بعد استهداف الجيش والأمن.. الإرهاب يترصد بالمدنيين

الأحد 2013/11/03
الإرهاب في تونس يدخل مرحلة غير مسبوقة بعد استهداف مدنيين في مدينة سوسة السياحية

تونس- أكدت العملية الانتحارية التي استهدفت نزلا في مدينة سوسة السياحية، وهي الحادثة الأولى من نوعها في تونس، أن تنظيم القاعدة الذي كثيرا ما نفى حكّام تونس الجدد وجوده في البلاد "حرك" خلاياه النائمة لتنفيذ عمليات نوعية داخل المدن بعد أن ضاق عليه الخناق في المناطق الجبلية الحدودية مع الجزائر خاصة بعد الضربات العسكرية الموجعة التي تلقاها خلال الفترة الأخيرة.

ولئن كانت العملية الانتحارية بسوسة تمثل تحولا خطيرا في تصاعد وتيرة العمل الإرهابي ومرحلة متقدمة فإنها "تعد مؤشرا على أن تنظيم القاعدة قرر خوض حرب التفجيرات" ضد الدولة والمجتمع اللذين يصفهما بـ"الطاغوت" بحسب ما تقول مصادر أمنية.

فقد شدد كاتب عام نقابة الأمن الجمهوري وليد زروق على أن "الخلايا الإرهابية النائمة بدأت تتحرك على أرض الميدان محذرا من عمليات تفجير مرتقبة ستستهدف منشآت حيوية ومؤسسات حكومية وفضاءات تجارية كبرى قد تشارك فيها "منقّبات" تمّ تجنيدهن خلال الأشهر الماضية.

وكشف المسؤول الأمني أن "هناك جناحا سياسيا معلوما لدى الجميع يخطط وينفذ هذه العمليات الإرهابية وقام باختراق المجموعات السلفية وجنّدهم لحسابه الخاص" في إشارة على ما يبدو إلى حركة النهضة التي تربطها بالجماعات السلفية الجهادية "علاقات أخوة وثيقة".

واستشهد زروق على ذلك بقول إنه لن ينسى ما صرح به أحد وزراء الحكومة عندما التقى به حيث قال له حرفيا "إن كنتم 50 ألف أمني فنحن نملك 100 ألف انتحاري" جاهزين لكسر شوكة قوات الأمن.

يعكس موقف الأمنيين، الذين تُركوا ليواجهوا مصيرهم لوحدهم مع مقاتلي القاعدة الشرسين والمدربين، موقفا عاما يتبناه الخبراء في الجماعات الجهادية وكذلك موقف الرأي العام التونسي الذي يحمّل حكومة النهضة مسؤولية "استقواء" القاعدة في مجتمع مسلم ومسالم.

تونس تشهد تهديدا حقيقيا من تنظيم القاعدة، الراغب في إحداث خلايا إرهابية تمثله داخلها

ويتوضّح من خلال العمليات التي شنّها الإرهابيون في تونس، خصوصا منذ شهر رمضان الماضي، حين تم اغتيال 8 من الكومندوس في جبل الشعانبي وذبح ثلاثة منهم، أن هناك خطّة محدّدة لاستهداف رجال الجيش والأمن بصفة خاصة. وكانت حصيلة أحدث عملية اهتزت على وقعها البلاد، مقتل ستة عناصر من الحرس الوطني التونسي برصاص إرهابيين فيما جرح خمسة لدى مداهمتهم لمنزل يتحصنون داخله في منطقة سيدي علي بن عون (وسط غرب البلاد).

وقبل هذه العملية بأيام قليلة شهدت منطقة دوّار إسماعيل التابعة لمحافظة باجة ثاني أيام عيد الأضحى وتحديدا عملية مواجهة بين إرهابيين ورجال أمن أسفرت عن وفاة رئيس مركز حرس وعون أمن وإصابة عون ثالث وقتل 9 إرهابيين. وهي الحادثة التي قال مراقبون إنها تمثل منعرجا خطيرا وتنبئ بنزول الإرهابيين من الجبال إلى المدن واقترابهم من تونس العاصمة.

