بطولة أمم أفريقيا تكشف معالم خارطة جديدة للمنتخبات

مباريات دور ثمن النهائي للبطولة بدّدت الحلم العربي وضربت المشاركة العربية في مقتل وجاءت محملة بالعديد من المفاجآت خاصة للمنتخبات العربية، بعدما ودع منتخبا مصر والمغرب مبكرا.
الأحد 2019/07/14
نجوم صاعدة في الكان

أظهرت بطولة أمم أفريقيا في نسختها الثانية والثلاثون بمصر معالم خارطة جديدة للمنتخبات المشاركة، حيث لم يعد التنافس محصورا مثلما كان الوضع سابقا بين الكبار الذين غادر أغلبهم المسابقة مبكرا، بل برزت إلى العلن منتخبات طموحة غيّرت معالم اللعبة وأدخلتها طورا جديدا من الجدل في مستوى التحليل والنقد حول حظوظ وهوية هذا المنتخب أو ذاك.

 تونس - كشفت بطولة أمم أفريقيا الدائرة في مصر حتى الـ19 من الشهر الجاري في نسختها الجديدة عن مفاجآت مدوية وجرّت وراءها الكثير من الجدل خصوصا للبلد المضيف منتخب مصر الذي غادر السباق باكرا برفقة منتخبات عتيدة على غرار المغرب والكاميرون وفي مرحلة لاحقة غانا.

وفيما بات التركيز منصبا على المنتخبات المتأهلة إلى الدور النصف النهائي والنهائي لمعرفة هوّية صاحب اللقب، ينظر المشاهد العربي إلى سجلّ هذه البطولة منذ انطلاقها كونها على غير ما جرت عليه العادة لمسابقة تقام في فترة محددة وينتهي كل شيء بخروج أحد المنتخبات الكبيرة فائزا.

وأقيمت النسخة الثانية والثلاثون من البطولة هذا العام في مصر بمشاركة 24 منتخبا في نسخة جديدة تدور في توقيت مغاير تماما في الصيف بقرار من الاتحاد الأفريقي للعبة “كاف”.

وقبل انطلاق الكان رأى محللون رياضيون في قرار “كاف” مخاطرة كبيرة وأعربوا عن تخوفهم من فشل المسابقة، لكن ما بدا ظاهرا أنه لا الزيادة في عدد المنتخبات كانت عائقا أمام الرهان على إنجاح المنافسة ولا التوقيت مثّل مشكلة بالنسبة إلى المنتخبات المشاركة وخصوصا منها مجموعة شمال أفريقيا المتعودة على خوض غمار هذه البطولة في فصل الشتاء.

لكن اللافت في هذه البطولة، التي يثني المراقبون على النجاح المصري فيها تنظيميا، هو أنها فجّرت العديد من المفاجآت وأظهرت إلى العيان خارطة جديدة للمنتخبات المنافسة على لقبها.

خيبة عربية

خروج الفرق الكبيرة يقابله صعود نجوم أخرى في سماء مصر
منتخب الفراعنة ودّع الكان أمام جنوب أفريقيا في مواجهة من العيار الثقيل 

بدأت بطولة هذا العام على غير المتوقع، أين انقاد منتخب الفراعنة صاحب الأرض والجمهور إلى هزيمة وخرج من السباق من الدور الثاني، قبل ذلك كان المنتخب المغربي أبرز المراهنين على اللقب قد غادر السباق هو أيضا في مشهد مؤثر أصاب الجماهير العربية بالإحباط والخيبة.

وتداعت التصريحات وردود الفعل لخروج أبرز منتخبين عربيين من المسابقة، إضافة إلى منتخب الكاميرون الذي غادر هو الآخر السباق من الدور ثمن النهائي، فيما ودّع المنتخب الغاني العتيد البطولة على يد تونس.

في المقابل كشفت المنافسات عن منتخبات جديدة كسبت التحدي وأصبحت تقف ندا في هذه المسابقة على غرار منتخب بنين الذي ترك انطباعا جيدا ببلوغه الدور الربع النهائي ونفس الشيء بالنسبة إلى نظيره مدغشقر.

وبدّدت مباريات دور ثمن النهائي للبطولة الحلم العربي وضربت المشاركة العربية في مقتل وجاءت محمّلة بالعديد من المفاجآت خاصة للمنتخبات العربية، بعدما ودع منتخبا مصر والمغرب مبكرا.

وودع منتخب الفراعنة الكان أمام جنوب أفريقيا في مواجهة من العيار الثقيل بهدف دون رد، بينما غاب الحظ عن المغرب أمام بنين في اللقاء الذي انتهى بخسارة “أسود الأطلس” بركلات الترجيح بعد التعادل في اللقاء بهدف لكل فريق وإهدار حكيم زياش لركلة جزاء في اللحظات الأخيرة من المباراة.

وترك الخروج المفاجئ للمنتخبين العربيين من البطولة جرحا غائرا لدى تابعيهما في البطولة وانطباعا سيئا لدى الجمهور الرياضي عموما الذي بات ينظر إلى البطولة من زاوية التمثيل التونسي والجزائري.

