بعثة عسكرية تونسية في مالي: عناوين جديدة لمفهوم الأمن القومي

مشاركة الجيش التونسي في بعثة أممية تعكس رؤية دفاعية جديدة فرضتها المتغيرات لحماية الأمن القومي.
الخميس 2019/01/24
مشاركة للإفادة والاستفادة

تونس - أعلنت المؤسسة العسكرية التونسية عن مشاركتها في مهمة تابعة لبعثة الأمم المتحدة المتكاملة المتعددة الأبعاد لتحقيق الاستقرار في مينوسما، ضمن الجهود السلمية الأمميّة وتحت القرار 2085 للجمعية العامة للأمم المتحدّة، في خطوة هي الأولى من نوعها بالنسبة للمؤسسة العسكرية التونسية، تعكس رؤية دفاعية جديدة فرضتها المتغيرات لحماية الأمن القومي.

تنطلق المهمة، التي تمتد لسنة قابلة للتجديد، في الأول من فبراير. وتشمل تقديم الدّعم اللوجستي للقوّات الأمميّة في مجالات نقل الأفراد والعتاد، والإخلاء الصحي، حسب برامج إدارة عمليات حفظ السلام داخل مالي وخارجها. ليست المرة الأولى التي تشارك فيها تونس في مهمات خارجية، حيث تملك تجربة ثريّة في المجال.

وتشارك تونس حاليا بـ23 ضابطا بصفة ملاحظين ومستشارين ومراقبين عسكريين، ضمن أربع بعثات لحفظ السلام في كل من الكونغو الديمقراطية والسودان وأفريقيا الوسطى ومالي. لكن، يمكن اعتبار هذا الإجراء استثنائيا في مثل السياقات الإقليمية والإستراتيجية في منطقة الساحل الأفريقي.

لا يُشكك أحد في الدور العسكري التونسي في حفظ السلام الدولي، والذي تقوم به بعثات منتشرة في أكثر من دولة، لا سيما وأنّ المهام التي تقوم بها هي مهام لوجستية صرفة.

ويستمد هذا التدخل الأخير مبرراته من جهد تونسيّ سابق في إبرام التسوية السياسية في مالي، حيث كان وزير الخارجية الأسبق المنجي الحامدي عرّاب السلام ولعب أدوارا مهمة في تقريب وجهات النظر بين متمردي الطوارق والحكومة المالية، وذلك بعد أن تقلّد مهمة الوسيط الدولي ونجح فيها.

تونس تسعى من وراء الانخراط الأممي في مالي إلى معاينة مباشرة للجماعات الجهادية واستباق تمدد الإرهابيين من مالي إلى الجزائر ومنها إلى المرتفعات الغربية التونسية

كلّ هذه المقدّمات مسلّم بمصداقيتها، ولكن الظروف المتعلّقة بالمشهد العسكري والإستراتيجي في مالي، خاصة وأنّ تنظيم القاعدة استطاع بكل سهولة استهداف مجموعة كبيرة من القوات العسكرية التشادية في رسالة مضمونة الوصول إلى نجامينا التي أعادت مؤخرا علاقتها الدبلوماسية مع إسرائيل، تؤشر إلى أنّ الوضعية الأمنية حرجة وأنّ المهمة لن تكون سهلة.

باتت منطقة الساحل الأفريقي مؤخرا أرضا خصبة للجماعات الإرهابية العائدة من العراق وسوريا، والباحثة عن فضاء جديد يعيد لها توازنها وترتيب صفوفها في المنطقة الغنية باليورانيوم والنفط والذهب.

في الأثناء، تلقي فرنسا بثقلها العسكريّ في المنطقة الصحراوية التي تعتبرها بيضة قبّان استثمارية وحديقة خلفية لمجالها الثقافيّ وقوتها الناعمة الفرنكفونيّة، وحيث أسست مؤخرا “قوة الساحل” مع النيجر وبوركينافاسو وتشاد وموريتانيا ومالي.

في المقابل، لا تقف الولايات المتحدة بعيدا عن معمعة الإرهاب والتهريب والثروات والثورات وإدارة الميليشيات، فقواعدها العسكرية في النيجر والسنغال يمنحها تموقعا متميزا لتحرك قوات الأفريكوم وتدخّلاتها السريعة مرّة باسم محاربة الإرهاب وأخرى تحت رسم “إدارة ريع النفط واليورانيوم والذهب”.

تخوض فرنسا في مالي بالذات حرب تأكيد وجود، فيها الكثير من رمزية الإمبراطورية المتفككة، فهي على السواحل المتوسطية الليبية تدخل مكاسرة اقتصادية وعسكرية ضدّ إيطاليا، وعلى طول الشريط الساحلي الأفريقي من الصومال إلى موريتانيا تنخرط في حروب بعضها بالأصالة وأخرى بالوكالة ضدّ اللاعب الأميركي والصيني والروسي.

باتت منطقة الساحل الأفريقي ككلّ ومالي بالتحديد عش دبابير بالمعنى المباشر للعبارة، فالأطراف الإقليمية المتدخلة عديدة والجهات المتقاتلة كثيرة، والانقسامات الهوياتية في البلاد تزيد من الهوة السياسية، خاصة وأنّ بعض الدعوات باتت واضحة بسحب النموذج السوداني على مالي، فيما تقف الحكومة المحلية عاجزة عن إدارة أزمتها الداخلية أو تدوير النقاشات مع المتمردين أو تطويق الذئاب المنفلتة المتربصة بما تبقى من ثروات باطنية.

Thumbnail

في ظلّ هذا الوضع، يُطرح السؤال حول رهانات الدولة التونسية من البعثة العسكرية الجوية. وهل هي دعم الجهد الأممي أم هي رهانات الوقوف على ذات المسافة من اللاعبين الكبار، أو بغاية التواجد لاستباق تمدد الإرهابيين من مالي إلى الجزائر ومنها إلى المرتفعات الغربية التونسية التي لا تزال بؤرة للإرهابيين؟

لا شك في أنّ تونس تسعى من وراء الانخراط الأمميّ في مالي إلى معاينة مباشرة للجماعات الجهادية واستقراء لجغرافيات تحركها واستباق تدفقها من الصحراء إلى المغرب العربي، خاصة وأنّ ذات الجماعات الإرهابية العاملة في الساحل هي ذاتها تقريبا التي تستهدف الأمن المغاربي بشكل عام وتونس بشكل خاصّ.

هكذا يُمكن فهم تصريح وزير الدفاع التونسي عبدالكريم الزبيدي بأنّ المرتفعات الغربية المتاخمة للجزائر لا تزال غير آمنة، وبأنّ المنطقة الشرقية التي عرفت تنسيقا وتعاونا مع الشركاء الغربيين تعيش حالة استقرار واضحة.

وهكذا أيضا يمكن فهم عزم المؤسسة العسكرية التونسية إرسال فيلق تدخل سريع قوامه 750 عسكريا وسرية شرطة عسكرية قوامها 120 فردا لنشرهما في مالي في إطار حفظ السلام. قد تكون الخطوة مكلفة لكنها تعبّر عن قراءة عميقة للجغرافيا السياسية وتجسّد عناوين جديدة لمفهوم الأمن القومي المغاربي والتونسي تحديدا.

7