لم تمر عن هذه الحادثة أيام قليلة حتى جاءت العملية الانتحارية في مدينة سوسة الساحلية، وفي نفس اليوم تم إحباط محاولة تفجير ضريح الرئيس التونسي الراحل، الحبيب بورقيبة، الذي يعدّ رمز الحداثة والعلمانية في تونس.

لا يتردد الأمنيون في المجاهرة بأن حكومة الترويكا، بقيادة حركة النهضة، "خذلتهم" في التصدي للإرهاب وأنها كثيرا ما "تساهلت" و"تسامحت" مع خطر داهم. ففي شهر نيسان الماضي توصلت الأجهزة الأمنية إلى معلومات موثوقة بأن تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي رسم خطة لتنفيذ سلسلة من العمليات في تونس تتضمن هجمات على وحدات من قوات الأمن والجيش والحرس في مرحلة أولى والقيام بتفجيرات انتحارية في مرحلة ثانية ثم القيام بتفجير سيارات مفخخة في مرحلة ثالثة.

كما توصلت الأجهزة الأمنية إلى أن تنظيم القاعدة سيعلن عن تواجده رسميا في تونس بالتزامن مع تنفيذ الخطة ذات الأضلاع الثلاثة.

ويقول الأمنيون إنهم وضعوا على ذمة الحكومة "ملفا متكاملا" عن تحركات تنظيم القاعدة وعزمه على تحريك خلاياه إلا أن رئيس الحكومة، علي لعريض، لم يتعامل مع الملف بما يستحقه من اهتمام.

تزامنت تحذيرات الأجهزة الأمنية التونسية مع تحذير القائد الأعلى للقوات الأميركية في إفريقيا (أفريكوم)، الجنرال كارتر هام، إذ أعلن أن تنظيم القاعدة "يسعى إلى التواجد في تونس". وشدد كارتر هام، على أن تونس تشهد تهديدا حقيقيا من تنظيم القاعدة، الراغب في إحداث خلايا إرهابية تمثله داخلها، مطالبا السلطات التونسية بالتعامل الجدي مع هذه المسألة.

ويقدر الأمنيون والخبراء أن عدد الخلايا النائمة للتنظيم الذي أسسه أسامة بن لادن في بداية الثمانينات من القرن الماضي يتراوح ما بين 100 و120 خلية تضم كل واحدة منها ما بين 3 و5 مقاتلين وانتحاريين.

وتلقّى غالبية عناصر الخلايا التدريب على القتال في معسكرات في شمال مالي وفي الجزائر وفي ليبيا بعد سقوط نظام معمر القدافي. وساعدت هشاشة الوضع الأمني وحالة الانفلات التي تعيشها الحدود التونسية الجنوبية مع ليبيا مقاتلي القاعدة على تهريب كميات كبيرة وخطيرة من الأسلحة. على الرغم من إعلان السلطات التونسية أنها اكتشفت مخابئ هامة للسلاح في جنوب البلاد وفي الأحياء الشعبية المتاخمة للعاصمة والتي تمثل مفرخة للجماعات الجهادية إلا أن الأجهزة الأمنية ترجح أن ما لم يتم الكشف عنه بعد أخطر بكثير.

ويتوقع الخبراء الأمنيون أن تشهد تونس خلال الفترة القادمة تفجيرات خطيرة تنفذها خلايا القاعدة باستعمال الأحزمة الناسفة أو السيارات المفخخة في إطار مخطط يهدف أولا إلى تخفيف الضغط على المجموعات المسلحة المحاصرة في بعض المناطق ولكن يهدف ثانيا إلى تخفيف ضغط العلمانيين على حركة النهضة لتبدو حركة معتدلة مؤهلة لإنجاح مشروع الإسلام السياسي.

2