بعد استهلاك المسيحيين.. المتاجرة بالكيمياوي

الاثنين 2013/09/16

عاجلا أم آجلا سيسقط النظام السوري ضحية اللعبة التي لم يتوقف يوما عن ممارستها. قبل أيّام تاجر بالمسيحيين، في مناسبة أحداث معلولا. ها هو الآن يتاجر بالكيمياوي وكأن هذا السلاح سيعفيه من تقديم حساب في شأن ما اقترفه بحق الشعب السوري أولا والعرب عموما.

إنها لعبة الهروب إلى الأمام. هذه المرّة هرب من المسيحيين، بعد استهلاكهم، إلى استخدامه للسلاح الكيمياوي عن طريق الاعتراف بامتلاك هذا السلاح واستعداده للتخلي عنه. فجأة انضمّ النظام السوري إلى اتفاق حظر السلاح الكيمياوي وكأن هذا السلاح يختصر الأزمة السورية، وكأنّ مجرّد التخلي عنه سيبقيه في السلطة.

يشكو النظام السوري طول الوقت من صعود الحركات الدينية المتطرفة. يا لها من نكتة سمجة. هناك نكتة أكثر سماجة تتمثّل في تذرّع النظام بأنه يحارب «الإرهاب»، في حين أنّه يحارب شعبه. مثل هذا النوع من النكات لا ينطلي سوى على بعض ذوي العقل المسطّح من نوع النائب اللبناني المسيحي ميشال عون. صار عون الآن حريصا على مسيحيي الشرق، وهو الذي هجّر أكبر عدد من المسيحيين اللبنانيين من أرضهم لدى خوضه حربي «التحرير» و»الإلغاء» عندما استقرّ في قصر بعبدا في الأعوام 1988 و1989 و1990.

ما ينساه ميشال عون ومن على شاكلته من أدوات الأدوات أنّ السلاح الكيمياوي لا يختصر الأزمة السورية. كذلك لا يختصرها تهجير المسيحيين من الشرق، أكان ذلك في سوريا أو لبنان أو العراق وحتى في مصر. تهجير المسيحيين عائد أساسا إلى الأنظمة التي توالت على هذه الدول والتي هي في طبيعتها أنظمة أمنية. لم يكن لدى هذه الأنظمة، التي انضمّ إليها النظام الإيراني الذي كان مفترضا أن يطوّر نفسه بعد التخلص من الشاه، من هدف سوى القضاء على كلّ ما له علاقة بالثقافة الحقيقية والتنوع والحرية بشكل خاص. هذه الأنظمة لا تعرف أن غنى المجتمعات في الحرية وفي تنوعّها وليس بامتلاك سلاح كيمياوي أو غير كيمياوي.

ففي مصر، لم تعد هناك حرّية منذ وصول العسكر إلى السلطة عام 1952. وفي سوريا بدأت الحرية تتقلص تدريجا مع إعلان الوحدة مع مصر عام 1958. وفي العراق لم يعد من وجود لحياة طبيعية للمواطن العادي، بمن في ذلك المسيحي، منذ الانقلاب الدموي الذي قضى على الأسرة الهاشمية المالكة في الرابع عشر من تمّوز- يوليو 1958. يا له من يوم مشؤوم، لم ير العراقيون بعده يوما أبيض.

كانت سنة 1958 سنة سيئة للبنان وسوريا والعراق. في تلك السنة، بدأت المنطقة كلها تدخل مرحلة جديدة من سماتها بدء هجرة المسيحيين والنخب من كلّ الطوائف والمذاهب من سوريا والعراق وتعرّض لبنان لخضّة قوية انتهت بانتخاب رئيس جديد للجمهورية هو اللواء فؤاد شهاب الذي عرف كيف يحمي الوطن الصغير قدر الإمكان من الهزّات الإقليمية.

كان طبيعيا حصول هجرة للمسيحيين وغير المسيحيين من هذه الدول على دفعات نظرا إلى أن الأنظمة التي قامت في مصر وسوريا والعراق إنما استعانت بالشعارات من أجل تبرير الاستيلاء على السلطة والاحتفاظ بها إلى ما لا نهاية.. على حساب حقوق المواطن العادي ومؤسسات الدولة.

أمّا لبنان، فهو حالة خاصة إلى حدّ بعيد. فقد عانى مسيحيو لبنان من نظام سوري عمل منذ ما قبل استحواذ حافظ الأسد على كلّ السلطة في العام 1970 على تدمير الوطن الصغير، والأسس التي قام عليها وذلك بهدف إضعافه. بدأ تهريب الأسلحة وإدخال المسلحين الفلسطينيين إلى لبنان من سوريا في وقت كان الأسد الأب وزيرا للدفاع. فُرض اتفاق القاهرة المشؤوم على لبنان بغطاء عربي وفّره جمال عبدالناصر عام 1969. وبدأ العمل جدّيا على تدمير المؤسسات اللبنانية بعد 1973، أي بعد بدء تطبيق وقف إطلاق النار بين سوريا وإسرائيل إثر حرب تشرين (أكتوبر) التي توجت باتفاق فك الارتباط في الجولان المحتل…الذي أشرف عليه ورعاه هنري كيسينجر.

