بعد خمسين عاما على 1968.. أميركا تواجه الهواجس ذاتها

الحركة الاحتجاجية التي يقودها الطلاب اليوم هي امتداد لتحركات ضد الحرب ومن أجل الحقوق المدنية بدأت قبل سنوات أي من 1968.
الثلاثاء 2018/04/03
مظاهرات تذكر بأجواء الستينات

واشنطن - خمسون عاما مضت والهواجس ذاتها لا تزال تطارد الولايات المتحدة، كما في العام 1968، بين تدخل عسكري يراوح في حرب لا تعرف نهاية، وطلاب يتظاهرون غاضبين، ونساء يناضلن من أجل وضعهن، ورياضيين أميركيين من أصل أفريقي يندّدون بالعنصرية.

ويقول ديفيد فاربر، أستاذ التاريخ في جامعة كنساس، “الاغتيالات، أعمال الشغب، حركات التمرد، التظاهرات، البلبلة والفوضى، كانت 1968 سنة صدمات هائلة، صدمات أعتقد أن أصداءها لا تزال تتردد إلى اليوم بعد مضي 50 عاما”.

وترى إيمي باس، الكاتبة وأستاذة التاريخ في جامعة نيو روشيل، أن “فترة الستينات هي ذلك العقد من الاضطرابات والفوضى السياسية الهائلة، والعام 1968 كان استثنائيا لأسباب شتى”.

في تلك السنة وقعت عمليتا اغتيال هزّتا البلاد، الأولى اغتيال مارتن لوثر كينغ الحائز على جائزة نوبل للسلام عام 1964 والناشط من أجل الحقوق المدنية الذي قتله أميركي أبيض من العنصريين في ممفيس بولاية تينيسي، والثانية اغتيال السيناتور روبرت كينيدي برصاص أطلقه عليه فلسطيني في 5 يونيو في لوس أنجلس مساء فوزه في الانتخابات التمهيدية الديمقراطية في كاليفورنيا.

وقاد اغتيال لوثر كينغ إلى اضطرابات وأعمال شغب في المدن الأميركية الكبرى ومنها واشنطن. أما اغتيال كينيدي، فقاد الجمهوري ريتشارد نيكسون إلى السلطة. وكانت الولايات المتحدة آنذاك تنهض بالكاد من صدمة أولى.

ففي نهاية يناير، شن مقاتلو الفيت كونغ هجوما عرف بهجوم تيت (رأس السنة القمرية) على المئات من المدن جنوب فيتنام وبينها هوي وسايغون، ما شكل ضربة زعزعت إدارة الرئيس ليندون جونسون وأشعلت الجامعات الأميركية ضد حرب بقيت أطول نزاع خاضته الولايات المتحدة حتى اجتياح أفغانستان عام 2001.

تظاهرات طلابية

لحظة فارقة في تاريخ الولايات المتحدة
لحظة فارقة في تاريخ الولايات المتحدة

لم تثر حرب أفغانستان احتجاجات بهذا الحجم، وبرّر تود غيتلين من جامعة كولومبيا ذلك بأنها (الحرب) كانت نتيجة اعتداءات 11 سبتمبر الإرهابية، ولأن الخدمة العسكرية ألغيت عام 1973. أما طلاب العام 2018، فلديهم قضية أخرى هي قضية الأسلحة النارية التي تحصد حوالي ثلاثين ألف شخص كل سنة.

ويقول غيتلين “ثمة فرق كبير هو أن الطلاب يطلقون اليوم شيئا جديدا في حين أن التحركات ضد الحرب ومن أجل الحقوق المدنية بدأت قبل سنوات” من 1968.

ونزل مئات الآلاف من الأميركيين إلى الشوارع في 24 مارس 2018 في الولايات المتحدة للتنديد بالعنف بواسطة الأسلحة النارية، بعد شهر على المجزرة التي أوقعت 17 قتيلا في مدرسة باركلاند بولاية فلوريدا.

