ربهم، فمن حقهم أن يعيشوا حياتهم بشكل طبيعي بعد تلقي العلاج.

ويشير راضي جمال إلى أن العنصر الأهم في العمل هو تقصير الحكومة في حق هؤلاء المرضى وعدم دعمهم وتقديم يد الرعاية لهم، وهو ما لمسه جمهور الفيلم في ثلاثة مواقف مهمّة؛ أولها سخرية موظفي السجل المدني منه خلال محاولته استخراج شهادة رسمية له يستطيع أن يقف بها في أي مكان ليؤكد أنه شخص يتمتع بكل حقوقه، وهو ما ترتب عليه أمر ثان يتمثل في طلب ضابط الشرطة بطاقة تحقيق الشخصية، وأمام هذا الموقف لم يستطع بشاي سوى أن يكذب ويدعي أن ملابسه سرقت وبها المحفظة ليضطر الضابط إلى استدراجه للقسم، أما الموقف الثالث فيتعلق برفض صراف تذاكر القطار التعاطف معه وإصراره على تحصيل قيمة التذكرة، وبعد أن يئس من تحصيلها انهال عليه بالضرب هو والركاب.

ويقول راضي جمال لـ”العرب”، “المخرج رأى ضرورة أن يكون الفيلم الذي يتناول قضية واقعية مهتما أيضا بطرح ما يدور حولنا، سواء تصرفات بعض الموظفين أو الإسقاط على الجماعات الدينية التي تسعى طوال الوقت لتجنيد الشباب واستخدامهم في عمليات إرهابية، وهي كلها أمور نعيشها ونلمسها يوميا، لذا كان من الضروري أن أقابل هذه النماذج التي تعيش بيننا”.

تكرار تجربة التمثيل

رغم وقوف راضي للمرة الأولى أمام الكاميرا، إلاّ أنه نجح في توصيل الألم النفسي قبل رسالة العمل إلى الجمهور ليقنعهم بأن القصة التي يقدمها حقيقية، وقدمها كأن له باع في التمثيل.

ويؤكد بطل فيلم “يوم الدين” أن قصته لا تشبه نفس قصة بطل الفيلم بشاي، فهو لم يفقد أهله، مشدّدا على أن العمل واقعي، فهناك المئات وربما الآلاف لديهم قصص مشابهة لقصة بشاي، حيث رأى بنفسه العديد من المرضى ممّن يتركهم أهلهم في مستعمرة الجذام، ويسألون عنهم كل عام أو لا يسألون على الإطلاق، ويضطر المريض إلى خلق حياة أخرى غير التي كان يريدها، لكنه في النهاية مجبر على التأقلم معها.

ويلفت راضي إلى أن علاقته لم تنقطع بمستعمرة الجذام، والتي قضى فيها جزءا من عمره، حيث يسكن في منطقة أبوزعبل، بشمال القاهرة، القريبة من المستعمرة، وهو حريص على زيارتها من حين لآخر، كما يبيع هناك بعض المشروبات.

وعن مستقبله مع التمثيل، يقول جمال لـ”العرب”، “حياتي بعد الفيلم لم تختلف كثيرا عمّا كانت عليه قبلها”، والفيلم نجح في كسر القاعدة التي تقول إن الشهرة بالشكل تتغير وتصبح بالعمل الجيّد، ولهذا لم يخجل من الظهور بشكله على الشاشة، ولم يقرر بعد ما إذا كان سيكمل تجربة التمثيل أم لا، والتي أحدثت فرقا جوهريا في حياته من الناحية المادية والمعنوية”.

وأبدى جمال راضي استعداده لتكرار التجربة، إذا عرض عليه “عمل جيد ومميّز”، موجها الشكر للمخرج أبوبكر شوقي والمنتجة دينا إمام، لأنهما تحملاه في بداية الأمر، حيث واجه صعابا كثيرة في الفيلم، بينها إعادة كل مشهد ربما لثلاث أو أربع مرات، وكان المخرج يتحمل خروج العمل بشكل جيد، إلى أن تعلم كيفية الوقوف أمام الكاميرا بثبات.

وظل جمال طوال حياته يحلم بأن يخرج بعيدا عن إطار قريته في محافظة المنيا (جنوب مصر)، ثم عن منزله الذي يقطن به في منطقة أبوزعبل، كاسرا حاجز التعامل مع مرضه حتى نجح أخيرا في ذلك، مع تحول فيلم “يوم الدين” إلى نافذة تطل على العالم كله.

16