بطولة الأمم الأفريقية تغيّر البوصلة السياسية للمصريين

الحكومة المصرية تحرص على استغلال ملامح الطاقة الإيجابية الراهنة من خلال توفير تجمعات عديدة للأسر والشباب والصغار لمشاهدة المباريات بأسعار زهيدة، مقارنة بارتفاع قيمة تذاكر البطولة.
الأحد 2019/06/23
جماهير مصرية متعطشة لأجواء الفرح

القاهرة - حقق حفل الافتتاح المبهر لبطولة كأس الأمم الأفريقية، مساء الجمعة، جملة من الأهداف السياسية للحكومة المصرية، وأظهرها في صورة مغايرة عن تلك التي تنقلها بعض وسائل الإعلام، حين يقع حادث إرهابي هنا أو هناك فتبدو أجهزتها كأنها متقاعسة أو عاجزة عن صده.

ويوحي انعقاد البطولة الكبيرة والتنظيم الجيد لها باسترداد الدولة لقدر كبير من عافيتها، بعد سنوات من التوتر وعدم الاستقرار، ويمكن أن يخلق انطباعات إيجابية تبدد بعض الهواجس من توالي الأزمات الاقتصادية.

وساهم التفاف قطاع كبير من المواطنين حول النوادي والساحات وشاشات التلفاز لتشجيع المنتخب المصري، في تسويق الحدث كأنه التفاف حول سياسات الحكومة، حيث ابتعدوا عن الانغماس في أزمات معيشية أربكت فئات كثيرة الفترة الماضية، عقب توالي الارتفاع في الأسعار.

ومع أن موعد انطلاق البطولة جرى تحديده مسبقا، غير أن توقيته كان بالغ الأهمية من الناحية السياسية، لأنه جاء بعد أيام قليلة من وفاة الرئيس الإخواني المعزول محمد مرسي، وتجدد حالة الاستقطاب في الداخل، مدعومة بحشد إعلامي وسياسي قطري وتركي، والعودة الكثيفة لخطاب المظلومية السياسية لجماعة الإخوان، غير أن حفل الافتتاح اللافت نجح في إحداث تغيير نسبي في بوصلة الاهتمامات وتحويلها تجاه الحدث القاري الكبير.

ويرى البعض من المراقبين أن هناك استعدادا من قبل المواطنين للخروج من حالة الضيق العام، نتيجة عدم القدرة على التعايش مع الغلاء الذي يعانون منه منذ قرار تحرير أسعار الصرف قبل ثلاثة أعوام، ومحاولة استحضار مواقف سابقة جيدة حققت الرياضة فيها انتصارات تحولت إلى متنفس مقبول للتخلص من الضغوط والأزمات.

لدى محمد إبراهيم – موظف حكومي مصري وأب لأربعة من الأبناء- قناعة بأن حالة اصطفاف الجمهور حول الأحداث الرياضية من بين عوامل التأثير المهمة على الحالة المزاجية العامة، لوجود رغبة كامنة داخل شريحة كبيرة من المواطنين بأهمية تحسن الأوضاع وانعكاس ذلك على حياتهم الشخصية، وهو ما يدفع بشكل تلقائي للترحيب بأي إنجاز، حتى وإن كان مؤقتا.

وأوضح لـ”العرب”، أنه لا يختلف أحد على أن هناك طفرة على مستوى الإنشاءات والبنى التحتية التي تقوم بها الحكومة، لكن نتائجها لم تصل بعد إلى المواطنين، ودون أن تكون هناك مؤشرات حقيقية لحصد مكاسب منها على المدى القريب.

ويقول المتابعون إن الارتكان إلى القدرات الأمنية في التنظيم، ومواكبتها بتصرفات إدارية وتكنولوجية هائلة ظهرت في حفل الافتتاح، يأخذ طابعا شعبيا لدلالاته المستقبلية التي تشي بأن إرادة حكومية واضحة في السير نحو الأفضل، ما يمنحها طاقة تستطيع أن تخفف عن كاهلها جانبا من الضغوط الشعبية الواقعة عليها، في ظل الكبوات التي تلاحقها.

