بعد الاعتزال راؤول يعود إلى الريال

الأحد 2015/11/15

دقت ساعة الصفر، وحانت لحظة الفراق والاعتزال النهائي، لم يتبق من العمر الرياضي على ملاعب كرة القدم سوى دقائق، وبقياس الزمن ربما 90 دقيقة أو أكثر بقليل، وتنتهي مسيرة 23 سنة من التألق والتتويجات والشهرة العابرة للقارات، لقب جديد قد ينضاف إلى السجل الحافل بالبطولات والألقاب ليختزل مشوار ربع قرن من اللعب دون كلل أو ملل ولا توقف.

هكذا تبدو وضعية النجم الأسباني الشهير راؤول غونزاليس بلانكو صاحب الثمانية والثلاثين سنة، وهو يتأهب عشية اليوم لخوض نهائي دوري أميركا الشمالية مع فريقه كوزموس ضد نادي أوتاوا فيري.

فماذا يمكن أن نقول عن هذا اللاعب الذي يعتبر بحق أسطورة من أساطير الكرة الأسبانية والأوروبية والعالمية أيضا؟ كيف يمكن اختزال المسيرة الاحترافية لهذا اللاعب الذي ولج عالم الشهرة والمجد والنجومية في سن مبكرة، ولم يشأ أن يغادرها إلاّ وهو في سن متقدمة؟

ربما يحق لنا القول إن راؤول نجم خالد على الدوام، جاب العالم بالطول والعرض ولعب في أكثر من فريق عبر رحلة عابرة للقارات، انطلقت في أوروبا وتحديدا في العاصمة الأسبانية مدريد، تحول بعدها إلى ألمانيا ومنها إلى الأراضي الآسيوية مع نادي السد القطري، قبل أن يختار التوجه في آخر مراحل هذه الرحلة إلى بلاد “العم سام” في القارة الأميركية، ليترك إرثا خالدا و”عظيما” يضعه في خانة “العظماء” والأساطير في تاريخ الكرة العالمية. لقد دقت ساعة الصفر واقترب المحارب من أن يستريح وينظر بانبهار وإعجاب وفخر لما حققه طوال مسيرة ربع قرن، فالعبقري راؤول الذي انطلقت مسيرته الفعلية مع ريال مدريد في سن السابعة عشرة، نال معه بطولة الدوري المحلي ست مرات وكأس السوبر المحلي أربع مرات وكأس دوري أبطال أوروبا مرتين والكأس القارية قبل أن ينتقل إلى شالكه الذي أحرز معه لقبي الدوري والكأس، لتستمر التتويجات مع السد القطري.

اليوم راؤول على موعد ثابت مع التاريخ كي يتوّج بلقب جديد مع نادي كوزموس الأميركي، ليضيف إلى خزائنه الحافلة بالكؤوس والبطولات تتويجا سيكون بلا شك -إن حصل- الأخير في مسيرته كلاعب دخل القلوب وحاز الإعجاب، ليس بسبب أهدافه الغزيرة وعطائه الذي لا ينضب فحسب، بل لحسن سلوكه وأخلاقه الرفيعة التي جعلت منه قدوة رائعة لكافة اللاعبين الذين تتلمذوا على يديه وعاشروه في مختلف الفرق التي لعب معها.

ربما ما يحز في نفس راؤول بعد هذه المسيرة الخالدة أنه لم ينل التتويج مع المنتخب الأسباني ببطولتي أمم أوروبا وبطولة كأس العالم، والأصعب منذ ذلك على قلبه أنه لم ينل أيضا ما يستحقه من تكريم وإشادة من قبل صانعي القرار في فريقه الأول ريال مدريد.

ولعل تلك القصة الحزينة التي حصلت سنة 2010 عندما وضع على قائمة مغادري النادي الملكي مازالت مثل الجرح الغائر الذي لن يندمل حتى لو منحه الزمان كل أنواع أدوية النسيان، لأن الفتى الذهبي غادر القلعة البيضاء لريال مدريد والدمع ينسكب مدرارا من مقلتيه.

اليوم وليس غدا يجب على إدارة ريال مدريد أن تعترف بخطئها تجاه الفتى الذهبي الذي صنع على امتداد سنوات طويلة، وتحديدا من سنة 1992 إلى سنة 2010 مجد الريال وشارك بصفة فعالة في حصوله على ألقاب عدة وتتويجات لا تنسى.

اليوم وبعد أن قرر راؤول الاستسلام لمشيئة العمر والزمان يتوجب على مسؤولي الريال أن يستعيدوا فتاهم الخالد، وليس بكثير عليه أن يحظى بالتكريم والتعويض بعد أن أفنى سنوات شبابه في إسعاد الملايين من الأحباء.

الفريق الذي أكرم لاعبه السابق زين الدين زيدان بمنحه فرصة التدرج في عالم التدريب، ليس صعبا عليه أن يجد لراؤول مكانا جديدا في القلعة البيضاء سواء كان في ميدان التدريب أو التسيير، ولعل مسيرة 23 سنة من اللعب في ثلاث قارات مختلفة قد تمنحه أحقية الوجود في هذا البيت الذي ساهم سابقا في تشييد أركانه والسمو به بفضل مهاراته الرائعة وأهدافه الحاسمة.

عودة راؤول تبدو أمرا ضروريا وملحّا لإصلاح خطأ قديم والتكفير عن ذنب لا يغتفر، إذ كان من العيب و”الحماقة” أن يخرج الفتى الذهبي لمدريد من الباب الصغير للبيت الملكي، ولا يحظى حتى بواجب العرفان والتقدير لما قدمه للنادي من إنجازات جعلته يكون صاحب أرقام قياسية في معدل الأهداف والتتويجات وعدد المباريات.

سينتهي اليوم مشوار النجم الأسباني كلاعب رائع ترك سجلا حافلا بالتألق والنجاح، لكن لن تنتهي مسيرته مع كرة القدم، فمن عشقها وشرب من كأسها من الصعب للغاية عليه أن يبرأ من حبها وتعلقه بها، فالاعتزال ليس بدء مرحلة جديدة، وراؤول يريدها من بوابة الريال، فهل يكفّر سكان البيت الملكي عن ذنبهم تجاه فتاهم الذهبي؟

كاتب صحفي تونسي

23