بعد إدلب: واشنطن تفرض شروطها على موسكو

واشنطن منزعجة من عدم جدية موسكو، وربما عجزها عن إنهاء التواجد الإيراني في سوريا، والاكتفاء بإبعادها عن حدود إسرائيل، بسبب عدم قدرة روسيا على الاستغناء عن الحضور الميداني لحليفها الإيراني.
الأحد 2018/09/09
روسيا تريد حصد ثمار تدخلها العسكري في سوريا

أعلنت الإدارة الأميركية تخليها عن الانسحاب من سوريا، وعزّزت تواجدها العسكري في الشمال الشرقي، باستقدام تعزيزات عسكرية وأسلحة ثقيلة من الحدود العراقية الشهر الماضي، وإنشاء مطار عسكري في الشدادي جنوب الحسكة، ونصب رادارات متطورة في الرميلان وعين العرب/ كوباني وريفي الرقة ودير الزور، إضافة إلى زيارة وفد أميركي رفيع المستوى للرقة لمناقشة القضايا الخدمية وعودة النازحين إليها.

بهذه الخطوات، يقول الأميركيون إنهم شركاء في الحل السوري، وسيفرضون شروطهم على التسوية، ما سيعرقل الطموح الروسي بالانفراد بملف تقرير مستقبل سوريا.

الردّ الروسي كان أولا باستعراض عسكري، بإجراء أكبر مناورات بحرية شرق المتوسط بداية شهر سبتمبر، ما يمنع تحليق الطائرات ومرور السفن. ثم اتهمت روسيا بريطانيا بإرسال براميل الكلور إلى المعارضة في إدلب، لاتهام النظام باستخدام السلاح الكيمياوي؛ الأمر الذي دفع أميركا، إضافة إلى فرنسا وألمانيا، إلى تحذير الروس من قيام النظام بهجوم كيمياوي، وأنه لن يتم السكوت عنه.

واشنطن منزعجة من عدم جدية موسكو، وربما عجزها عن إنهاء التواجد الإيراني في سوريا، والاكتفاء بإبعادها عن حدود إسرائيل، بسبب عدم قدرة روسيا على الاستغناء عن الحضور الميداني لحليفها الإيراني.

ابتدع الروس مسارات تفاوض غير مسار جنيف، وهو المسار المتفق عليه أميركيا – روسيا بالأصل، وتدعمه الأمم المتحدة بالقرار 2254؛ وعمدوا إلى فرض مسار مخرجات مؤتمر “الحوار الوطني” في سوتشي، الذي يبقي على نظام الأسد، دون تغييرات بنيوية، بعد “الانتصارات” العسكرية للنظام وروسيا، واستعادة السيطرة على الغوطة ودرعا وريف حمص، وتحرير دير الزور من قبضة داعش، واعتقادها أن الولايات المتحدة ستنسحب من شرقي الفرات وتُخْلي لها المكان. سكتت واشنطن عن كل ذلك؛ ثم فاجأت الروس بالبقاء في سوريا، وفرض شرطها على العملية التفاوضية، بالعودة إلى جنيف.

أخطأت روسيا في وضع كل رهاناتها على بقاء الأسد في السلطة، وسعيها، واعتقادها، بأنها قادرة على السيطرة على كامل سوريا، بما في ذلك مناطق المعارضة المتبقية في إدلب. لذا هي تحشد مع النظام وإيران لمعركة شاملة، تقول إنها ضد المتطرفين، في إدلب، وتضغط على حليفها التركي، لتقديم التنازلات، مستغلة حالة الضعف التي آل إليها، نتيجة المشكلات الداخلية الاقتصادية، والعقوبات الأميركية. وبالتالي تريد السيطرة على إدلب، إما عسكريا، وإما عبر تركيا، أي بإنهاء الحالة الفصائلية، وتفكيك هيئة تحرير الشام، والتنظيمات التي على يمينها.