وقدمت الجزائر جرعة إضافية طيلة أطوار هذه المسابقة بفضل الأداء المتماسك لمجموعة من اللاعبين التي يضمها منتخب “الخضر”، والأهم من ذلك بفضل الوقوف القوي للمدرب جمال بلماضي الذي يمتلك حسّا فنيا قويا وكان وراء التخطيط لكل واحدة على حدة.

وأنسى “محاربو الصحراء” الجزائريين همومهم في بلد يعيش على وقع “حراك” وأخذوهم إلى سماء القاهرة لمتابعة أطوار البطولة. وطوال لقاءات البطولة يتسمّر الجزائريون أمام شاشات عملاقة لمتابعة “الخضر” وكلهم أمل بتحقيق لقب البطولة للمرة الثانية في تاريخ البلد.

ورغم أن الخيبة العربية بخروج المغرب ومصر كانت طاغية على منافسات هذه البطولة، إلا أنها لم تحجب الظهور اللافت لبعض المنتخبات التي شدّت الانتباه إليها.

ويقول طارق مصطفى النجم المصري السابق لنادي الزمالك ومنتخب الفراعنة، إن “ما أظهرته هذه البطولة من مفاجآت تمثّل ببروز منتخبين قويين سيكون لهما شأن في البطولة الأفريقية مستقبلا هما مدغشقر وبنين”. ويرى مصطفى أن “خارطة البطولة الأفريقية على مستوى المنتخبات المشاركة ستشهد تغيرا لافتا في قادم الدورات بالنظر إلى ما سجلته بطولة مصر هذا العام”.

وقدم منتخب مدغشقر المشارك لأول مرة في بطولة أمم أفريقيا في مصر مستوى لافتا، وحسم ترشحه إلى الدور الثاني على رأس مجموعته الثانية، مما أعطى انطباعا لدى المحللين وخبراء كرة القدم بأنه قد يكون “الحصان الأسود” لهذه الدورة.

منتخبات صاعدة

منتخب مدغشقر سرعان ما بدأ حلمه ينمو شيئا فشيئا بعد تأهله إلى ثمن النهائي ثم إلى ربع النهائي في مفاجأة يسجلها التاريخ لمنتخب كان ينظر إليه على أنه هاو ومغمور
منتخب مدغشقر سرعان ما بدأ حلمه ينمو شيئا فشيئا بعد تأهله إلى ثمن النهائي ثم إلى ربع النهائي في مفاجأة يسجلها التاريخ لمنتخب كان ينظر إليه على أنه هاو ومغمور

قبل انطلاق البطولة لم يعان المنتخب الملغاشي من أي تأثير من أي نوع، وظل ينظر إلى نفسه باعتباره خارج دائرة الترشيحات، لكن شيئا فشيئا ومع بداية دوري المجموعات بدأ هذا الفريق يظهر طاقة إيجابية ومستوى لافتا وضعاه في خانة المنتخبات الصاعدة أفريقيا.

وكان انتصار مدغشقر 2-0 في الإسكندرية من أكبر المفاجآت في تاريخ البطولة، لينهي الفريق الذي يخوض أول نهائيات له دور المجموعات برصيد سبع نقاط. لكن المدرب نيكولا ديبوي، الذي يجمع بين تدريب مدغشقر وتولي مسؤولية فريق فليري المنافس في دوري الدرجة الرابعة الفرنسي، أبدى حينها الكثير من التواضع وقال إن الفريق لا يزال يبحث عن نفسه في هذه البطولة.

وفي بداية المشاركة بدوري المجموعات قال الفرنسي ديبوي للصحافيين “لا نزال نبحث عن التواجد، يساعدنا كثيرا أن نقول ذلك، المزج بين التواضع والثقة هو ما دفعنا إلى الوصول إلى هنا وسنمضي الآن إلى أبعد مدى على قدر استطاعتنا”.

وأضاف ديبوي “تأهلنا إلى النهائيات إنجاز حقيقي. حضرنا إلى هنا وبلغنا الآن دور 16، يجب أن أوجه الشكر للاعبين الذين جعلوني أشعر بالفخر، وهو نفس شعور شعب مدغشقر. هذا إنجاز حقيقي بالنسبة لنا”. وسرعان ما بدأ حلم هذا المنتخب ينمو شيئا فشيئا بعد تأهله إلى ثمن النهائي ثم ربع النهائي في مفاجأة يسجلها التاريخ لمنتخب كان ينظر إليه على أنه هاو ومغمور لكنه غيّر القاعدة تماما وبات يقرأ له ألف حساب.

وقبل مواجهة تونس في ربع النهائي، قال المدرب الفرنسي في حديث للصحافة “نسعى لكتابة تاريخ جديد في الكرة الأفريقية، من خلال التأهل للدور قبل النهائي”.

منتخب آخر دخل هذه البطولة لأول مرة في التاريخ هو المنتخب الموريتاني الذي كان الهدف الرئيسي الذي جاء من أجله إلى مصر هو اكتساب الخبرة اللازمة في أول مشاركة له بالبطولة.

