بطولة أوروبية بنكهة سياسية

الأحد 2016/05/29

أيام قليلة تفصلنا عن الموعد الأوروبي الأهم، بل هي سويعات وينطلق العرس الكروي الذي تترقبه أوروبا بأسرها، إنه بطولة أمم أوروبا لكرة القدم التي ينتظرها الجميع مرة كل أربع سنوات، خاصة وأن البعض يعتبرها أقوى البطولات في الكون كونها تضم أكبر وأعتى المنتخبات العالمية، أليس تاريخ بطولات العالم يؤكد ذلك، فآخر ثلاث دورات للمونديال عرفت تتويج ثلاث منتخبات أوروبية، وهي إيطاليا ثم أسبانيا وأخيرا ألمانيا في المونديال البرازيلي منذ سنتين.

إذن، ستنحبس الأنفاس وتشرئبّ الأعناق ويتركز الجميع حول شاشات التلفزيون لمتابعة أطباق كروية “شهية” في هذا المونديال الأوروبي المصغّر على الأراضي الفرنسية، هي بطولة استثنائية بلا شك خاصة بالنسبة إلى المنتخب الفرنسي الذي يستضيف البطولة للمرة الثالثة بعد سنتي 1960 و1984، والهدف المعلن والواضح هو التتويج بهذا اللقب للمرة الثالثة أيضا، بعد سنتي 1984 و2000.

ومع ذلك، تبدو هذه البطولة للوهلة والأولى وقبل انطلاقها شديدة الارتباط بالجانب السياسي وكذلك الأمني، ولا غرابة في ذلك بعد الهجمات الإرهابية التي جدت في فرنسا منذ أشهر قليلة خلت، فتلك الهجمات التي ضربت في عمق عاصمة الأنوار شكلت ضربة قاسية وجعلت فرنسا أمام أكبر تحدّ أمني لها منذ أمد طويل، فالتهديدات الإرهابية مازالت ترمي بكل ثقلها في ساحة الساسة في البلد، والجميع متخوف من حدوث هجمات مماثلة خلال الحفل الأوروبي البارز.

ولئن تمسك كبار المسؤولين في فرنسا بضرورة هزم الإرهاب وحتمية المحافظة على موعد البطولة الأوروبية في موعدها ومكانها، إلاّ أن الظروف الحالية تشير وتؤكد على أن النجاح في تنظيم البطولة والوصول بها إلى بر الأمان سيكون بمثابة الانتصار الساحق لفرنسا الحديثة وضربة “معلّم” في التصدي للإرهاب.

كل الساسة في فرنسا وأوروبا أيضا تجندوا وأعدوا العدة لهذا الموعد الهام، فتحول من مجرد بطولة رياضية إلى أشبه ما يكون باختبار حقيقي للتأكيد على أن غول الإرهاب لا يمكنه بأيّ حال من الأحوال أن يحول دون الاستمتاع بهذا العرس الذي ينتظره الجميع كل أربع سنوات.

الاستعدادات الأمنية بلغت أعلى معدلاتها إلى درجة أن صناع القرار في فرنسا قرروا منذ فترة تمديد حالة الطوارئ في البلاد إلى غاية انتهاء البطولة الأوروبية.

كل هذه المعطيات تعطي الدليل على أن فرنسا ستكون في امتحان تاريخي، ومنتخب بلادها لن يواجه منافسين متحفزين فحسب، بل ثمة رهانات واختبارات أقوى وأهمّ بكثير، وفي مقدمتها الهاجس الأمني الذي سيكون حقا المؤشر الوحيد لتقييم مدى نجاح البطولة من عدمها.

رهانات أخرى تبدو على المحك وخاصة أمام المنتخب الفرنسي الذي جمع بين الجانب الرياضي والسياسي في سلة واحدة، والمسألة هنا تكمن في منهج مدرب منتخب “الديكة” ديدييه ديشامب عند اختيار القائمة النهائية المشاركة في أمم أوروبا.

فالملاحظة البارزة عند الاطلاع على قائمة اللاعبين الذين تمت دعوتهم لتمثيل فرنسا في البطولة الأوروبية تكشف أن ديشامب نسي أو تناسى توجيه الدعوة لعدد من اللاعبين الذين لهم أصول عربية، والحديث هنا يهمّ أساسا كلا من كريم بن زيمة صاحب الأصول الجزائرية وحاتم بن عرفة المنحدر من عائلة تونسية.

فرغم التألق اللافت لهذين اللاعبين مع نادييهما ريال مدريد الأسباني ونيس الفرنسي، إلاّ أن ديشامب تغافل عن دعوتهما لتقمص زي منتخب “الديكة” في العرس الأوروبي، مقابل توجيه الدعوة لعدد آخر من اللاعبين ذوي الأصول الفرنسية الثابتة، رغم أن مستواهم لم يكن رائعا مع أنديتهم طيلة الموسم المنقضي.

سياسة ديشامب أعجبت البعض، لكنها استفزت البعض الآخر على غرار اللاعب الفرنسي السابق إيريك كونتونا الذي وجه منذ أيام تساؤلات مربكة لديشامب تحمل الكثير من الرسائل والاتهامات المبطنة بوجود رائحة عنصرية بغيضة.

كونتونا الفرنسي أبا عن جد استغرب كثيرا من عدم توجيه الدعوة لهذين اللاعبين رغم براعتهما وقدرتهما على البروز وتقديم الإضافة للمنتخب الفرنسي، إلى درجة أنه قال بالحرف الواحد “بنزيمة لاعب رائع، بن عرفة لاعب رائع، ولكن ديشامب لديه اسم فرنسي خالص، ربما يكون الوحيد في فرنسا الذي يحمل اسما فرنسيا خالصا، لم يختلط نسبه بأحد”.

وكأنه بتصريحه هذا يعطي الدليل على أن فرنسا الحديثة لم يعد بوسعها أن تفتح مستقبلا بابها لكل من لا يملك عرقا فرنسيا خالصا.

هي اتهامات لا تقتصر على ديشامب فحسب، بل تشمل أيضا صناع القرار في فرنسا الذين أصابهم الارتباك والقلق بسبب الهجمات الإرهابية التي عانت منها فرنسا في السنوات الأخيرة، فمانويل فالس رئيس وزراء فرنسا لم يتورع عن رفض دعوة بن زيمة للمنتخب الفرنسي بسبب تورطه في قضية الابتزاز التي راح ضحيتها اللاعب فالبوينا، ماذا لو كان لاعب آخر غير بن زيمة ويكون فرنسيا أبا عن جد متورطا في هذه القضية، فهل سيتم فعلا تجاهله؟

وفي المقابل، إن صدقت هذه الادعاءات والتحاليل، فإن فرنسا الحديثة فقدت قيمها الحديثة، وبعض من صناع قرارها في هذا الزمن نسوا أن من قادهم إلى تحقيق أول لقب في المونديال فتى قادم من جنوب المتوسط، ألم يكن زيدان بأصوله الجزائرية النجم الأبرز في تاريخ الكرة الفرنسية صاحب الفضل في مونديال 1998؟

كاتب صحافي تونسي

23