بعد السينما المصرية والسينما الإيرانية لم لا السينما الجزائرية

سينمائيون جزائريون: علينا تحويل إنتاج السينما في الجزائر من "الثورة" إلى "الثروة".
الثلاثاء 2021/01/19
هناك سينما أخرى غير سينما الثورة

على عكس الفنون الإبداعية الأخرى، لا تتوقف السينما عند حدود الموهبة أو العمل الجماعي، بل هي منظومة كاملة نجحت في خلق المعادلة بين الفن الإبداعي من جهة والمردود الاقتصادي من جهة أخرى. ويتطلب الإنتاج السينمائي تضافر الجهود على العديد من المستويات أبرزها البنى التحتية والمناخ الحر والتجديد لتقديم منتج فني يرقى إلى استقطاب الجمهور، وهذا ما دعا إليه عدد من السينمائيين الجزائريين.

الجزائر - تسعى الجزائر "الجديدة" لاستدراك ما فات في سبيل رفاهية الشعب وتيسير حياته اليومية من خلال بعث نشاطات كانت إلى وقت قريب محل إهمال ونسيان، ضمن خطة شاملة تستهدف إنعاش الاقتصاد القومي الذي يقوم أساسا في الوقت الحالي على ريع مبيعات النفط والغاز.

وقد اعترف الرئيس الجزائري عبدالمجيد تبون خلال ترؤسه مجلس الوزراء الأول مطلع 2021، بكون الإنتاج السينمائي في بلاده لم يصل بعد إلى مورد اقتصادي قادر على خلق الآلاف من فرص العمل يمكنه المساهمة بشكل كبير في النهوض بالاقتصاد الوطني، ملحا في نفس الوقت على ضرورة التدارك الفوري للضعف المسجل في هذا المجال، وبحث هذا الموضوع الحساس الذي له ارتباطات وامتدادات سياسية وثقافية واقتصادية.

الإنتاج والدعم

يتفق السينمائي والمخرج الجزائري يزيد أعراب مع الرئيس تبون حول الدور الكبير الذي يمكن أن يلعبه قطاع السينما في تنويع الاقتصاد الجزائري وتقليص نسبة البطالة، فيقول إنه بوسع الإنتاج السينمائي في الجزائر خلق مليون فرصة عمل أو أكثر، بل ويذهب إلى أكثر من ذلك عندما يؤكد أنه واثق من أن إيرادات السينما الجزائرية ستتجاوز مبيعات شركة المحروقات “سوناطراك” من النفط والغاز والتي تصل إلى نحو 98 في المئة من إجمالي صادرات البلاد.

بيد أن أعراب، خريج مدرسة كيبك (كندا) للسينما وصاحب العديد من الأفلام، يربط هذه الطفرة بالعديد من العوامل التي يراها موضوعية منها تحرير السينما من القيود السياسية، ووقف الإعانات التي تقدمها الحكومة لبعض المخرجين في سبيل إنتاج موجّه، وتجهيز استوديوهات تليق بإنتاج السينما، وحل مشكلة التوزيع والدفع باتجاه التأسيس لما يسميه “السينما الجديدة”.

ويرى المنتج والمخرج السينمائي لطفي بوشوشي، الذي حصد عدة جوائز في مهرجان “وهران للفيلم العربي”، أن الجزائر تفتقد للإنتاج السينمائي، وحجته في ذلك غياب الأفلام وقاعات العرض والدعم الذي يجب أن يستفيد منه هذا القطاع.

ويقول بوشوشي “لسنا منتجين لسينما، هناك أقوال وخطابات فضفاضة، لكن في الواقع لا نعمل أي شيء لتغيير هذا الوضع. ربما رئيس الجمهورية له النية الحسنة في تحسين الوضع لكن المشكلة تكمن في المحيط”.

ويتساءل بوشوشي عن الفائدة الحقيقية من وجود عضو في الحكومة الجزائرية مكلف بالسينما في حين أنه ربما لا يملك سلطة القرار، وبالتالي لا تجد المشاكل التي تواجه أصحاب المهنة حلا جديا لها.

