بعد خمسة أعوام على 25 يناير.. الثورة تستبدل مطالبها بالاستقرار

حلت الذكرى الخامسة لثورة 25 يناير في مصر وسط اختيار المصريين التسليم بالأمر الواقع وتغليب الجانب الأمني وتفضيل الاستقرار، في وقت فشلت فيه جماعة الإخوان والتحالف الداعم لها في حشد المتظاهرين للنزول إلى الشوارع والميادين لإسقاط النظام وتكرار ما حدث قبل خمس سنوات، لكن متغيرات كثيرة حصلت وتأثيرات ألقت بظلالها على المصريين وأيضا على جماعة الإخوان المسلمين.
الثلاثاء 2016/01/26
لا مستقبل دون أمن واستقرار

أكثر من ألف قتيل في 22 محافظة مصرية سقطوا خلال 18 يوما، هي مدة الثورة التي أطاحت بحكم الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك في 2011، وبعد مرور خمس سنوات يتحدث بعض أهالي هؤلاء الشهداء عن أبنائهم وأحلامهم التي ماتوا من أجلها ورؤيتهم للثورة في عامها الخامس.

وبنبرة غضب، تحدّثت أميمة صالح، شقيقة إبراهيم علي صالح، قائلة إنها تحتسب حق شقيقها عند الله بعد ضياع حقه في الدنيا، مشيرة إلى أن الثورة لم تفلح في القصاص من قاتلي إبراهيم، ولم تختلف نبرة باسم بسيوني، شقيق أحمد بسيوني، حيث قال “أشعر بإحباط شديد.. الأوضاع رجعت مثلما كانت قبل الثورة ولا يوجد أي تغيير”.

في المقابل، قال رضا محمد، والد إبراهيم رضا، إن الأوضاع في مصر أفضل بكثير من قبل الثورة، مضيفا “أنا أحتسب إبراهيم عند الله شهيدا، وأرى أن الثورة نجحت والدنيا تغيرت”، وتشاركه الرأي والدة ولاء الدين حسني التي قالت “لا نريد أي اضطرابات.. نريد أن تهدأ الأوضاع”.

وهذا التباين في المواقف من ثورة 25 يناير لا يقتصر فقط على أسر ضحايا ثورة 25 يناير التي حلّت، الاثنين، ذكراها الخامسة، بل يمتد ليشمل كل المصريين من سياسيين ونشطاء حقوقيين ورموز ثورة 25 يناير وصولا إلى عامة الشعب، التي بدا موقفها أكثر وضوحا من البقية في تغليبها للجانب الأمني عبر تأييد النظام ورفض المشاركة في الدعوات إلى التظاهر ضدّه.

ومن أنصار هذا الموقف الجامعي أحمد عبدالغني، وهو طالب بجامعة القاهرة، الذي يؤكد أن “أهداف ثورة يناير لم تتحقق غير أن البلد يعيش فترة حرجة ويريد استمرار الاستقرار خاصة مع وجود برلمان”. وأضاف “أي محاولة للتظاهر أو تهديد النظام السياسي هي محاولة لإنهاء مصر”.

جميع الأسباب التي أدت إلى اندلاع ثورة يناير ما زالت قائمة لكن المصريين متقبلون بأن يضحوا ببعض المطالب في سبيل الاستقرار

ومن هنا، يقول مراقبون إن الهدوء الذي شهدته الشوارع والميادين المصرية في الذكرى الخامسة لثورة يناير، الاثنين، لم يكن نجاحا سياسيا وأمنيا للنظام الحاكم بقدر ما كان انعكاسا لحالة المواطن المصري الذي أرهقته خمس سنوات من الاضطرابات السياسية والأمنية في ظل تدهور الأوضاع الاقتصادية، بالإضافة إلى التهديدات الإرهابية.

وقد دفع هذا الحال المصريين إلى التسليم بالأمر الواقع، وانعكس ذلك في محدودية المظاهرات التي شهدتها البلاد وقابلتها أيضا احتفالات محدودة.

صورة إيجابية

وأكد مراقبون لـ”العرب” أن السيطرة الأمنية على مجريات الأمور في ذكرى الثورة، تعطي صورة إيجابية للنظام الحاكم داخليا وخارجيا، فمرور الذكرى دون مشكلات رسالة قوية بأن النظام يسيطر على زمام الأوضاع في البلاد، وأنه يخطو نحو المزيد من الاستقرار، بما يتيح فرصة للنمو الاقتصادي والقيام بأدوار أكبر على الساحة الإقليمية.

ويقول أستاذ العلوم السياسية حازم حسني إن “جميع الأسباب التي أدت إلى اندلاع ثورة يناير مازالت قائمة”، وبينها المطالب الاجتماعية والمعيشية التي طالب بها متظاهرون في ميدان التحرير لكن “حتى هذه اللحظة، المصريون متقبلون بأن يضحوا ببعض المطالب في سبيل استقرار الدولة”.