وتعتبر الحركة من أجل الحقوق المدنية للسود بقيادة مارتن لوثر كينغ الحركة الاحتجاجية الأكبر في الستينات من القرن الماضي، إلى جانب التحركات الطلابية ضد الحرب.

ومن الصور الأبرز التي تبقى رمزا للعام 1968، مشهد الرياضيين من أصل أفريقي الأميركيين تومي سميت وجون كارلوس الفائزين بميداليتين ذهبية وبرونزية في الألعاب الأولمبية بمكسيكو، يرفعان قبضتيهما في قفازين أسودين خلال عزف النشيد الوطني الأميركي احتجاجا على الظلم بحق الأميركيين الأفارقة.

وبعد خمسة عقود، لا تزال مسألة العنصرية من المواضيع الساخنة المطروحة وتندد حملة “بلاك لايفز ماتر” (حياة السود تهم) بأعمال العنف في ممارسات الشرطة ضد الأميركيين من أصل أفريقي.

وفي 2017، تصدر الحركة مرة أخرى رياضي آخر هو كولين كابرنيك الذي ألهمه البطلان الأولمبيان وفضّل أن يركع أثناء عزف النشيد الوطني الأميركي قبل مباريات بطولة كرة القدم الأميركية. واتسعت موجة الاحتجاج في أوساط الرياضة مثيرة غضب المحافظين والرئيس دونالد ترامب نفسه.

ولفتت الأستاذة المساعدة في جامعة تينيسي/تشاتانوغا سوزان إيكلمان بيرغل إلى أن كابرنيك وحركة “بلاك لايفز ماتر” “تعرضا للذم والانتقادات كما حركة بلانك بانثرز من قبلهما في نهاية الستينات”.

تحرير المرأة

Thumbnail

اتخذت حركة تحرير المرأة بعدا جديدا عام 1968 حين تظاهرت المئات من النساء ضد مباريات ملكة جمال أميركا التي نظمت في أتلانتيك سيتي. ويقول ديفيد فاربر “إنهن طرحن سؤالا صعبا: كيف ينبغي معاملة النساء؟ إنه سؤال لا يزال مطروحا اليوم”.

وفي يناير 2017، نزلت مئات الآلاف من النساء إلى الشارع ضد الرئيس ترامب بعد تنصيبه رسميا، تنديدا بتصريحاته المهينة للمرأة. وفي أكتوبر ولدت حركة “مي تو” (أنا أيضا) في أعقاب فضيحة هارفي واينستين، منتج هوليوود النافذ الذي اتهمته العديد من النساء والنجمات تحديدا بالاغتصاب والتعديات الجنسية على مدى سنوات دون أن يخشى أي عقاب.

وتشير غيكلمان بيرغل إلى أن سنة 2018 هي على غرار 1968 “سنة الوعود التي لم تف بها رئاسة ليبرالية”. فقد باشر ليندون جونسون حربا ضد الفقر والظلم العرقي، لكنه لم يتقدم لولاية جديدة عام 1968 في وقت كان يتخبط في حرب فيتنام، فانتخب الجمهوري ريتشارد نيكسون بناء على وعد بإعادة توطيد القانون والنظام.

كذلك لم ينجح باراك أوباما، أول رئيس من أصل أفريقي في تاريخ الولايات المتحدة، في بناء “مجتمع ما بعد العنصرية”، ففاز الملياردير الصاخب دونالد ترامب مستقطبا أصوات “الغالبية الصامتة” التي سبق وانتخبت نيكسون، بحسب ديفيد فاربر.

 وقال الأستاذ الجامعي إن “ترامب ابتكر صيغته الخاصة من الشعبوية المحافظة، مثلما فعل نيكسون عام 1968. العديد من الأميركيين يريدون فقط أن يستتب النظام ويريدون الإبقاء على التراتبية القديمة”.

7