بعد تحدي الرئيس الانتقالي للحوثيين…

الأحد 2014/11/16

بعد مضي ستة أسابيع على سيطرتهم على صنعاء، تحدّى الرئيس الانتقالي عبدربّه منصور هادي الحوثيين، أي “أنصار الله”. كان ذلك عبر تشكيل حكومة يمنية برئاسة خالد البحاح. يبدو أن “أنصار االله” في حال انتظار أكثر من أيّ شيء آخر. اكتفوا إلى الآن بالاعتراض على الحكومة. شاركهم في ذلك الرئيس السابق علي عبدالله صالح الذي لا يزال على رأس المؤتمر الشعبي العام أكبر الأحزاب اليمنية.

لم يأت تشكيل هذه الحكومة من فراغ. هناك عاملان لعبا دورا في تمكين الرئيس الانتقالي من تشكيلها. العامل الأوّل الدعم القوي الذي لقيه من الولايات المتحدة والدول الإقليمية، على رأسها دول مجلس التعاون الخليجي. أمّا العامل الثاني فيتمثّل في رغبة الحوثيين في عدم الدخول في مواجهة مباشرة مع مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة والظهور في مظهر من يريد القضاء نهائيا على العملية السياسية التي يرعاها المجتمع الدولي. لم يأت أوان الدخول في مثل هذه المواجهة، ما داموا يتحكّمون بالأرض وبصنعاء نفسها حيث يقيم الرئيس الانتقالي وتوجد كلّ مقرات المؤسسات الأساسية للدولة، بما في ذلك البنك المركزي ووزارة الدفاع والداخلية والخارجية والمالية…

بكلام أوضح، لا رغبة لدى الحوثيين في إدارة الدولة اليمنية بشكل مباشر. يريدون ذلك من خلف الستار، نظرا إلى معرفتهم الجيدة بالمشاكل الكبيرة التي يعاني منها البلد والتي لا حلول لديهم لها. وبكلام أكثر وضوحا أيضا، إنّهم يفضّلون عدم الظهور في الواجهة وترك غيرهم يتحمّل النتائج المترتبة على النقمة الشعبية العارمة التي تطال كلّ من يمارس أيّ مسؤولية حكومية على أيّ صعيد كان، وفي أيّ مجال كان.

يعرف “أنصار الله” جيدا ما يريدونه. لذلك، نجدهم يتحرّكون بطريقة ذكية. يحكمون سيطرتهم على المناطق الشمالية وعلى صنعاء نفسها ويسعون في الوقت ذاته إلى توسيع مناطق نفوذهم في الوسط، ذي الكثافة السكانية الشافعية. السؤال الآن، هل يتركون الحكومة الجديدة تمارس صلاحياتها، أم يعملون على إزاحتها؟

من الواضح، أنّ لا رغبة لديهم في الإقدام على أيّ خطوة دراماتيكية في المدى القصير، حتّى لو كان لديهم اعتراض على الحكومة. فالوقت يعمل لمصلحتهم، اللهمّ إلّا إذا تبيّن أن المقاومة التي يواجهونها في طريقهم إلى السيطرة على مناطق الوسط وصولا إلى عدن ومضيق باب المندب أقوى بكثير مما يعتقدون. عندئذ سيكون لديهم خيار آخر. يتمثّل هذا الخيار في الارتداد في اتجاه الشمال أكثر مع الاحتفاظ بصنعاء.

ما حقّقه الحوثيون، حتّى الآن، ليس قليلا. من كان يصدّق أنّهم سيسيطرون على صنعاء وسيهزمون قبل ذلك الإخوان المسلمين وآل الأحمر ويخرجونهم من معاقلهم في عمران، كما سيطردون عددا لا بأس به منهم من البلد؟

هناك بكل بساطة توازن جديد للقوى في اليمن. هذا التوازن لمصلحة إيران التي تسيطر على “أنصار الله” تماما كما تسيطر على “حزب الله” في لبنان. جديد الأيّام القليلة الماضية تشكيل حكومة يمنية، رغم اعتراض الحوثيين وعلي عبدالله صالح من جهة والعقوبات الدولية والأميركية على الرئيس السابق واثنين من القادة الحوثيين من جهة أخرى.

