بعد أربعين عاما من التضييق.. السينمائيون السعوديون متفائلون

المخرج محمد سلمان يرى أن مهرجان البحر الأحمر الدولي استكمال لمشوار الحلم السينمائي السعودي الذي بدأ بمهرجان أفلام السعودية بالدمام 2008 بأفلام قصيرة.
الأربعاء 2019/07/24
السينما السعودية تدخل مرحلة جديدة

من شأن مهرجان البحر الأحمر الدولي للسينما أن يكون أول تظاهرة سینمائیة دولیة في السعودية، تركز على المواهب المحلية الصاعدة، والأعمال العربية الجديدة، إضافة إلى الأنماط السينمائية الحديثة في السينما العالمية. ويأتي متزامنا مع طیف التحولات الكبرى التي تعيشها البلاد ضمن التحولات الوطنية الجديدة، ومع عودة نشاط عروض السینما العامة إلى البلاد بعد أربعة عقود من الغياب.

 بعد سنوات طويلة من حالات الهوس النفسي والهلع الاجتماعي، ومن وقائع مطاردات هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر للمراكز والجمعيات والمقاهي والأندية التي كان يجتمع فيها السينمائيون وصانعو الأفلام من أجل أن يقدموا أعمالهم في ما بينهم وهم في أشد حالات الخوف، وبعد أن شهدت السعودية تأسيس أندية سرية للسينما في مناطق مختلفة هربا من ملاحقة المحتسبين وتطفل المراقبين، بعد كل الخناق الفني والسينمائي الذي عاشته البلاد طوال أربعين سنة، ها هم السينمائيون يتنفّسون الصعداء بحرية كبيرة، وبمزاج جيّد مع انطلاق مجموعة مبادرات ومهرجانات سينمائية كان آخرها مهرجان أفلام السعودية في دورته الخامسة بداية العام الجاري، ليلحق به إعلان وزارة الثقافة -ضمن رؤيتها المستقبلية- عن إطلاق مهرجان البحر الأحمر الدولي للسينما في مارس 2020.

حلم يتحقق

سينمائيون يتطلعون إلى مستقبل أفضل

--

حمزة طرزان

عبدالرحمن عائل

علي سعيد

---

رغم الصعوبات الكبيرة التي طوّقت أعضاء اللجنة المنظمة التي كان يقودها الشاعر السعودي أحمد الملا أثناء عملهم على تدشين مهرجان أفلام السعودية منذ نسخته البسيطة الأولى عام 2008، في مقر جمعية الثقافة والفنون بالدمام (شرق السعودية)، إلا أنهم استطاعوا أن يقفزوا من صندوق التحديات ليواجهوا واقعهم اليومي المنغلق بوعي استثنائي، وبإصرار مضاعف في دوراته التالية، التي يعدها المتابعون اللبنة الحقيقية الأولى لكل مبادرات ومهرجانات السينما في السعودية.

كانت الأفلام تكبر سنة بعد سنة، وكان الحلم يكبر وراءها، حتى أصبح حقيقة بين يدي السينمائيين السعوديين الذين اختطفوا بجدارة -خلال السنوات السابقة- الجوائز من فم منافسيهم في المهرجانات العربية والعالمية.

وسرعان ما جاءت رؤية 2030 لتنصف السينمائيين السعوديين، ولتضعهم حيث يجب أن يكونوا في قاطرة الفن العالمية، حيث تم مؤخرا إعلان وزارة الثقافة عن انطلاق مهرجان البحر الأحمر الدولي للسينما في جدة تحت إدارة المخرج والمنتج السعودي محمود صباغ في مارس 2020.

المهرجان يعدّ فرصة لمد جسور المعرفة الفنية والثقافية للعالم، والتعريف بالثقافة السعودية، وخلق فرص تنافسية للمنتجين والفنانين والمخرجين لتحسين أدائهم والاستفادة من تجاربهم والعمل على رفع مستواهم عبر الاحتكاك المباشر في ما بينهم.