لكن مخطط عمل الحكومة يتحدث عن مشروع طموح يتطلع إلى الأفضل، حيث يؤكد على أن “الحكومة تسعى إلى ترقية إنتاج سينمائي وطني حقيقي من خلال تفضيل الاستثمار في التكوين في مختلف المهن السينمائية في مرحلة أولى، مع الاستعانة بالخبرات والكفاءات الدولية من أجل وضع التكنولوجيات المتطورة في متناول المهنيين في مجال السينما”.

وتعهدت الحكومة باستحداث تخصصات في ميادين التقنيين السينمائيين وتقنيي صيانة التجهيزات السينمائية في مراكز التكوين، بغرض تعزيز قدرات المهن السينمائية وتطوير الإنتاج الوطني من التجهيزات الموجهة للسوق السينمائية، إضافة إلى اتخاذ تدابير تحفيزية لفائدة المنتجين الأجانب من أجل أن تصبح الجزائر وجهة مفضلة لتصوير الأفلام والمسلسلات.

الجزائر تفتقد لقطاع سينمائي متكامل في غياب الإنتاج وقاعات العرض والدعم الذي يجب أن يكون موجها

ويتم ذلك بالتوازي مع إقرار تسهيلات جمركية وإعفاءات ضريبية واعتماد مزايا وتدابير تحفيزية، وترتيبات مبسطة للاستفادة من التمويل البنكي لفائدة المنتجين والمستثمرين في مجال الإنتاج السينمائي وتوزيع الأفلام واستغلال قاعات السينما.

وردت الحكومة على مطالب السينمائيين فأكدت على تشجيع الشراكة بشكل خاص لإنشاء استوديوهات السينما، وأستوديوهات التسجيل والتصوير وقاعات العرض، مع العمل على مرافقة مهنيّي السينما، وتعزيز المهنة من خلال نظام يقنن مساراتهم المهنية، كما ستشجع على بروز نواد خاصة بالسينما وحركات جمعوية ستعد بمثابة الشريك الثقافي المتميز.

كما أكدت الحكومة على تشجيع إنجاز قاعات السينما وقاعات متعددة النشاطات على مستوى المجمعات السكانية والمراكز التجارية من أجل ترقية استهلاك المنتوج الثقافي.

ويشدد المخرج أعراب على ضرورة توفر الإرادة السياسية للنهوض بالسينما الجزائرية وخلق سوق خاص بها، مشيرا إلى أن الدولة في وقت ما كانت لديها سينما موجهة؛ في إشارة إلى السينما الثورية أو التاريخية التي تروي بطولات شهداء حرب التحرير الجزائرية ضد الاستعمار الفرنسي.

ويقول السيناريست التلفزيوني رضا عينين إن الجزائر تملك كل الإمكانيات لتصبح قطبا سينمائيا عالميا وليس عربيا وأفريقيا فقط، مبرزا أن بلاده بإمكانياتها الطبيعية وآثارها يمكن أن تكون في مقدمة الدول المنتجة للسينما.

لكنه نوّه بأن ما يحول بينها وبين ذلك الهدف هو افتقادها لإرادة سياسية تجسد الأقوال على أرض الواقع، منبها في نفس الوقت إلى ضرورة التفريق بين الخطاب السياسي والإرادة السياسية التي لا أثر لها في الميدان.

تجاوز سينما الثورة

حديث المخرج يزيد أعراب عن سينما جزائرية جديدة يتصوره السيناريست رضا عينين في بعث أعمال فنية ليست بالضرورة مرتبطة بحرب التحرير الجزائرية، بل منفتحة على جوانب مهمة في حياة المجتمع كموجة العنف التي شهدتها البلاد في تسعينات القرن الماضي، والمواضيع الاجتماعية الأخرى التي لها علاقة بالحياة اليومية للمواطن.

ويؤكد عينين على توفر العشرات من السيناريوهات التي يليق أن تصبح أعمالا فنية ناجحة جدا شريطة تمكينها من الوسائل التي تضمن لها القبول والوصول إلى نيل إعجاب المشاهدين.