رغم عدم الإعلان صراحة عن اتفاق تسوية يخص إدلب في القمة الثلاثية في طهران الجمعة، وإرجاء المفاوضات، لكن التسريبات تقول إن توافقا روسيا تركيا تم في جولات مكثّفة، خلال الأيام الخمسة السابقة للقمة بين المسؤولين الروس والأتراك.

تقول التسريبات إن التوافق التركي–الروسي، والذي لم يتم إقراره رسميا في بيان قمة “إدلب”، هو على استمرار الجهود التركية لتفكيك التنظيمات الإرهابية، ووضع سهل الغاب وجسر الشغور ومناطق من ريف حماة تحت النفوذ التركي، وأن تشرف تركيا على الأوضاع الأمنية العسكرية داخل إدلب، وانتشار عناصر الشرطة العسكرية الروسية من دون تواجد عسكري للنظام، وتسيطر تركيا على السلاح الثقيل لفصائل الجيش الحر، وتشرف روسيا على إدخال مؤسسات النظام إلى المدينة وريفها، وتتولى إيران وتركيا فتح المعابر من وإلى إدلب وتشرفان عليها.

يقع على عاتق تركيا تحمل مسؤولية أي هجمات على القواعد الروسية في حميميم مصدرها إدلب وريف اللاذقية، وتضمن أمن الأوتوستراد الممتد من معبر باب السلامة وحتى مورك بالمشاركة مع روسيا.

وتقول أغلب الترجيحات إنه من الممكن حدوث عملية عسكرية محدودة من قبل النظام وداعميه الروسي والإيراني، في جسر الشغور لتأمين قاعدة حميميم وفتح طريق اللاذقية حلب الدولي، وكذلك شرق إدلب وشمال حماة لتأمين الطريق الدولي بين دمشق وحلب.

تريد تركيا البقاء في إدلب، عبر التوافق مع روسيا، وبنقاط مراقبتها الإثنتي عشرة، من أجل تأمين الحدود المتبقية مع سوريا في إدلب، وتأمين عمق مناطق غصن الزيتون ودرع الفرات من أي تهديد يسمح بعودة سيطرة الأكراد، خاصة بعد انتعاشهم مع إعلان واشنطن البقاء، ومع دعمهم فكرة إنشاء “إقليم سوريا الشمالية”.

وتريد روسيا حصد ثمار تدخلها العسكري في سوريا. وهي تحتاج إلى موافقة أوروبية أميركية ودولية للمشاركة بتمويل عملية الإعمار، لذلك طرحت على الغرب منذ أشهر سلة “إعادة الإعمار وعودة اللاجئين”، الأمر الذي قوبل بالرفض من قبل فرنسا وألمانيا، اللتين تشترطان التسوية السياسية أولا. ودول أوروبا هي الأكثر تشددا حيال الالتزام بجنيف والقرارات الدولية.

ورفضت واشنطن أيضا الفكرة الروسية بإعادة الإعمار وعودة اللاجئين، وربطت الأمر، كما دول أوروبا، بالحل السياسي؛ لكنها هذه المرة جادّة في الضغط على الروس لإعادة حساباتهم في ما يتعلق بالانتقال السياسي، ودور الأسد في مستقبل سوريا.

واشنطن مارست ضغوطها لعرقلة التحضيرات، أو التهديدات، الروسية بمعركة شاملة أو جزئية في إدلب، وخلطت الأوراق أمام الروس، مما اضطرهم إلى إلغاء عقد القمة الرباعية مع تركيا وفرنسا وألمانيا، وعقد قمة “إدلب” في نفس موعد القمة الرباعية.

وبالتالي كلما تقدّمت روسيا في تحقيق انتصارات عسكرية ووسّعت من نفوذ النظام، غرقت أكثر في المستنقع السوري، وواشنطن تتربص بهفواتها في سوريا، وهناك قضايا خلافية بين البلدين تفوق التفاهمات حول سوريا.

4