وبحسب إدارة المهرجان فإن مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي -التي هي أول مؤسسة أهلية غير ربحية على مستوى السعودية تأسست عام 2018- تعنى بدعم صناعة وثقافة السينما، وتسعى إلى حفز المحتوى السينمائي المحلي وضمان تنوعه، عبر دعم صنّاع الفيلم المحليين واحتضان وتأهيل مشاريعهم، كما تهدف إلى توسيع قاعدة الصناعة وضمان ترويج الجديد السينمائي المحلي في الداخل والخارج.

وتأخذ المؤسسة على عاتقها مهمة خلق نظام إيكولوجي صلب لقطاع السينما والأفلام، يعزز من نمو الصناعة والثقافة السينمائية، عبر تقديم ثلاث مبادرات رئيسية؛ مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي؛ معمل أفلام البحر الأحمر لتأهيل مشاريع الأفلام الطويلة على مدار العام؛ ومبادرات الصناعة التي تصدر من خلال ذراعها الخاصة بالمعارض سوق أفلام البحر الأحمر.

طموحات وتصورات

في كلمة افتتاحية عن استشرافه للمهرجان يقول المخرج حمزة طرزان لـ”العرب”، “يأتي مهرجان البحر الأحمر الدولي للأفلام مكملا لما تشهده بلادي من تطور ثقافي وحضاري كخطوة من الخطوات التي تحذوها المملكة نحو سينما متطورة منافسة في المحافل الدولية والمحلية، ومن شأن هذه الخطوة أن تحمل على عاتقنا نحن السينمائيين المحترفين أن نتعاون مع بلدنا لتحقيق الأهداف المرجوة بتقديم خبراتنا وقدراتنا الإبداعية لنكون صرحا من صروح النجاح المتواصل بإذن الله لمملكتنا الحبيبة، ومن أفضل إلى أفضل يا بلادي”.

وفي اتصال مع المخرج عبدالرحمن عائل يؤكّد بأنه يجب الأخذ في الاعتبار أن المهرجان هو أحد روافد وزارة الثقافة، وليس من حق المتابعين مطالبته بأكثر من كونه مهرجانا سينمائيا دوليا يهتم بمدى المشاركات وكثافتها ضمن منظومته الخاصة.

يقول “في البدء، قد تكون تطلعاتنا للمهرجان كفنانين -وفق منظومة الوزارة- هي تطلعات عادية، لأن المهرجان في الواقع يهتم بالمشاركات أكثر. وأعتقد أن هنالك مجموعة آمال يمكن أن يعمل بها المهرجان لتنمية الحراك السينمائي السعودي، ولعل أهمها الدورات المصاحبة للمهرجان، خصوصا في ظل تنوع المنافسة وشموليتها الدولية، لذا أتوقع من إدارة المهرجان أن تحرص على أن تكون هنالك برامج تطويرية، وتدريبية لبعض أركان العملية السينمائية، وذلك من أجل تداول الخبرات وتناقل التجارب، ويجب أن يحرص المهرجان على تقديم دورات في صناعة الأفلام، وفي كتابة السيناريو، وفي تقنية الإخراج، وفي البرامج التنفيذية للأفلام. هذه الدورات التدريبية والبرامج التطويرية ستكون ذات مردود عميق ومهم خصوصا إذا كانت من ذوي الخبرة الذين يشهد العالم بجودة أعمالهم”.

ويضيف “من المهم أيضا تدشين ركن خاص على هامش المهرجان، يُعنى، ويقدم نماذج من الأفلام السعودية التي قد لا تناسب عرضها في المسابقة الرسمية، وذلك حتى نعطي نظرة للعالم عن حراكنا السينمائي، وتطوره في ظل الظروف المحيطة به، حيث لم تتغير الظروف المحيطة لصالح الحراك السينمائي إلا مؤخرا، وكما يعلم القارئ، فإن صالات السينما هي أداة من أدوات تطور الصناعة بشكل عام، ولكنها ليست سببا مهما ورئيسيا في تغيير الموجة السينمائية السعودية إن جاز لي التعبير بذلك. والموجة ما زالت تتطور، لذا نأمل أن نشاهد في هذه الموجة الجديدة أعمالا جديدة بمستويات جديدة وبمساحات أكبر حرية، تكون قادرة على تناول المساحة الفنية داخل النسق الفيلمي”.