وكان استطلاع للرأي أظهر أن النسبة الأكبر من المصريين ترى أن الانتفاضة الشعبية التي شهدتها مصر يوم 25 يناير 2011، كان لها تأثير إيجابي على الأوضاع السياسية وتأثير سلبي على الأوضاع الاقتصادية في مصر.

شركات الحراسة أبرز مستفيد من قلق 25 يناير
القاهرة - يقول المثل: مصائب قوم عند قوم فوائد، وفي مصر فإن قلق المشاهير ورجال الأعمال وتحول تركيز قطاع كبير من رجال الشرطة لتأمين المنشآت الحيوية، أصبح مصدرا للرزق الوفير لشركات الحراسة الخاصة.

وائل البسيوني، مسؤول شعبة شركات الحراسة بالغرفة التجارية بالقاهرة قال لـ”العرب”، إن الزيادة منذ بداية 2016 بلغت 30 بالمئة تقريبا عن العام الماضي، حيث باتت 80 بالمئة من المنشآت مؤمنة من قبل شركات الحراسة الخاصة، مقابل 50 بالمئة فقط في العام الماضي. وأضاف أن هناك إقبالا متزايدا من رجال السياسية والإعلام والشخصيات العامة، وكذلك أصحاب محلات الذهب الكبرى ورؤساء مجالس إدارات البنوك وشركات الصرافة للتعاقد مع أفراد الحراسة الخاصة (البودي غارد) منذ بداية العام الحالي، وهو ما أدى إلى زيادة الطلب عليهم بنسبة تصل إلى 100 بالمئة، الأمر الذي انعكس على ارتفاع عدد شركات الحراسة الخاصة لتصل إلى 80 شركة، مقارنة بـ40 فقط العام الماضي، وبعضها شركات تعمل بصورة غير شرعية كونها غير مرخصة.

وأكد شريف خالد، المدير التنفيذي لشركة فالكون للحراسات والأمن، التي تستحوذ على 70 بالمئة تقريبا من سوق الحراسات الخاصة في مصر، أن شركات الأمن الخاص استعدت للخروج بسلام من أي أحداث شغب قد تقع خلال الاحتفال بالذكرى الخامسة لثورة 25 يناير المقبل.

وأضاف لـ”العرب” أن بعض البنوك والسفارات والمنشآت الحكومية مثل الجامعات، طلبت تكثيف التواجد الأمني من شركات الأمن الخاص خلال الفترة المقبلة، لافتا إلى أن شركته أعدت خطة طوارئ وغرفة عمليات لمتابعة الأحداث المتوقعة.

ومن ناحيته، قال اللواء عادل عمارة، رئيس شعبة شركات الحراسة بالغرفة التجارية، إن سوق شركات الحراسة في مصر كان قاصرا على عدد من اللواءات المتقاعدين، قبل أن يصبح محل أنظار رجال الأعمال الذين لجأوا إلى الاستثمار في هذا النشاط، بعد زيادة الطلب عليها إلا أن القانون الجديد يواجه دخول رجال الأعمال في هذا المجال، حيث نص على ضرورة أن يكون مؤسس الشركة أحد القيادات الأمنية السابقة.

ويرجع تاريخ وجود شركات الأمن والحراسات الخاصة في مصر إلى سبعينات القرن الماضي، بعد دخول استثمارات أجنبية كانت تحتاج لحراسة. ووفقا لبحث حديث لشركة G4S للخدمات الأمنية، فإن منطقة الشرق الأوسط أصبحت أكثر الأسواق تطورا في مجال الأمن والحماية الخاصة على مستوى العالم، وتوقعت الشركة أن يكون سوق الخدمات الأمنية قد تجاوز 7 مليارات دولار خلال 2015.

وأوضح الاستطلاع، الذي أجراه المركز المصري لبحوث الرأي العام “بصيرة”، أن 29 بالمئة من المصريين يرون أن أحوال البلاد بصورة عامة الآن أفضل بكثير من أحوالها قبل الثورة و39 بالمئة يرونها أفضل، بينما 10 بالمئة لا يشعرون بأي تغير في الأحوال مقارنة بالأحوال قبل الثورة و10 بالمئة يرون الأحوال الآن أسوأ و9 بالمئة يرونها أسوأ بكثير و3 بالمئة لم يستطيعوا التحديد.

وفيما يتعلق بتأثير الثورة على الأوضاع السياسية مقارنة بما قبل الثورة، يرى 17 بالمئة من المصريين أنه كان لها تأثير إيجابي جدا على الأوضاع السياسية و32 بالمئة يرون أن لها تأثير إيجابي.

وبتحليل البيانات المتعلقة بتأثير الثورة على الأوضاع الاقتصادية يتضح أن نسبة من يرون أن الثورة كان لها تأثير سلبي على الأوضاع الاقتصادية أكبر من نسبة من يرون أن لها تأثيرا إيجابيا، حيث يرى 45 بالمئة أن الثورة كان لها تأثيرا سلبيا (22 بالمئة سلبي و23 بالمئة سلبي جدا). ويرى 33 بالمئة فقط أن للثورة تأثيرا إيجابيا (22 بالمئة إيجابي و11 بالمئة إيجابي جدا).

