بعد أبومازن.. فتح مضطرة لانتقال سلس وحماس تترقب الانشقاق

اشتداد المرض على أبو مازن وضع خصومه ومؤيديه في مأزق حقيقي، لأن خلافته مسألة غير محسومة بشكل واضح.
الثلاثاء 2018/05/22
من سيخلف عباس

رام الله- كان أحد أهم مبررات الخلاف مع الرئيس الفلسطيني محمود عباس، يكمن في إصراره القبض على زمام الأمور في منظمة التحرير الفلسطينية والسلطة الوطنية وحركة فتح وجميع الهياكل المنبثقة عنها، وهو ما جعله محل انتقاد عنيف من أصدقائه المخلصين وألد أعدائه السياسيين.

يؤكد من يعرفون أبومازن منذ زمن، أنه وسواس بعض الشيء، يستمع للوشايات ويأخذ بها، قليل الثقة في من حوله، متقلب المزاج، يمكن أن يستمع للنصائح، لكنه لا يعمل بها، قد يأتي رجل يشي بأحد معاونيه، فيجد الأخير نفسه خارج دائرة أبومازن تماما؛ بلا منصب أو مال وربما بلا مأوى.

قارنه كثيرون بسلفه الرئيس الراحل ياسر عرفات (أبوعمار). كان بسيطا، وفيا لأصدقائه، يثق في معاونيه بصعوبة ولا يفرط فيهم بسهولة. عندما استشهد أبوعمار، وبدأ نجم أبومازن في الصعود، ثم اختير خلفا له، طلب من عدد كبير ممن عملوا بجوار أبوعمار، العمل معه. بعضهم قبل، والبعض الآخر رفض.

حكى سياسي فلسطيني كبير لـ”العرب” واقعة تؤكد سرعة الانفعال والتغير التي بدأت تطغى على تصرفات أبومازن، قائلا إن “عددا ممن قبلوا العمل معه بعد رحيل أبوعمار، ندموا على ذلك لاحقا، فقد اهتزت صورتهم السياسية، لأنهم وقعوا بين معارضة أبومازن وتحمل نتائج غضبه المادية، والموافقة على الاستمرار والتسليم بقراراته التي شابتها حسابات شخصية”.

وأكد السياسي أن محمود عباس رجل وطني ولا أحد ممن خبروه يشكك في ذلك، لكن طريقته في الإدارة لا تتناسب مع ظروف شعب يقع تحت الاحتلال، لا يستطيع خوض حرب تحرير، ولا توقيع اتفاق يصمد مع المحتل، علاوة على تصاعد حدة الخلافات بين القوى الفلسطينية. ولم يتنبه أبومازن لذلك جيدا أو يراعي خطورة الحالة الفلسطينية.

وأضاف المصدر أن اشتداد المرض على الرجل وضع خصومه ومؤيديه في مأزق حقيقي، لأن خلافته مسألة غير محسومة بشكل واضح. وكان يحلو للمصدر الفلسطيني تكرار كلمة الرئيس التوافقي عليه. فرغم انتهاء مدة رئاسته منذ سنوات، وعدم وجود مشروعية انتخابية لقيادته، إلا أن الغالبية لم يختلفوا على رئاسته للسلطة، لكنهم اختلفوا حول سياساته.

حركة حماس متمسكة بأن يكون عزيز الدويك، رئيس المجلس التشريعي، خليفة عباس لحين إجراء انتخابات
حركة حماس متمسكة بأن يكون عزيز الدويك، رئيس المجلس التشريعي، خليفة عباس لحين إجراء انتخابات

وما يزيد من مخاوف الشارع الفلسطيني وبعض الأطراف الإقليمية، أن تطبيق سيناريو ما بعد وفاة ياسر عرفات عام 2004، هو أن يتولى رئيس المجلس التشريعي، عبدالعزيز دويك، رئاسة السلطة لمدة 60 يوما حتى إجراء الانتخابات.

عمليا، المجلس التشريعي الحالي غائب، ورئيسه ينتمي لحركة حماس، ما يزيد الموقف سخونة، ومن طالبوا أبومازن بسرعة إجراء الانتخابات كانوا محقين. فالورطة القانونية عصية على الحل في الوقت الراهن. وقال مصدر قريب من حماس لـ”العرب”، إن الحركة متمسكة بأن يكون رئيس المجلس التشريعي هو خليفة عباس لحين إجراء انتخابات.

ويخشى مراقبون أن تكون نوايا حماس مقدمة للفوضى خلال مرحلة ما بعد عباس، لأن غياب الرئيس الذي تفرد بالسلطة والقرار وعدم وجود الشخص الثاني القادر على إكمال المهمة بسلاسة، ينذران بتحويل الصراع على السلطة من دائرة الخلاف السياسي المشروع على البرنامج الوطني إلى دائرة الاقتتال وتعميق الانقسام، ما ينذر باتساع الهوة والانفصال بين سلطتي غزة (حماس) ورام الله (فتح).

وأشار هؤلاء إلى أن تدخل قوى إقليمية مهمة معنية بالشأن الفلسطيني جغرافيا وسياسيا وأمنيا، مثل مصر والأردن، قد يدفع الأمور تجاه سيناريو الانتقال السلمي للسلطة، دون حدوث فوضى أو انهيار لمؤسسات الدولة، لكن هذه القوى سوف تصطدم بتشتت وتصدع حركة فتح من الداخل وعدم قدرتها على الاتفاق على شخص أو آلية واحدة للاضطلاع بدور القيادة.

وأكد مصدر مصري لـ”العرب” أن خيارات القاهرة تجاه مرحلة ما بعد الرئيس عباس، متقلبة، بسبب ضعف حركة فتح وتشتتها وغياب وحدتها، وبالتالي انخفضت الخيارات لمواجهة نفوذ حركة حماس، التي أصبحت الفصيل الأكثر تنظيما في الأراضي الفلسطينية. وأضاف أن “تضاؤل الدعم الشعبي لحماس في الضفة الغربية أمر مهم، حتى لا تلعب على أكثر من جبهة (غزة والضفة الغربية)، وأقصى ما يمكن أن تفعله هو أن تقوم بتنظيم احتجاجات ومحاولة إثارة الفوضى لتعزيز شرعية حكمها في قطاع غزة”.

وقال المصدر، وهو قيادي فتحاوي قريب من السلطة، إن البيت الفلسطيني أصبح بحاجة إلى ترتيبات سريعة، وبرحيل أبومازن لن تكون هناك تغييرات جذرية داخل فتح، لأنه تم الاستقرار بشكل قوي على محمود العالول، رئيسا لها خلفا للرئيس عباس عند طول غيابه.

ويبدو هناك شبه توافق داخل قادة فتح ومنظمة التحرير على مستقبل ما بعد عباس، والأمر محسوم، وثمة ترتيبات جرت في هذا الشأن، لكن تظل حماس أكثر الفصائل الخاسرة من الانتقال السلمي للسلطة، ويبقى المنشقون عن فتح رقما مهما، لأنهم غير راضين على القيادات المرشحة، وهناك تحركات رافضة لهم.

وتدرك أصوات كثيرة داخل فتح أن الصراع المستقبلي بين قادتها، قد يعجل باختفاء الحركة من المشهد الفلسطيني، وهو الوتر الذي يمكن أن تلعب عليه أطراف وفصائل مختلفة للثأر من فتح وقادتها، كي تصبح الحركة بلا قائد حقيقي.

7