وبعد محاولات عديدة فاشلة، شق المنتخب الموريتاني طريقه بنجاح في التصفيات ليكون أحد ثلاثة فرق تخوض النهائيات للمرة الأولى من خلال البطولة الثانية والثلاثين.

منتخبات طموحة غيّرت معالم اللعبة
منتخبات طموحة غيّرت معالم اللعبة

ووضعت القرعة منتخب موريتانيا في مجموعة متوسطة المستوى مع مالي وأنغولا وتونس، واستطاع فريق “المرابطون” أن يشدّ إليه الجمهور الرياضي العربي والأفريقي بفضل المردود الممتاز الذي قدمه والذي أثنى عليه الجميع.

وساعدت الخبرة التي يتمتع بها عدد من لاعبي الفريق المحترفين في أوروبا وفي بعض الأندية العربية الفريق على تفجير المفاجأة.

ولكن ربما ما ضاعف من صعوبة المهمّة على هذا الفريق، وفق بعض المحللين، أنه دخل النهائيات بقيادة المدرب الفرنسي كورينتين مارتينز، وهو مدرب محدود الخبرة، حيث كانت معظم تجاربه التدريبية السابقة كمدرب مساعد أو كمدرب مؤقت لفريق بريست الفرنسي في ما يخوض أول تجاربه التدريبية في القارة الأفريقية مع المنتخب الموريتاني.

لكن على العكس من هذه الرؤية، فقد وضع مارتينز كل ثقته في المجموعة التي أشرف عليها بالتدريب وتمكن من صنع المفاجأة من حيث الأداء الجماعي للاعبين في المقابلات الثلاث، رغم أن الفريق انقاد إلى هزيمة وتعادلين جميعها لم تكن كافية لضمان مروره إلى الدور الثاني.

وإضافة إلى مدغشقر وموريتانيا سجل منتخب بنين حضوره بقوة في كان مصر ولفت إليه أنظار الجميع بعد أن وصل إلى ربع النهائي، وخسر أمام السنغال 0-1 ليغادر البطولة، لكنه ترك انطباعا جيدا لدى محبيه أولا ولدى الجمهور الرياضي الذي أثنى على قدرات هذا المنتخب والمستقبل الذي ينتظره في قادم البطولات.

وأكد الفرنسي ميشيل دوساييه المدير الفني لمنتخب بنين أنه لن يستقيل من منصبه عقب الخروج من ربع نهائي بطولة كأس الأمم الأفريقية بعد الخسارة على يد السنغال.

وقال دوساييه “عقدي مع المنتخب مستمر، ولن أستقيل، وعلينا أن نكمل المشوار والتعلم مما حدث في مصر من أجل التأهل لبطولة كأس العالم 2022”. وأضاف “حاولت جاهدا أن أترك بصمة مميزة منذ أن توليت المسؤولية، وأعتقد أن ما قدمناه بالبطولة كان جيدا”.

وأوضح أنه محبط بشكل شخصي وكان يتمنى التأهل إلى نصف النهائي، ولكنه أيضا فخور بلاعبيه لأنهم قدموا مستويات رائعة ونجحوا في عبور منتخبات قوية وسقطوا أمام أحد أقوى فرق القارة. وأضاف “واجهنا منتخبا مليئا بالنجوم الكبار لديهم ساديو ماني أحد أفضل لاعبي العالم وغيره من المواهب الفذة”.

مقصلة المدربين

طور جديد من الجدل في مستوى التحليل والنقد
طور جديد من الجدل في مستوى التحليل والنقد

تسببت نتائج دور الـ16 في بطولة أمم أفريقيا في الإطاحة بعدد من مدربي المنتخبات التي ودعت البطولة في مقدمتهم الفرنسي سباستيان ديسابر مدرب منتخب أوغندا، والذي تولى رسميا تدريب بيراميدز المصري، إلى جانب رحيل إيمانويل إيمونيكي عن تدريب منتخب تنزانيا، وأبرزهم على الإطلاق المكسيكي خافيير أغيري مدرب مصر.

وتصدر المكسيكي أغيري قائمة ضحايا بطولة كأس الأمم الأفريقية بعد انسحاب الفراعنة من الدور الأول. كما أعلن الاتحاد التنزاني عن إقالة أمونيكي من منصب المدير الفني وذلك عقب الخروج من دور المجموعات ببطولة كأس الأمم الأفريقية.

وربما تشهد الأيام القادمة إقالات جديدة خاصة مع ظهور أنباء عن توتر العلاقة بين الاتحاد الكاميروني والهولندي كلارنس سيدورف، بعد خروج حامل اللقب من دور الستة عشر على يد نيجيريا.

ولم تتضح الرؤية حول مستقبل الفرنسي هيرفي رينارد المدير الفني لمنتخب المغرب بعد الخروج الصادم من دور الستة عشر على يد بنين، وهو ما لم يحسمه فوزي لقجع رئيس الاتحاد المغربي بعد.

لكن تقارير صحافية ربطت مصير المدرب بالانتقال إلى السعودية لتولي الإشراف على الأخضر السعودي.

"محاربو الصحراء" كسبوا التحدّي
"محاربو الصحراء" كسبوا التحدّي 

 

22