يوحي انعقاد البطولة الكبيرة والتنظيم الجيد لها باسترداد الدولة لقدر كبير من عافيتها، بعد سنوات من التوتر وعدم الاستقرار
يوحي انعقاد البطولة الكبيرة والتنظيم الجيد لها باسترداد الدولة لقدر كبير من عافيتها، بعد سنوات من التوتر وعدم الاستقرار

وتحرص الحكومة المصرية على استغلال ملامح الطاقة الإيجابية الراهنة من خلال توفير تجمعات عديدة للأسر والشباب والصغار لمشاهدة المباريات بأسعار زهيدة، مقارنة بارتفاع قيمة تذاكر البطولة.

وخرجت أعداد غفيرة إلى مراكز الشباب والمتنزهات العامة لمشاهدة مباراة المنتخب الوطني المصري أمام منتخب زيمبابوي في افتتاح بطولة أفريقيا. ودفعت السلطات المحلية باتجاه تحويل بعض المناطق الشعبية إلى ساحات للترفيه على أنغام الأغاني الوطنية ومحاولة نسيان الهموم المعيشية. وحاولت تحقيق أقصى استفادة ممكنة، عبر تحويل البطولة الأفريقية إلى وسيلة قد تنقذها من الغضب جراء الارتفاع المتوقع في أسعار الوقود قبل نهاية الشهر الجاري.

يأتي هذا الموعد في خضم فعاليات البطولة التي تنتهي في 19 يوليو المقبل، لذلك ربما يمهد توفير عناصر الجذب المبهر منذ الافتتاح إمكانية استمراره طوال فترة انعقادها، كما أن مواصلة المنتخب المصري تقدمه نحو الأدوار النهائية يتيح فرصة للحكومة لإشغال المواطنين عن أي قرارات صعبة تقدم عليها.

وتختار القاهرة توقيتات محددة تساعدها على امتصاص غضب الشارع، وتأتي غالبية القرارات التي تصفها الحكومة بـ”الصعبة والضرورية” في أثناء العطلات أو عقب الأعياد والمناسبات المبهجة.

وقال جورج إسحاق، عضو المجلس المصري لحقوق الإنسان، لـ”العرب”، “إن صعوبة الأوضاع الاقتصادية تحتم على القائمين بتنظيم البطولة إخراجها في أفضل صورة، في ظل التحديات الخارجية التي تواجهها الدولة، وتتطلب قدرا من الثقة والهدوء والاستقرار في الداخل أولا، وقد يحقق النجاح في كرة القدم ذلك، لما لها من جذب جماهيري”.

وتحقيق طفرة رياضية قد تؤثر على الحالة المزاجية والنفسية، لكنه لن يلغي التركيز على تطوير الأداء في المنظومة العامة التي تديرها الحكومة، وهي النتيجة التي تجعلها تحصد مكاسب.

وأكد عمرو هاشم ربيع، الباحث بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، أن تغطية الحدث على الأزمات الداخلية يعد وقتيا في النهاية، ومجرد خروج المنتخب المصري أو انتهاء البطولة سيفرض عودة المواطنين إلى واقعهم الذي يعيشون فيه، بل إن الأمر قد تكون له آثار سلبية في حال ارتبط بوجود زيادات في أسعار السلع والخدمات.

وأضاف لـ”العرب”، أن “صورة مصر الذهنية لا يمكن قياسها بشكل كامل من خلال نجاحها في تنظيم بطولة رياضية، وربما تكون عنصرا إيجابيًا، لكن قدرة التنظيمات الإرهابية على الوصول لأهداف متنوعة، ووجود مشكلات في التعامل مع التقارير التي تصدرها جهات دولية بشأن الأوضاع الحقوقية والاجتماعية بالداخل يشوشان على الصورة المقدمة أو التي تريد الحكومة تسويقها، لذلك عليها النظر للأمام دوما والعمل وفقا لرؤية مستقبلية”.

3