ويكشف عن حقيقة مرة تتمثل في قناعة تولدت لدى الكثيرين تتمثل في أن كل من يريد كسب قوته من السينما عليه أن يركز جهوده على الأعمال الثورية، داعيا إلى تغيير هذا الوضع الذي يكبح الإبداع ولا يشجع على إطلاق المبادرات الجديدة.

وتعتقد الممثلة لينا مشطر، خريجة مسرح مدينة القليعة غربي العاصمة الجزائرية، أن بلادها تفتقد لسينما حقيقية بسبب عوامل عدة حصرتها في غياب شبه تام لمدارس السينما، وعدم وجود الكوادر التي تصقل المواهب الصاعدة، وغياب الدعم المادي الكافي، والفكر الأحادي الذي عطل التجديد.

وترى مشطر أن السياسة الثقافية في بلادها لا تراعي مواهب الأجيال الجديدة التي تتحكم في التكنولوجيات الحديثة بشكل رائع، مشيرة إلى أولئك الممثلين الشباب الذين يحتاجون فقط إلى تثمين قدراتهم والاستثمار في مواهبهم.

ونوهت بأن السينما هي المرآة العاكسة للمجتمع، موضحة أنه لا يجب التحجج بالعادات والتقاليد لعدم إطلاق أعمال أخرى تتناول جوانب مهمة في حياة الناس كالدراما والكوميديا، وهو الطرح الذي يوافقها فيه المخرج أعراب. كما استغربت في نفس الوقت من اقتصار العمل الفني في الجزائر على شهر رمضان فقط.

وأردفت “الأعمال الفنية في الجزائر تشبه حلويات ومكسرات شهر رمضان، صحيح لكل بلد خصوصياته وتقاليده. فتوجد أنواع مختلفة في السينما، هناك السينما المصرية والسينما الإيرانية، فلم لا يكون لدينا شيء اسمه السينما الجزائرية”.

ويؤكد باقي بوخالفة، كاريكاتيري ومصمم أفلام كوميكس، أن السينما في الجزائر متخلفة ولا تواكب نظيرتها العربية ولا الغربية بسبب عدم وجود إستراتيجية واضحة وفعالة من قبل مؤسسات الدولة.

وانتقد بوخالفة بدوره التركيز على الأفلام التاريخية والثورية، التي وإن أنجزت يصاحبها الكثير من اللغط بسبب مضامينها، في حين أن بعض الأعمال الضخمة “مهمة” تواجه صعوبات كبيرة لا تستفيد من هذا الدعم الذي أصبحت مراجعته ضرورة ملحة بعدما أثر بشكل سلبي على الإنتاج السينمائي شأنه شأن غياب دور السينما وقاعات العرض.

ويتأسف بوخالفة لغياب الإنتاج السينمائي لدى التلفزيونات الخاصة التي تفضل برامج أجنبية بعضها مقرصن وذو جودة متواضعة، وهو الأمر الذي برأيه لا يشجع أصحاب المال على الاستثمار فيه.

لكن جمعية المنتجين الجزائريين لتطوير السينما لا تود البقاء مكتوفة الأيدي حتى أنها رفعت شعار “معا جميعا لتطوير السينما الجزائرية”، من أجل العمل على تغيير الوضع القائم.

ويؤكد المخرج بوشوشي أن توفر إرادة أخرى كفيل بإخراج السينما في الجزائر من النفق، داعيا الدولة إلى إرساء منظومة قانونية حديثة، وهيئة مركزية تشارك فيها قطاعات عديدة كوزارات الداخلية والخارجية والثقافة والإعلام يمكن أن تحمل اسم “المركز الوطني للسينما” تكون على اتصال مباشر برئاسة الجمهورية أو رئاسة الوزراء إذا اقتضى الأمر.

واستطرد “معروف عن الإنتاج السينمائي أنه اقتصاد لا يمكن تحصيل استثماراته في وقت قصير، لذا أقول للمسؤولين لا نريد صدقة، اتركونا نعمل فقط”.

وأجمع أعراب وبوخالفة على أهمية إزالة العراقيل الإدارية التي تصادف العاملين في قطاع السينما، مؤكدا أنه لا يعقل أن يتطلب استخدام الكاميرا الهوائية وتصوير ومضة بسيطة الحصول على إذن بالتصوير من جهات عدة.

14