بعد التفاؤل تشاءمنا

الخميس 2014/09/18

أطاحت الجماهير التونسية بصرح الظلم والفساد والانحراف، فعمّت الفرحة وساد الأمل والتفاؤل، فكنت من المتفائلين. تفاءلت وتعديت التفاؤل إلى اليقين بأنّ تونس ستأتي ما أتاه غيرها من الشعوب الغربية من تحوّل سلميّ، فتبلغ في أقصر أجل، ما تصبو إليه من حرّيّة وانعتاق وعدل ومساواة، ونموّ اقتصاديّ أولا، متبوعا بنمو في جميع المجالات والقطاعات. تفاءلت، رغم تحذيري من صديق من الكتّاب (الروائي عبدالواحد براهم) وصمته- ظلما- بالتشاؤم الغريزي، وقارنت، رغم نقدي من لدن زميل (الصحفي الليبي مهدي كاجيجي) ينهاني عن المقارنة، لأنّ “المسألة جينات” كما اعتاد القول.

كان تفاؤلي مبنيّا على ما عرفته من ثراء تونس بأبناء أكفاء في كلّ المجالات، وكانت مقارنتي مقامة على نضج الإنسان التونسي وتكوينه، الذي فاق أحيانا ما عليه الفرد في الشعوب التي أقارنه بها. تفاءلت واشتدّ يقيني حتّى أنّي، كتبت بأنّ الانتقال في تونس سيتحقّق خلال سنة ونيف أو سنتين على الأكثر. هكذا ظننت، لكن خيّبت الأحداث ظنّي، لعدم معرفتي، كي لا أقول لجهلي نتيجة العيش بعيدا، ما آلت إليه المجتمعات العربيّة، بما فيها المجتمع التونسي، من تكوين غير أصيل، ثمرة ثقافة زرعتها الأنظمة القاهرة المفروضة، ثقافة المادّة والفرديّة والاستغلال.

كثيرون تفاءلوا مثلي. فها هو السياسي والاقتصادي والوزير السابق منصور معلّى، يكتب قبل أسبوع ما ترجمته:”ولد الأمل مع الثورة. أُطيحت الدكتاتورية وانتصرت الحريّة. إنه أمل مستقبل أحسن. أمل عظيم لكنّه، للأسف لم يدم طويلا. فبدل الاتحاد لإنجاز هدف الثورة أي الحرية، وإنقاذ الاقتصاد واستقرار المجتمع، سورع إلى الاستحواذ على السلطة، عبر انتخابات استعجالية وسط مشهد سياسي غير معتدل، ورُضِي بحكومات مؤقتة لا نجاعة في أعمالها. نُسيت البلاد، وعُني بالأحزاب والانشقاق، فنشأت عن ذلك الميلشيات العنيفة، والاغتيال السّياسي، وفتحت الأبواب للعنف والإرهاب”.

لست في حاجة إلى الوقوف وسرد تسلسل الأحداث وما اعتراها من أخطاء. ذلك يعلمه المختصّ وغير المختص، حتى أصبح مادة تندر بين أفراد الشعب فاقد الأمل ونازع الثقة من الجميع. فما أن تم إسقاط النظام السابق حتى تسابق المنتهزون وتدافع الطامعون واندسّ المتآمرون، أو ارتدَوا بغير ما يُضمرون، فإذا بالبلاد فريسة وبالوطن غنيمة، يقتطع كلّ ذي ناب قطعة منها رغم فقرها وفاقتها، وإذا بتونس ساحة مفتوحة، مرتع المغامرين، وحقل الدّاعين المبشرين. هذا، والذين تنصبوا مسؤولين سياسيين، يُغمضون البصر كأنهم لا يعلمون، أو أنهم مع العابثين متفقون؟

واصلت تفاؤلي وحافظت على أملي، لأني لا أسيء الظنّ، ولأن ثقتي في مواطني وإن اهتزّت، فهي لم تضع ولم أفقدها. بقيت ثقتي في مستوى ذلك الحماس العظيم الذي أقبل به مواطني على أول انتخابات “حرّة نزيهة شفّافة”، حسب ما قيل، أتت له للأسف، بعكس ما كان يأمل. توالت الحكومات فأتت بأكثر ممّا أتته الأوائل، وجنت على الشعب. لمّا طفح عنده الكيل، وكادت البلاد تنحدر إلى غياهب الجبّ، جاءت عصا سحرية بوفاق منح البلاد وأهلها حكومة، هاهي تتخبّط في ما ترك لها السّابقون، وتجتهد كي تنظّم الانتخابات القادمة في أحسن الظروف، فتخرج تونس من المؤقت والانتقالي، إلى الدّائم المستقر. لكن من أين يأتي الاستقرار والمشهد على ما هو عليه؟

مشهد زاد الشعبَ فهما، فأبدى عزمه على ألا يلدغ من جحر واحد مرّتين، لأنه صادق الإيمان رغم الاتهامات المغرضة. أبدى عزمه على مقاطعة الانتخابات، فلم يُقبل على خطوة التسجيل وتأكيد المشاركة. اهتزت لهذا التصرف الرصين كلّ الأحزاب، وأسرعت لجنة الانتخابات “المستقلة” إلى اتخاذ إجراءات جبر الكسر أو الوقوف دونه، فتحسّنت الحال دون أن يزول الخطر. نعم خطر على تونس واستقرارها، لأنّ الحالتين، مقاطعة أو مشاركة مضرّتان. فحزب النهضة بصراعاته الدّاخليّة، وميل شقّ منه إلى التمسّك بالشدّة والعنف، قد يؤدّي إلى وضع اليد في يد مهددي أمن البلاد، وبتصريحات مسؤوليه بغير ما يفعلون، ونشاطات رئيسه داخل وخارج البلاد مما أثار التساؤلات، وبانعدام تقديم برنامج متكامل، زاد شكوك المواطنين في نواياه وحوّل الكثيرون ممّن صوّتوا له، أنظارهم وجهة أخرى. لكن أي وجهة؟ عدد الأحزاب فاق المعقول، وأصبح التعرف عليها أصعب من الرياضيات. فكلها بلا استثناء، لم تقدّم ما يجعل الناخب يأمل منها منفعة البلاد.

أمّا الانتخابات الرّئاسيّة، فهي حتى الآن المهزلة الكبرى. عدد المرشحين ناهز الخمسين لشعب لا يفوق عدده الأحد عشر مليونا، لا يخفى عنهم ما يدبّر ويخطّط، ولا يفوتهم ربط هذه الكثرة بالمزايا المادّيّة. فكما قال الآخر: “صار الوطن رغيف حلوى امتدّت إليه الأيدي بكلّ جشع ونهم”. وكما قال منصور معلّى في مقاله المذكور: “نُسِي البلد: تأخير ثمّ إهمال الدّستور، وانحرافات، منها تأسيسيّ سقطت شرعيّته، فبقي غير محترم مهمّته ولا أجلها، فخسر شرعيّته. القانون غير محترم، الفوضى في أعلى الهرم، ثمّ في كامل البلاد: إنّه العنف والإرهاب الذي يفرض القانون. ضاع كلّ أمل فهذا قمّة خيبة الأمل”.

أليس في هذا ما يجبرني على تقديم اعتذاري لصديقي الزميلين؟ سأنتظر فعسى الرّياح تأتي بما تشتهي السّفن. لأنّ الشعوب الناضجة، إذا رأت الوطن في أزمة تهدّد كيانه، أرجأت خلافاتها إلى ما بعد المحنة، وما هذا على شعبنا التونسي بعزيز.


كاتب تونسي ودبلوماسي سابق

9