استنفار أمني

ومن الأسباب الأخرى التي ساعدت على فشل الدعوات إلى التظاهر، التحسب الأمني الذي وصل حد الترهيب، قبل أيام من ذكرى الثورة. وقد بلغت القوات المشاركة في عمليات تأمين الشوارع والميادين نحو 40 ألف شرطي، بمعاونة قوات الجيش، وهو ما أعطى انطباعا بشأن احتمال وقوع أعمال عنف بين المتظاهرين وقوات الأمن.

وأشار ماهر فرغلي، الخبير في شؤون الجماعات الإسلامية، إلى أن طبيعة قوات الأمن في مصر تلجأ أحيانا إلى تضخيم الحدث حتى تتمكن من السيطرة على الأوضاع، وهو ما تم في مناسبات عديدة من قبل، إلا أن تزايد وتيرة أعمال العنف والبيانات الداعية لها، قبل ذكرى الثورة، أحدث شعورا بالهلع وأن هناك أمرا قد يحدث، وهو ما صب بالأساس في مصلحة جهاز الأمن.

وكانت قوات الأمن قد تحدّثت عن تخطيط خلايا مسلحة تابعة لتنظيم الإخوان تطلق على نفسها “العقاب الثوري وأجناد مصر” للقيام بأعمال تخريبية تزامنا مع احتفالات الشرطة المصرية بعيدها، والذي يواكب ذكرى اندلاع ثورة يناير.

وفي الساعات الأولى من صباح الاثنين، تمكنت قوات الأمن بمحافظة الجيزة من إلقاء القبض على بعض أعضاء تلك الخلايا ووصل عددهم إلى 10 أفراد داخل مخزن فيه متفجرات وأسلحة بمنطقة كرادسة (أحد أهم معاقل الإخوان بالقرب من العاصمة).

واشتبكت قوات الأمن معهم ما أدى إلى مقتل أحدهم. كما تم ضبط سبعة عناصر قيل إنها تابعة للإخوان من القيادات الوسطى بمنطقة جنوب الجيزة، القريبة من القاهرة.

وبحسب بيان للداخلية المصرية كانت مسؤولة عن تحريك المظاهرات واستهدفت المنشآت الأمنية، والقيام بأعمال عنف وحرق سيارات الشرطة.

وتوقّع خالد عكاشة، الخبير الأمني، لـ”العرب”، أن يمتد التواجد الأمني في الميادين والشوارع الرئيسية لأيام، تحسبا لأي عمليات إرهابية من جانب تنظيم بيت المقدس (الذي أعلن بيعته لداعش) في ذكرى جمعة الغضب 2011، الموافق للخميس 28 يناير، وهو ما يتحسب له الأمن بشكل كبير.

68 بالمئة من المصريين يرون الأوضاع أفضل بعد ثورة 25 يناير

ولفت عكاشة إلى أن قوات الأمن قامت على مدار الأشهر الماضية بتجميع أكبر قدر ممكن من المعلومات بخصوص المجموعات المسلحة، لأنها متداخلة مع بعضها البعض. وأشار إلى أن نجاح قوات الأمن هو بمثابة حلقة جديدة من مسلسل الفشل المتكرر لجماعة الإخوان وأتباعها منذ العام 2013، وأن الجماعة لم تستطع أن تلملم أوراقها المبعثرة حتى الآن منذ رحيلها عن السلطة، ما يسهّل من مهمة الأجهزة الأمنية.

وقال ماهر فرغلي، الخبير في شؤون الجماعات الإسلامية، إن المزاج الشعبي الرافض لاندلاع ثورة جديدة من أهم عوامل فشل جماعة الإخوان، علاوة على غياب الحركات الثورية المعارضة التي أعلنت عدم نزولها للشارع ورفض تعاونها مع الإخوان مرة أخرى. وأضاف لـ”العرب”، أن التيار الإسلامي في مصر يعاني الشتات، فتنظيم الإخوان لم يعد له وجود مؤثّر على الأرض، وحزب النور السلفي اتخذ موقفا مقاربا للسلطة، وعدد كبير من الجماعات السلفية التقليدية هرب إلى خارج مصر.

وكانت الجماعات الإسلامية تلعب على وتر الدين خلال حشدها للمواطنين، إلا أن فشل تجربة الإخوان في الحكم أفقدها قدرا كبيرا من المصداقية، كما أن هناك حالة من عدم الثقة بين المواطنين والحركات الثورية المعارضة، والتي يصورها الإعلام المصري على أنها تتلقى تمويلات من جهات أجنبية للعبث بالأمن القومي. أما الأحزاب فلا وجود لها على أرض الواقع، فبعضها انشغل بالبرلمان والبعض الآخر لا يعلم الشارع عنه شيئا وبعضها أصبح ديكورا للنظام الحاكم.

7