هذا الجديد سيجعل “أنصار الله” يعيدون حساباتهم، ولو قليلا. سيجعلهم يتريثون قبل الإقدام على خطوة كبيرة من نوع الاعتصام مجددا في صنعاء لإسقاط الحكومة. فقد كشف تطوّر الأحداث أنّ عبدربّه منصور ما زال يمتلك أنيابا. من وفّر له هذه الأنياب كان مجلس الأمن والولايات المتحدة والدول الخليجية الراضية على حكومة البحاح.

هل تكفي هذه الأنياب للدخول في مواجهة مع الحوثيين ومع حليفهم التكتيكي، نعم التكتيكي، علي عبدالله صالح. فكلّ ما يقال عن حلف استراتيجي بين الرئيس السابق و”أنصار الله” كلام غير دقيق. هذا على الأقلّ ما يقوله علي عبدالله صالح نفسه الذي بينه وبين الحوثيين “ست حروب وثلاثة عشر ألف شهيد”. جرت هذه الحروب بين 2004 و2010 وكانت تدور في صعدة، حيث معقل “أنصار الله” الذين لم يتمددوا في اتجاه المحافظات الأخرى إلّا بعد الانقلاب الذي أجبره على التنحي والذي كان وراءه الإخوان المسلمون وآل الأحمر ( أولاد الشيخ عبدالله بن حسين الأحمر)، زعماء حاشد سابقا.

لم تكن لدى علي عبدالله صالح مصلحة في الدخول في مواجهة مع الحوثيين في صنعاء. ما فتح لهم أبواب صنعاء كان انتصارهم غير المتوقّع في عمران على اللواء 310 التابع للواء علي محسن الأحمر وسيطرتهم على معسكرات هذا اللواء ومخازن السلاح التابعة له. ما فتح لهم أبواب صنعاء، التي كان لديهم وجود كبير فيها أصلا، هو رهان عبدربّه منصور على أنّ الوقوف موقف المتفرّج عندما حصلت معارك عمران مطلع تمّوزـ يوليو الماضي سيستنزف الطرفين. كان رهانه على أنّه سيلعب دور الرئيس القوي والحكم بين الجميع في حال استمرّت المواجهات بين “أنصار الله” واللواء 310 الذي يتحكّم به الإخوان المسلمون.

الآن، وبعد توقيع عبدربّه منصور “اتفاق السلم والشراكة” مع الحوثيين وبإشراف الأمم المتحدة ممثلة بجمال بنعمر، من المشروع التساؤل هل من عملية سياسية في اليمن في أساسها ما أسفر عنه مؤتمر الحوار الوطني؟ الواضح أن تشكيل حكومة يمنية يستهدف تأكيد ذلك، علما أن المعطيات على أرض الواقع تنفي إمكان الاستمرار في العملية السياسة المنبثقة عن الحوار الوطني الذي أقرّ “الدولة الاتحادية” ذات “الأقاليم الستة”.

هناك بكل بساطة تعارض تام بين ما أسفر عنه الحوار الوطني وما ورد في “اتفاق السلم والشراكة” الذي فرضه سلاح “أنصار الله”. إنّها مسألة وقت فقط، ويعرف بعدها هل يمكن للعقوبات الدولية التي رافقت تشكيل الحكومة الجديدة أن تلغي ما فرضه الحوثيون على الأرض، خصوصا أنّهم موجودون في صنعاء، وأنّهم يعتبرون، بلسان زعيمهم عبدالملك بدرالدين الحوثي، أنّهم قاموا بثورة قضت على النظام السابق الذي تأسس في السادس والعشرين من أيلول ـ سبتمبر العام 1962 اثر إطاحة الإمامة.

كلّ ما يمكن قوله في نهاية المطاف إن أيّاما حاسمة تنتظر اليمن. والمقصود باليمن ليس الشمال والوسط اللذين يتحرّك فيهما الحوثيون في مواجهة مع “القاعدة” ووسط انقسام ذي طابع مذهبي.

هناك أيضا موضوع الجنوب الذي سيطرح نفسه بحدة نهاية الشهر الجاري. هناك أطراف ستعلن استقلاله من جانب واحد وذلك في ذكرى جلاء الاستعمار البريطاني في الثلاثين من تشرين الثاني ـ نوفمبر 1967. هل ستكون هناك حرب جديدة مع الانفصاليين الجدد؟

3