دعوة إلى الأمل

المهرجان فرصة لمدّ جسور المعرفة الفنية والثقافية للعالم، والتعريف بالثقافة السعودية، وخلق فرص تنافسية للمنتجين والفنانين
المهرجان فرصة لمدّ جسور المعرفة الفنية والثقافية للعالم، والتعريف بالثقافة السعودية، وخلق فرص تنافسية للمنتجين والفنانين

يعبّر المخرج محمد سلمان في حديثه مع العرب عن تفاؤله في ضوء رؤية 2030، حيث تنطلق السينما بمنصة دولية من الخليج إلى البحر الأحمر. موضّحا أن مهرجان البحر الأحمر الدولي إنما هو استكمال لمشوار الحلم السينمائي السعودي الذي بدأ بمهرجان أفلام السعودية بالدمام 2008 بأفلام قصيرة.

يقول سلمان “انطلاق مهرجان دولي سيرفع من سقف الطموحات والأحلام من خلال الترويج للسينما السعودية دوليا، ودعم المشاريع السينمائية الطويلة، والتي بدأ المهرجان بالإعلان عنها، وفتح باب التسجيل بصندوق تمهيد لدعم فلمين سعوديين طويلين بمبلغ 500 ألف دولار. والخطوة الأهم هي معمل تطوير المشاريع السينمائية بالتعاون مع المؤسسة العريقة ‘تورينو فيلم لاب’، والتي ستكون مهد انطلاق الأفلام الروائية الطويلة”.

ويتابع “أتمنى أن يكون المهرجان محركا للسينما العربية، وليس السعودية فقط، على أن يكون في المسار الصحيح لمصلحة السينما التي تزيد الوعي بماهية السينما وعرضها للجمهور السعودي. وكذلك أن يكون المهرجان منصة للسينمائي السعودي، ولا يكون مجرد سجادة حمراء وأضواء فقط”.

يؤكد الكاتب والسيناريست علي سعيد في مداخلته بأن كل حاضن جديد للفن السينمائي هو دعوة إلى الأمل في عالم يتراجع فيه الاهتمام بقيمة الفن. ويشير إلى أن انفتاح المهرجان بأن يكون مهرجانا دوليا هو خطوة متقدمة في المجال السينمائي السعودي، وهو ما كان ينتظره ويصبو إليه صانعو الأفلام.

ويرى سعيد أن أهمية المهرجان السينمائي الدولي في السعودية هي إتاحة الفرصة لإقامة حدث سينمائي ثقافي متداخل بين المحلي والعالمي، الأمر الذي يدفع إلى التفاعل في دعم التجربة السينمائية السعودية ومنحها رئة جديدة.

ويضيف “الجمهور السعودي بحاجة إلى مشاهدة أفلام سينمائية دولية من النوع الفني، وليس الأفلام التي تعرضها الصالات التجارية، الأفلام الفنية هي التي تشكل الذائقة الإبداعية، وهي بلا شك ستترك الأثر العميق. دون أن ننسى بأن مهمة المهرجان عرض الحديث منها والاحتفاء بها بمنح الجوائز وتسليط الضوء. المسألة التي أتمناها من المهرجان في دورته الأولى أن يذهب في مهنيته إلى أبعد حد ليقدم نموذجا مغايرا عمّا سبق. وخاصة في دعم وتمويل الأفلام؛ بأن يكون الدعم وفق الشروط الفنية التي أشار إليها في صفحته على الإنترنت. ذلك لأن أي دعم غير مهني أو محاب أو شللي سينعكس على المنتج وسيظهر أمام الجمهور في صالة العرض!”.

15