ما نشهده اليوم استمرار لعملية تهجير مسيحيي سوريا على يد النظام بعد عمله كل ما يستطيع لتحويل مسيحيي لبنان إلى تابعين له، في إطار ما يسمّى حلف الأقليات.. وتهجير من يستطيع تهجيره منهم بشكل مباشر أو عبر أدواته اللبنانية المختلفة.

لم يترك النظام السوري المتحالف لاحقا مع إيران والميليشيا المذهبية التابعة لها في لبنان، قرية مسيحية، من أقصى الشمال إلى أقصى الجنوب، إلا وحاول إلحاق الأذى بها. من يتذكّر العيشية؟ من يتذكّر القاع؟ من يتذكّر القرى والبلدات المسيحية في عكّار التي كان النظام السوري يستهدفها بين حين وآخر؟ من لديه ذاكرة ضعيفة يستطيع الاستعانة بجاره لاستعادة ما تعرّضت له زحلة والأشرفية والدامور على يد النظام السوري. هذا لا يعني من دون أدنى شك، أن النظام السوري وفّر لبنان بمسلميه. لم يكن حظ بيروت الغربية أفضل من حظ زحلة، كذلك حظ صيدا وطرابلس.

ما نشهده حاليا في سوريا يندرج في سياق الممارسات المعروفة والكلاسيكية للنظام السوري. هذا النظام لم يهجّر المسيحيين السوريين فقط. أخذ على عاتقه تهجير كلّ أهل سوريا من سوريا. من لديه أدنى شكّ في ذلك يستطيع العودة إلى ما فعله في لبنان وسوريا نفسها.. في حماة بالذات.

ما يحدث اليوم في معلولا البلدة المسيحية القريبة في دمشق نموذج آخر عن ممارسات نظام ينتمي إلى مدرسة تؤمن بقهر السوريين واللبنانيين جميعا. يستعين هذا النظام بما يسمّى الأقليات من أجل ابتزاز العالم. إنه يتاجر بمسيحيي معلولا لا أكثر ولا أقل. هذه لعبته المفضلة. المسيحيون ليسوا بالنسبة إليه سوى سلعة. هذا ما يفترض أن يعيه كلّ عربي يودّ معرفة سبب الهجرة المسيحية من المنطقة. بكلام أوضح، يعتدي النظام السوري على الأقليات ويدعي بعد ذلك إنّه يفعل ذلك من أجل حمايتها. فعل ذلك مع الدروز ومع الاسماعيليين وحتى مع العلويين الذين ينتمي إليهم والذين رفضوا خطّه الفئوي والمذهبي الفاقع.

في النهاية، هل من مستقبل لحلف الأقليات الذي ينادي به النظام السوري الذي لا يجد عيبا في دعم «حزب الله» المذهبي، ثمّ يدعي أنه نظام علماني يؤمن بدولة مدنية؟

الجواب بكلّ بساطة أنّ النظام يلعب لعبة أكل الدهر عليها وشرب. تكمن مشكلة هذا النظام في أنّه لا يريد أن يتعلّم من تجارب الماضي القريب. بالنسبة إليه، إن الهوية المسيحية العربية ليست سوى تجارة، كذلك السلاح الكيمياوي. إنه يساند «القاعدة» متى كان ذلك يناسبه ويدافع عن المسيحيين حين يكون ذلك في مصلحته ويتخلى عن مخزون السلاح الكيمياوي متى اعتبر أن ذلك يأتي له بخشبة الخلاص. ما لا يمكن التغاضي عنه أنّه كان دائما ضدّ كل ما هو عربي في المنطقة. كان دائما في خدمة إسرائيل التي لم تتوقف عن تهجير مسيحيي فلسطين وأهل القدس خصوصا متذرعة بأن هناك من يريد إزالتها من الوجود بالسلاح الكيمياوي أو بغيره.

لم يعد السؤال، مع نظام من هذا النوع يتاجر بالمسيحيين وبكلّ ما تقع يده عليه، ما مصير مسيحيي سوريا وما مصير السلاح الكيمياوي؟ السؤال ما مصير سوريا؟ هل اتفق الروسي والأميركي على هذه النقطة من منطلق أن السلاح الكيمياوي ليس سوى بداية؟

* إعلامي لبناني

8